إذا عرفنا أن الرؤى في اللغة جمع رؤيا، وهي ما يراه الإنسان في منامه، فإننا لا نجد فرقًا بين المعنى اللغوي، والمعنى الاصطلاحي، وإنما اختلف الناس في بيان كيفية هذه الرؤى وحقيقتها اختلافًا عظيمًا ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣].
وسبب اختلافهم في حقيقة الرؤيا، هو إعراضهم عن الكتاب والسنة، ومحاولة الوقوف على أمور لا تدرك بالعقول.
قال المازري (٣) ﵀: «كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة، لما حاولوا الوقوف على حقائق لا تعلم بالعقل، ولا يقوم عليها البرهان، وهم لا يصدقون بالسمع، فاضطربت لذلك مقالاتهم» (٤).
_________________
(١) معجم مفردات ألفاظ القرآن (١٨٨) تحقيق: نديم المرعشلي، دار الفكر، بيروت.
(٢) انظر: المصباح المنير، تأليف أحمد بن محمد الفيومي (٢٤٧) المكتبة العلمية، بيروت.
(٣) هو الشيخ الإمام العلامة البحر المتقن، أبو عبد الله، محمد بن علي المازري (٤٥٣ - ٥٣٦) من فقهاء المالكية، وينسب إلى مازر بجزيرة صقلية، مصنف كتاب المعلم بفوائد مسلم" و"الكشف والإنباء في الرد على الإحياء للغزالي" أخذ عنه القاضي عياض. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٠٤ - ١٠٧) ووفيات الأعيان (٣/ ٤١٣) وشذرات الذهب (٤/ ١١٤).
(٤) المعلم بفوائد مسلم (٣/ ١١٥) تقديم وتحقيق: محمد الشاذلي النيفر، دار العرب الإسلامي، بيروت الطبعة الثانية (١٩٩٢) م.
[ ٤٤ ]
وقال أبو العباس القرطبي (١) ﵀ في كتابه المفهم: "وقد اختلف في كيفية الرؤيا قديمًا وحديثًا، فقال غير الشرعيين أقوالًا مختلفة وصاروا فيها إلى مذاهب مضطربة قد عريت عن البرهان فأشبهت الهذيان، وسبب ذلك التخليط العظيم؛ الإعراض عما جاءت به الأنبياء من الصراط المستقيم (٢).
ونتيجة لهذا السبب تعددت أقوالهم في الرؤيا، وقد ذكر جملة من هذه الأقوال الإمام أبو الحسن الأشعري ﵀ في كتابه مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (٣) والإمام ابن حزم (٤) ﵀ في كتابيه الفصل في الملل
_________________
(١) هو أبو العباس، أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري القرطبي المالكي الفقيه المحدث، وهو شيخ القرطبي المفسر (٥٧٨ - ٦٥٦ هـ) من كتبه المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم، قال ابن كثير ﵀: وشرح صحيح مسلم المسمى بالمفهم، وفيه أشياء حسنة مفيدة محررة. انظر: ترجمته في: البداية والنهاية (١٣/ ٢٢٦) والأعلام للزركلي (١/ ١٨٦٩) ومعجم المؤلفين (٢/ ٢٧).
(٢) المفهم (٤/ ٢١٦) مخطوط مصور في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، (٧٤٩٧) ف.
(٣) انظر: مقالات الإسلاميين (٢/ ١٠٧) تحقيق: محمد محيي الدين، الطبعة الأولى، عام (١٣٦٩) هـ، مكتبة النهضة المصرية.
(٤) هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الفارسي الأصل، ثم الأندلس القرطبي (٣٨٤ - ٤٥٦) كان إمامًا حافظًا فقيهًا ظاهري المذهب، فاق أهل زمانه، تبحر في علم المنطق حتى أدى به إلى تأويل الصفات، وكان في بيت وزارة ورئاسة ووجاهة ومال وثروة، وكان مصاحبًا للشيخ أبي عمر بن عبد البر النمري. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء للذهبي (١٨/ ١٨٣ - ٢١٢) وأطال في ترجمته والبداية والنهاية (١٢/ ٩٨) وشذرات الذهب (٣/ ٢٩٩ - ٣٠٠) ولسان الميزان (٤/ ١٩٨ - ٢٠٢) وغيرها كثير.
[ ٤٥ ]
والأهواء والنحل (١) والأصول والفروع (٢) وذكرها ابن القيم ﵀ في كتاب الروح (٣) وغيرهم.
وسأذكر - بعون الله - أهم هذه الأقوال وأشهرها، مع المناقشة لكل قول ثم أختم بقول أهل الحق مع بيان أدلته النقلية والعقلية إن شاء الله تعالى.
القول الأول: قال صالح بن قبة (٤): إن الرؤيا حق، وما يراه النائم في نومه صحيح كرؤية العينين في اليقظة، فإذا رأى الإنسان في المنام كأنه بأفريقية وهو ببغداد فقد اخترعه الله سبحانه بأفريقية في ذلك الوقت (٥).
الرد: قوله: «إن الرؤيا حق» هذه العبارة فيها إجمال فإن كان المقصود بها أن الرؤيا الصالحة حق بمعنى أنها ليست خيالات باطلة، فهذا صحيح.
أما إن كان قصده بهذه العبارة أن ما يراه النائم كرؤية اليقظة فهذا لا يشك عاقل في بطلانه فهو في غاية الفساد والبطلان، فالواقع والعقل يبطلانه.
أما الواقع: فنحن نشاهد أن النائم عندنا، ورأى نفسه في ذلك الوقت في أفريقية مثلًا.
_________________
(١) انظر: الفصل (٥/ ١٢٣، ١٢٤) بتحقيق محمد نصر وعميرة دار الجيل (١٤٠٥) هـ
(٢) انظر: الأصول والفروع (١/ ٢٤٣ - ٢٤٥) الطبعة الأولى (١٩٧٨) دار النهضة القاهرة.
(٣) انظر: الروح (٢٩، ٣٠) مكتبة الرياض الحديثة.
(٤) هو أبو جعفر صالح بن محمد بن قبة، من متكلمة الشيعة، ومن أئمة المعتزلة، وله كتب كثيرة، ذكره ابن طاهر في الفرق بين الفرق (١٢٤) أنه من المرجئة القدرية وذكر زهدي النجار في كتابه المعتزلة (١٤٥) أنه توفي سنة ٢٤٦ هـ انظر ترجمته في: فرق وطبقات المعتزلة (٢٨١) للقاضي عبد الجبار الهمذاني.
(٥) انظر: كتاب المواقف في علم الكلام للإيجي (٦/ ١١٢) ومقالات الإسلاميين للأشعري (٢/ ١٠٧) والفصل في الملل والنحل لابن حزم (٥/ ٧١، ١٢٣) والأصول والفروع له (١/ ٢٤٣).
[ ٤٦ ]
وأما من طريق العقل، فإن النائم يرى من الأحلام من كونه مقطوع الرأس مثلا، وهو حي، وما أشبه ذلك، كما جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله: رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره، فقال رسول الله - ﷺ - للأعرابي: «لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك» (١) فعلى هذا القول يكون رأسه قد قطعت حقيقة وهو حي، وهذا من الباطل بمكان (٢).
القول الثاني: قال أكثر المعتزلة (٣) إن ما يراه الإنسان في منامه إنما هو تخيلات باطلة لا حقيقة لها ولا تدل على شيء (٤).
الرد: إن القول بأن الرؤيا جميعها خيالات باطلة، قول باطل وغريب، حيث دل كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - على أن الرؤيا تنقسم إلى ثلاثة أقسام ومنها الرؤيا الصادقة، والتي منها رؤيا الأنبياء والتي هي من الوحي.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] ورؤيا الحق
_________________
(١) سبق تخريجه (٢٤) وله روايات متعددة عند مسلم في صحيحه.
(٢) انظر: الفصل في الملل والنحل (٥/ ١٢٣) والأصول والفروع (١/ ٢٤٣).
(٣) المعتزلة: هم اتباع واصل بن عطاء الغزال (ت١٣١ هـ) سمي هو وأصحابه بالمعتزلة لأنه اعتزل مجلس الحسن البصري عندما سئل عن حكم صاحب الكبيرة، فقال، واصل بأنه ليس بمؤمن ولا كافر، وسلكت المعتزلة منهجًا عقليًا في العقيدة، وهم فرق كثير لكل فرقة آراء تميزت بها، لكن اتفقوا على أصول خمسة هي: التوحيد، والعدل والوعد، والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهم تفسيراتهم المنحرفة لهذه الأصول. انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٣٥) والفرق بين الفرق (٢٠) والملل والنحل للشهرستاني (١/ ٥٠). والتنبيه والرد للملطي (٣٥ - ٤١) والبرهان في عقائد أهل الأديان (٢٦، ٢٧).
(٤) انظر: جواهر الكلام للإيجي (١٧٣) تحقيق: الدكتور عفيفي والموافق (٦/ ١١١) ومقالات الإسلاميين (٢/ ١٠٧) وفيه قال الأشعري ﵀: «وقال بعض المعتزلة الرؤيا ثلاثة أنحاء» ثم عقب يقول أهل الحديث.
[ ٤٧ ]
هي التي لا بد من وقوعها وصدقها، فهي ليست من قبيل أضغاث الأحلام.
ومن السنة قوله - ﷺ -: «الرؤيا ثلاث: فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان ..» (١).
قال الخوارزمي (٢) في كتابه مفيد العلوم ومبيد الهموم: «الباب السادس في سؤال المعتزلة في الرؤيا».
قالوا: كيف يجوز أن يرى ألف إنسان في وقت واحد النبي - ﷺ - وكل واحد منهم في بلد غير بلد صاحبه، وهل يجوز أن يكون جسم واحد في ألف مكان، فلهذا أجمعنا على إبطال الرؤيا سوى رؤية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
أجاب الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: تجويزكم صحة رؤيا الأنبياء يبطل قولكم ببطلانها لغير الأنبياء .. (٣).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في جامعة في كتاب الرؤيا، باب أن رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوية (٤/ ٥٣٢) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في السنن الكبرى، كاب التعبير، باب إذا رأى ما يكره (٤/ ٣٩٠) من حديث أبي هريرة ﵀، وصححه الألباني كما في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٣٢٨ - ٣٣٠).
(٢) هو جمال الدين أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي، ثم البغدادي (ت٤٠٣ هـ) كان ثقة دينا حسن الصلاة على طريق السلف انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٧/ ٢٣٥٩ والبداية والنهاية (١١/ ٣٧٤) وشذرات الذهب (٣/ ١٧٠).
(٣) مفيد العلوم ومبيد الهموم (٥٣٤) تحقيق: عبد الله الأنصاري طبعة (١٤٠٠) المكتبة العصرية، بيروت وقد طبع هذا الكتاب ثلاث طبعات وينسب فيها للخوارزمي المذكور ومنها الطبعة التي ذكرتها بحقيق الأنصاري، وطبعتين بمصر سنة ١٣١٠هـ، ١٣٣١ وطبع ونسبت في هذه الطبعة إلى زكريا بن محمد بن محمود القزويني (٦٠٥ - ٦٨٢) ولم يذكر سببًا واضحًا في نسبة الكتاب للقزويني سوى أنه وجده على بعض النسخ، والله أعلم.
[ ٤٨ ]
وقال أبو بكر بن العربي (١) ﵀ في رده على قول المعتزلة السابق: «وهذا على أصلهم في تخييلهم على العوام وإنكار أصول الشرع كإنكارهم الجن (٢) وإنكارهم كلام الملائكة للبشر، وأن جبريل لو كلم محمدًا - ﷺ - لسمعه الحاضرون» (٣).
وقال ﵀: «قد قيل: إن الرؤيا لا حقيقة لها وهم القدرية (٤)، تعسًا لهم، وغلا صالح قبة، فقال: كل الرؤيا والرؤية بعين الرأس حقيقة».
ثم قال أبو بكر: وهذا حماق (٥).
_________________
(١) هو الإمام العلامة الحافظ القاضي، أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي المالكي الأندلسي (٤٦٨ - ٥٤٣هـ) كان فقيهًا عالمًا صحب الغزالي وأخذ عنه وكان يتهمه برأي الفلاسفة. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٩٧ - ٢٠٤) والبداية والنهاية (١٢/ ٢٤٥) وشذرات الذهب (٤/ ١٤١).
(٢) انظر قولهم في إنكار الجن: الفصل في الملل والنحل (٥/ ٥٧) وتفسير الرازي (١/ ٤٣٢).
(٣) إكمال المعلم (٦/ ٦٩) وانظر: إشارات الإمام (١٥٨).
(٤) القدرية هم الذين ينفون مشيئة الله في أفعال العباد، والمراد بهم هنا المعتزلة لأنهم زعموا أن هم الذين يخلقون أفعالهم استقلالًا وليس لمشيئة الله أثر فيها. قال البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق (١١٥) في بيان لما أجمعت عليه المعتزلة، وقد زعموا أن الناس هم الذين يقدرون إكسابهم وأنه ليس لله ﷿، في إكسابهم وفي أعمال سائر الحيوانات صنع ولا تقدير، ولأجل هذا القول سماهم المسلمون قدرية، وسماهم المسلمون أيضًا مجوس هذه الأمة. وانظر: تأويل مختلف الحديث (٩١ - ٩٥) والفصل في الملل والنحل (٣/ ٣٣) والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (٢٦) والملل والنحل (١/ ٥٤).
(٥) عارضة الأحوذي (٩/ ١٣٠).
[ ٤٩ ]
وممن نسب هذا القول لبعض المعتزلة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو معروف بدقة معرفته بأقوال أهل الملل والنحل ورده عليهم.
حيث قال في كتابه بيان تلبيس الجهمية: «وحكوا عن طائفة من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله، يعني في المنام، والنقل بذلك متواتر عمن رأي ربه في المنام، ولكن لعلهم قالوا: لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام فيكونون قد جعلوا مثل هذا من أضغاث الأحلام، ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة كسائر ما يرى في المنام، فهذا مما يقوله المتجهمة، وهو باطل مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم» (١).
وقريب من قول المعتزلة السابق في حقيقة الرؤيا، ما ينسب إلى الأشاعرة (٢) فقد ذكر الإيجي (٣) وهو أشعري العقيدة، في كتابه المواقف في علم الكلام أن قول المعتزلة والأشاعرة في الرؤيا أنها خيال باطل، وإنما فرق بين القولين في التعليل فقط.
فقال: «وأما الرؤيا فخيال باطل عند المتكلمين، أما عند المعتزلة فلفقد شرائط الإدراك، من المقابلة وانبعاث الشعاع، وتوسط الهواء، وأما عند الأصحاب إذا
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٧٣).
(٢) هم الذي ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري، من المتكلمين، يقولون لله تعالى سبع صفات، السمع، والبصر، والعلم، والكلام، والقدرة، والإرادة والحياة، وبقية الصفات يؤولونها وينكرون الأسباب والحكم، وأهم خلاف لهم مع أهل السنة في الصفات وفي كلام الله، وعندهم أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، انظر آرائهم في: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٩٤) والفصل في الملل والنحل (٥/ ٧٧).
(٣) هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار بن أحمد الإيجي (٧٠٨ - ٧٥٦ هـ). انظر ترجمته في: الدرر الكامنة (٢/ ٣٢٣) وشذرات الذهب (٦/ ١٧٤، ١٧٥) ومعجم المؤلفين (٥/ ١١٩).
[ ٥٠ ]
لم يشترطوا شيئًا من ذلك، فلأنه خلاف العادة، والنوم ضد للإدراك» (١).
وقد نسب هذا القول الألوسي (٢) ﵀ للمتكلمين، والأشاعرة من المتكلمين فقال: «والمنقول عن المتكلمين أنها خيالات باطلة وهو من الغرابة بمكان بعد شهادة الكتاب والسنة بصحتها» (٣).
ولكن لما ذكر ابن القيم ﵀ اضطراب الناس في حقيقة الرؤيا، ذكر أن هناك من يعرف الرؤى بأنها: علوم علقها الله في النفس ابتداء بلا سبب.
ثم قال: «وهذا قول منكري الأسباب والحكم والقوي، وهو قول مخالف للشرع والعقل والفطرة» (٤).
وقوله ﵀: وهذا قول منكري الأسباب والحكم هذه العبارة كثيرًا ما يطلقها ابن القيم وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمها الله على الأشاعرة (٥).
_________________
(١) المواقف (٦/ ١١١).
(٢) الألوسي: شهاب الدين، أبو الثناء محمود بن عبد الله الألوسي (١٢١٧ - ١٢٧٠ هـ) صاحب التفسير المشهور روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني" انظر ترجمه في: معجم المؤلفين (١٢/ ١٧٥).
(٣) روح المعاني (١٢/ ١٨٢) ويظهر أن هذا القول لبعض الأشاعرة لأن الرازي وهو أشعري قال بقول الفلاسفة، والمازري وهو أشعري يخالف هذا القول، وكذا الغزالي وهو من مثبتي دعائم المذهب الأشعري ومن أكابر أنصاره يميل إلى قول الفلاسفة كما سيأتي توضيح أقوالهم إن شاء الله.
(٤) الروح (٣٠).
(٥) انظر: الصفدية (١/ ١٤٣، ١٤٧) تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم، وأشار إلى هذا الرأي الألوسي ﵀ في تفسيره بعد أن ذكر الأقوال في أسباب الرؤيا وأن هناك من قال بأنها اعتقادات يخلقها الله في قلب النائم، وقيل هي أحاديث الملك الموكل بالأرواح إن كانت صادقة، ووسوسة الشيطان والنفس إن كانت كاذبة، قال: وقد يجمع بين القولين بأن مقصود القائل بأنها اعتقادات يخلقها الله تعالى في قلب النائم .. إلخ، أنها اعتقادات تخلق كذلك بواسطة حديث الملك. أو بواسطة وسوسة الشيطان مثلًا ثم قال: والمسببات في المشهور عند الأشاعرة مخلوقة له تعالى عند الأسباب لا بها فتدبر روح المعاني (١٢/ ١٨١).
[ ٥١ ]
ولم يبين ﵀ وجه مخالفة هذا القول للشرع، والعقل، والفطرة، ولعل ما ذكرته في الرد على المعتزلة يبين وجه هذه المخالفة.
القول الثالث: قال الفلاسفة (١) في حقيقة الرؤيا:
إن الحس المشترك (٢) في الإنسان والذي هو مجمع الحواس
الظاهرة، إذا أخذ الصورة الخارجية من الحواس الظاهرة
يؤديها إلى القوة المتخيلة (٣) التي من شأنها تركيب الصورة
فربما انطبعت تلك الصور في الحس المشترك وصارت مشاهدة
_________________
(١) الفلاسفة: من ينسبون إلى الفلسفة وهي كلمة يونانية تعني محبة الحكمة، يبنون آرائهم على نظريات باطلة كنظرة الاتصال بالعقل الفعال ونظرية السعادة وغيرهما، ومن مذهبهم أن العالم قديم وعله مؤثرة بالإيجاب وليست علة فاعلة بالاختيار، وأكثرهم ينكرون علم الله تعالى، وينكرون حشر الأجساد، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في درء تعارض العقل والنقل (١/ ٨، ١٢) إن الفلاسفة يسلكون طريق التبديل مثل المتكلمين، ولكنهم أهل الوهم والتخييل، والمتكلمون هم أهم التحريف والتأويل، وكذا وصفهم ابن القيم ﵀ بأنهم أصحاب التخييل، لأنهم يعتقدون أن الرسل لم يفصحوا للخلق بالحقائق إذ لهم إدراكها، وإنما أبرزوا لهم المعقول في صورة المحسوس، انظر: كتاب "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" تحقيق الدكتور: علي بن محمد الدخيل الله (٢/ ٤١٨). انظر في عرض آرائهم والرد عليهم: الملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٥٨) وهو من أحسن ما كتب الفلاسفة كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وكتاب الرد على المنطقيين والصفدية، كلاهما لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتاريخ الفلسفة اليونانية يوسف كرم (١٧ - ١٩).
(٢) الحس المشترك عرفه التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون (١/ ٣٠٢، ٣٠٤) بأنه: القوة التي ترتسم لها صور الجزئيات المحسوس بالحواس الظاهرة، وانظر التعريفات للجرجاني (٩١) والمباحث المشرقية للرازي (٢/ ٤٢٩).
(٣) قال الجرجاني في التعريفات (٣٠٨): هي قوة محلها مقدم التجويف الأوسط من الدماغ من شأنها التصرف في الصور والمعاني بالتركيب والتفصيل فتركب الصور بعضها ببعض .. وانظر: المباحث الشرقية للرازي (٢/ ٤٢٩).
[ ٥٢ ]
على حسب مشاهدة الصور الخارجية، فإن الصور الخارجية لم تكن مشاهدة لكونها صورة خارجية بل لكونها مرتسمة في الحس المشترك.
قالوا: ومن طباع القوة المتخيلة التصوير والتشبيح دائمًا، إلا أن هناك أمرين صارفين لها عن فعلها:
أحدهما: توارد الصور من الخارج على الحس المشترك، فإنه إذا انتقش بهذه الصورة لم يتسع لانتقاشه بالصور التي تركبها القوة المتخيلة فيعوقها ذلك عن عملها لعدم القابل.
وثانيها: تسلط العقل أو الوهم عليها بالضبط عندما يستعملانها فتتعوق بذلك عن عملها، وإذا انتفى هذان الشاغلان أو أحدهما تفرغت القوة المتخيلة لفعلها في التصور، والشخص إذا نام انقطع عن الحس المشترك توارد الصور من الخارج، فيتسع لانتقاش الصور من الداخل.
قالوا: إذا عرفت هذا فنقول ما يدركه النائم ويشاهده صور مرتسمة في الحس المشترك موجودة فيه ويكون ذلك على وجهين:
الأول: أن يرد ذلك المدرك على الحس المشترك من النفس الناطقة (١) وهي تأخذه من العقل الفعال (٢) فإن جميع صور الكائنات من الأزل إلى الأبد مرتسم فيه.
_________________
(١) هي الروح عند الفلاسفة، عرفها الجرجاني في التعريفات (٢٩٣) فقال: "هي الجوهر المجرد عن المادة في ذواتها مقارنة بها في أفعالها" وانظر: كتاب المباحث الشرقية (٢/ ٤٣٣).
(٢) وهو عندهم أحد العقول العشرية المتصرفة في الكون، وهو نقطة الاتصال بين العبد وربه ومصدر الشرائع والقوانين، فالله ﷾، عندهم لم يخلف إلا شيئًا واحدًا وهو العقل الأول وكان العقل الأول غيره، فالعلم بالحوادث منتقش في العقل أو النفس الملكية فإذا اتصلت به النفس الناطقة عملت ذلك في صورة خيار، والسبب الموجب للاتصال ضعف تعلقها بالبدن وانظر: آراء أهل المدينة الفاضلة (٥٧، ٥٨) وقد رد عليهم شيخ الإسلام في هذه المسألة في كتابه الصفدية (١/ ٢٠١ - ٢٠٩).
[ ٥٣ ]
قالوا: فإن تصرف فيه الحس المشترك، فيحتاج إلى تعبير وإن لم يتصرف فيه فلا يحتاج إلى تعبير.
الثاني: أن يرد على الحس المشترك، صور المحسوسات بالحواس الظاهرة مما ارتسم في الخيال، أثناء اليقظة، أو يرتسم فيه مما يوجبه مرض كثوران خلط، أو تغير مزاج.
والوجه الأول عندهم هو سبب الرؤيا الصادقة.
والوجه الثاني: هو سبب الرؤيا الكاذبة (١).
الرد:
هذا القول لا شك في بطلانه وذلك من وجوه.
أولا: فيما يتعلق بقولهم في سبب الرؤيا الصادقة، وأنها تأتي نتيجة ارتسام
_________________
(١) انظر: آراء أهل المدينة الفاضل للفارابي (٦٣ - ٦٨) وكتاب الشفاء لابن سينا، المقالة الرابعة من الفن السادس (١٥٧ - ١٧٧) والمباحث المشرقية للرازي (٢/ ٤٢٩ - ٤٣٣) والنجاة لابن سينا (٣٣٤، ٣٣٥) ومقاصد الفلاسفة للغزالي (١٥٧ - ١٦١) وكتاب المواقف في علم الكلام للإيجي (٦/ ١١٢ - ١١٥) وتفسير الرازي (١٨/ ١٣٥) وهذا القول في حقيقة الرؤيا بني عليه الفلاسفة نظريات باطلة في النبوة، حيث قالوا إن النبوة مكتسبة، ولا تنقطع لأنه إذا جاز أن يرى الإنسان منامًا يدل على أمور غائبة أمكن العلم بجميع الأمور الغائبة. انظر: الصفدية (١/ ٧٩) بل قالوا إن الحكيم أفضل من النبي لأنه يتصل بالله مباشرة بخلاف النبي فيحتاج إلى واسطة وهي قدرة المتخيلة على الاتصال بالعقل الفعال في اليقظة. ولهذا قال الفارابي في كتابه آراء أهل المدينة الفاضل (٦٣) القول في سبب المنامات" ثم عقب ذلك بقوله: "القول في الوحي ورؤية الملك" ومن اهتمامات الفلاسفة، بالرؤى في المنامات ألفوا فيها الكتب الخاصة مثل: رسالة الأحلام ورسالة التنبوء بواسطة النوم، كلاهما أرسطو، وألف الكندي رسالة في ماهية النوم انظر: كتاب "في الفلسفة الإسلامية" (١/ ٩) للدكتور إبراهيم مدكور، وانظر: المباحث المشرقية (٢/ ٤٢٩ - ٤٣٥).
[ ٥٤ ]
الصور في الحس المشترك الذي يأخذها من النفس الناطقة والتي تأخذ ذلك من العقل الفعال. وهذا قول باطل لأنه لا دليل عليه من النقل ولا من العقل، فلم يرد عن طريق الوحي، والعقل لا يدرك هذه الأشياء. وعامة ما يعتمدون عليه هو التجويز الذهني (١).
ثانيًا: قولهم في الوجه الثاني أن حصول الرؤيا الكاذبة بسبب الأخلاط.
قال ابن العربي المالكي ﵀ في رده عليهم: "تقسيمه - ﷺ - الرؤيا ثلاثة أقسام هي قسمة صحيحة مستوفية للمعاني، وهي عند الفلاسفة على أربعة أقسام بحسب الطبائع الأربع (٢).
وقد بينا في كل كتاب، ونادينا على كل باب وصرخا على الوهاد والأنقاب (٣)، بأنه لا تأثير للأخلاط (٤).
وقال المازري ﵀ بعد أن ذكر قول الفلاسفة السابق: "وهذا مذهب وإن جوزه العقل وأمكن عندنا أن يجري الباري جلت قدرته العادة بأن يخلق مثلما قالوه عند غلبة هذه الأخلاط فإنه لم يقم عليه دليل، ولا اطردت به عادة والقطع في موضع التجويز غلط وجهالة، هذا لو نسبوا ذلك إلى الأخلاط
_________________
(١) وانظر المنهج في الرد على الفلاسفة في كثير في مقالاتهم في الصفدية (١/ ١٦٣، ١٨١) فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بأن عامة ما يعتمد عليه الفلاسفة إنما هو التجويز الذهني.
(٢) هي عند الفلاسفة كما يقول الرازي في المباحث المشرقية (٢/ ٤٣١) الذي يميل مزاجه إلى الحرارة يرى النيران في النوم، ومن مال مزاجه إلى البرودة يرى الثلوج، ومن مال مزاجه إلى الرطوبة يرى الأمطار، ومن مال مزاجه إلى اليبوسة يرى الأشياء المظلمة.
(٣) الوهاد: هي الأماكن المطمئنة. انظر: الصحاح للجوهري (٢/ ٥٥٤) والأنقاب هي الطرق المرتفعة بين جبلين انظر: لسان العرب (١/ ٧٦٧).
(٤) عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٧).
[ ٥٥ ]
على جهة الاعتياد، وأما إن أضافوا الفعل إليها فإنا نقطع بخطأهم، ولا نجوز ما قالوه، إذ لا فاعل إلا الله سبحانه (١).
ثم قال: «ولبعض أئمة الفلاسفة تخليط طويل في هذا، وكأنه يرى أن صور ما يجري في الأرض هي في العالم العلوي كالمنقوش، وكأنه يدور بدوران الكرة، فما حاذى بعض النفوس منه انتقش فيها، وهذا أوضح فسادًا من الأول (٢) مع كونه تحكما بما لم يقم عليه برهان ..» (٣).
وقد ذكر ابن القيم ﵀ اضطراب الناس في الرؤى، ثم ذكر قولًا قريبًا من قول الفلاسفة وإن خالفه من بعض الوجوه، ولم ينسبه إلى أحد، ثم رد عليه حيث قال: «فمن قائل: إن العلوم كلها كامنة
في النفس، وإنما اشتغالهم بعالم الحس يحجب عنها مطالعتها، فإذا تجردت بالنوم رأت منها بحسب استعدادها ولما كان تجردها بالموت أكمل كانت علومها ومعارفها هناك أكمل، وهذا فيه حق وباطل فلا يرد كله، ولا يقبل كله، فإن تجرد النفس يطلعها على علوم ومعارف لا تحصل بدون التجرد، لكن لو تجردت كل التجرد لم تطلع على علم الله الذي بعث به رسوله - ﷺ - وعلى تفاصيل ما أخبر به عن الرسل الماضية، والأمم الخالية وتفاصيل المعاد، وأشراط الساعة، وتفاصيل الأمر والنهي،
_________________
(١) ذكر الأشعري في المقالات (٢/ ١٠٧) عن معمر أنه قال: «إن الرؤيا من فعل الطبائع وليس من قبل الله» وقد تأثر بهذا القول في كون الرؤيا بسبب الأخلاق كثير ممن تكلموا في الرؤى وانظر على سبيل المثال الفصل في الملل والنحل (٥/ ١٢٣) كما تأثر بقول الفلاسفة الأول كثير من الصوفية كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
(٢) يعني بالأول: قول الفلاسفة أن الرؤيا من فعل الطبائع.
(٣) المعلم بفوائد مسلم (٣/ ١١٥، ١١٦).
[ ٥٦ ]
والأسماء والصفات والأفعال وغير ذلك مما لا يعلم به إلا الوحي، ولكن تجرد النفس عون لها على معرفة ذلك، وتلقيه من معدنه أسهل وأقرب وأكثر مما يحصل للنفس المنغمسة في الشواغل البدنية» (١).
ومن الأقوال التي ذكرها ابن القيم ﵀ ولم ينسبها لأحد ورد عليها وهي قريبة من قول الفلاسفة السابق من بعض الوجوه.
أن هناك من قال: بأن الرؤى كلها علوم وعقائد في النفس تظهر لصاحبها عند انقطاع نفسه عن الشواغل البدنية بالنوم.
قال ابن القيم ﵀ في رده على هذا القول: "وهذا عين الباطل والمحال، فإن النفس لم يكن فيها قط معرفة هذه الأمور" (٢).
القول الرابع: قول أهل الحق أهل السنة والجماعة:
فقالوا: لا نعدوا قول نبينا - ﷺ - فقد بين الرؤيا بيانًا واضحًا شافيًا فقسمها إلى ثلاثة أقسام: رؤيا حق من الله ﷿، والله أعلم بكيفية ذلك، ورؤيا باطلة فهي أضغاث أحلام من تهويل الشيطان وتحزينه وتمثيله لابن آدم، أو مما يحدث به المرء نفسه في اليقظة فيراه في المنام.
فقد أخرج الترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الرؤيا ثلاث، فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان» (٣).
_________________
(١) الروح (٣٠).
(٢) المرجع السابق وانظر كذلك: سرح الروح للبقاعي (١٨٣) بتحقيق محمود محمد نصار، مكتبة التراث الإسلامي.
(٣) سبق تخريجه (٤٨).
[ ٥٧ ]
وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث عوف بن مالك ﵁ عن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الرؤيا ثلاث: منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (١).
وفي أحاديث أخرى يقسم - ﷺ - الرؤيا إلى قسمين كما في حديث أبي قتادة ﵁، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الرؤيا الصادقة من الله، والحلم من الشيطان ..» (٢).
قال ابن عبد البر ﵀: "وجملة القول في هذا الباب أن الرؤيا الصادقة من الله، وأنها من النبوة، وأن التصديق بها حق، وفيها من بديع حكمة الله ولطفه، ما يزيد المؤمن إلى إيمانه.
ولا أعلم بين أهل الدين والحق، من أهل الرأي والأثر خلافًا فيما وصفت ولا ينكر الرؤيا إلا أهل الإلحاد، وشرذمة من المعتزلة (٣).
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة: كتاب الإيمان والرؤيا (٦/ ١٨١) (٣٠٥٠٧) تحقيق الحوت وسنن ابن ماجه، كتاب تعبير الرؤيا ٣ - باب الرؤيا ثلاث (٢/ ١٢٨٥) وموارد الظمآن في زوائد ابن حبان (٤٤٤) (١٧٩٤). وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٨٧٠) (٤/ ٤٨٧، ٤٨٨).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التعبير، باب الرؤيا من الله (٤/ ٢٩٦) (٦٩٨٤) ومسلم في صحيحه، كتاب الرؤيا، (٢٢٦١) (٤/ ١٧٧١) وله طرق وألفاظ متعددة سوف يأتي ذكرها إن شاء الله في مبحث إذا رأى ما يكره.
(٣) التمهيد (١/ ٢٨٥).
[ ٥٨ ]
فنحن لا نقول كما تقول المعتزلة أن الرؤى كلها خيالات باطلة لا حقيقة لها، ولا كما تقول الفلاسفة أنها من فعل الطبائع بل نقول كما يقول ربنا ﷿: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] وكما يقول نبينا - ﷺ - «الرؤيا الصادقة من الله، والحلم من الشيطان».
وفي بيان حقيقة الرؤيا الصادقة وأنها حق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في قول رسول الله - ﷺ -: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» (١) هو كما قال - ﷺ - رآه في المنام حقًا، فمن قال: ما رآه في المنام حقًا فقد أخطأ، ومن قال: إن رؤيته في اليقظة بلا واسطة كالرؤية بالواسطة المقيدة بالنوم فقد أخطأ، ولهذا يكون لهذه تأويل وتعبير دون تلك (٢).
وفي مواضع متعددة يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن ما يراه النائم في نومه عبارة عن أمثال مضروبة له.
فيقول في كتابه منهاج السنة النبوية: "والنائم يرى في المنام إنسانًا يخاطبه ويشاهده، ويجري معه فصولًا، وذلك المرئي قاعد في بيته، أو ميت في قبره، وإما رأى مثاله (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التعبير، باب من رأى النبي - ﷺ - في المنام (٤/ ٢٩٩) ومسلم في صحيحه، كتاب الرؤيا، باب قول النبي - ﷺ - «من رآني في المنام فقط رآني» (٤/ ١٧٧٥) وله ألفاظ متعددة سوف يأتي إن شاء الله التفصيل فيها، وهو من الأحاديث المتواترة. وانظر: قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة للسيوطي (١٧١ - ١٧٣) تحقيق: خليل محيي الدين، المكتب الإسلامي.
(٢) ضمن جواب لشيخ الإسلام ابن تيمية، مطبوع ضمن مجموع الفتاوى له (١٢/ ٢٧٨).
(٣) منهاج السنة النبوية (٥/ ٣٧٨) تحقيق: محمد رشاد سالم ﵀ من مطبوعات جامعة الإمام.
[ ٥٩ ]
وفي كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان يقول ﵀ ما ملخصه:
إن النائم يرى الأشياء في منامه ولها وجود وتحقق، ولكنها أمثلة فلما عزب عقله في أثناء النوم ظنها الرائي نفس الحقائق كالذي يرى نفسه في مكان آخر يكلم أمواتًا ويكلمونه، ويفعل أمورًا كثيرة، وهو في النوم يجزم بأنه نفسه الذي يقول ويفعل؛ لأن عقله عزب عنه، وتلك الصورة التي رآها مثال صورته لكن غاب عقله عن نفسه، حتى ظن أن ذلك المثال هو نفسه، فلما ثاب إليه عقله علم أن ذلك مثالات.
ومن الناس من لا يغيب عقله؛ بل يعلم أن ذلك في المنام، وهو كالذي يرى صورته في المرآة، أو صورة غيره (١).
وقد ذكر قريبًا من ذلك في كتابه قاعدة في المعجزات والكرامات (٢).
فإذا كانت الرؤى عبارة عن أمثلة وأحاديث نفس، فإنه قد ورد في بعض تعاريف العلماء كلمات تحتاج إلى تفصيل فمن ذلك أن منهم من يعرف الرؤيا بأنها إدراكات مخلوقة أو اعتقادات مخلوقة، فهل هذا التعريف صحيح أو لا؟ (٣).
قال ابن العربي ﵀ في حقيقة الرؤيا: أنها إدراكات يخلقها الله في قلب العبد على يدي الملك أو الشيطان، إما بأمثالها، وإما أمثالًا بكناها، وإما
_________________
(١) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ضمن مجموع الفتاوى (١٣/ ٧٦).
(٢) مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى (١١/ ٦٣٦، ٦٣٧) وانظر: كتاب بيان تلبيس الجهمية (١/ ٧٢).
(٣) وإنما نبهت على هذه المسألة لكثرة من يذكر هذا التعريف في الكتب المتداولة بين الناس وينسبه إلى أهل السنة والجماعة.
[ ٦٠ ]
تخليطًا، ونظير ذلك في اليقظة الخواطر فإنها تأتي على نسق في قصد، وتأتي مسترسلة غير محصلة، فإذا خلق الله من ذلك في المنام على يدي الملك شيئًا كان وحيًا منظومًا وبرهانًا مفهومًا.
ورد على من قال أن الرؤيا اعتقادات (١).
وقال المازري ﵀: «والمذهب الصحيح ما عليه أهل السنة وهو أن الله سبحانه يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان وهو تبارك اسمه يفعل ما يشاء ولا يمنعه من فعله نوم ولا يقظة، فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه سبحانه جعلها علمًا على أمور أخر يخلقها في ثاني حال أو كان قد خلقها، فإذا خلق في قلب النائم اعتقاد الطيران، وليس بطائر فقصارى ما فيه أنه اعتقد أمرًا على خلاف ما هو عليه وكم في اليقظة ممن يعتقد أمرًا على غير ما هو عليه فيكون ذلك الاعتقاد علما على غيره كما يكون خلق الله سبحانه للغيم علمًا على المطر، والجميع خلق الله سبحانه، ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التي جعلها علمًا على ما يسره بحضرة الملك، أو بغير حضرة شيطان، ويخلق ضدها مما هو علم على ما يضر بحضرة الشيطان» (٢).
وعلى هذا التعريف بعض الملحوظات:
أولا: قول المازري والمذهب الصحيح ما عليه أهل السنة، معلوم أن المازري أشعري العقيدة، وقد صرح بأشعريته في كتابه المعلم بفوائد مسلم،
_________________
(١) عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٣، ١٢٤)، وانظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ١٠٧٣، ١٠٧٤)، وفتح الباري (١٢/ ٣٥٢، ٣٥٣).
(٢) المعلم بفوائد مسلم (٣/ ١١٦).
[ ٦١ ]
فيعني بأهل السنة الأشاعرة، فهو إذا ليس بحجة على أهل السنة والجماعة (١).
ثانيًا: قوله وهو أنه سبحانه يخلق في قلب النائم اعتقادات.
أقول: أن القول بأن الرؤيا عبارة عن اعتقادات مخلوقة، هذه من الألفاظ المحدثة عند المتأخرين، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مسألة هل الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟
وبين ﵀ أنه يقال لمن قال ذلك، ما تريد بالإيمان؟ أتريد به شيئًا من صفات الله وكلامه، كقوله لا إله إلا الله وإيمانه الذي دل عليه اسم المؤمن، فهو غير مخلوق، أو تريد شيئًا من أفعال العباد وصفاتهم فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة (٢).
ومما يزيد هذا التعريف إشكالًا أن رؤية الأنبياء وحي، ولا يقال في الوحي أنه اعتقادات مخلوقة، كما تقوله المبتدعة عياذا بالله.
ثالثًا: قوله بأن الرؤيا التي تسر تخلق بحضرة ملك، والتي بضدها بحضرة شيطان هذا يحتاج إلى دليل من الشرع.
أما تعريف الرؤيا بأنها اعتقادات فقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٣).
_________________
(١) انظر المعلم (١/ ٧٤، ١٩١، ١٩٤، ١٩٧، ٢٠٣، ٢٠٥، ٢٢٤، ٢٢٦، ٢٢٧، ٣٠٣، ٣٠٨، ٣٢٢) (٢/ ١٣، ١٤، ١٨) (٣/ ٩٣، ٩٤، ١١٦، ١٦١، ١٦٥، ١٦٧، ١٦٨، ١٧٦، ١٧٩، ١٨٣، ١٨٦، ١٨٧، ١٨٩، ١٩٠، ١٩١، ١٩٥، ١٩٨، ٢٠١، ٢٠٢).
(٢) انظر كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية المطبوع ضمن مجموع الفتاوى له (٧/ ٦٦٤).
(٣) انظر: بيان تلبس الجهمية (١/ ٦٨ - ٧٣).
[ ٦٢ ]
وقال ابن القيم ﵀: «وإن من الرؤيا ما يكون من حديث النفس وصورة الاعتقاد بل كثير من مرائي الناس إنما هي من مجرد صور اعتقادهم المطابق وغير المطابق» (١).
* * *
_________________
(١) الروح (٢٩).
[ ٦٣ ]