بوَّب الإمام البخاري ﵀ في كتابه الجامع الصحيح في الكتاب الأول منه كتابًا بعنوان كتاب بدء الوحي، ثم ذكر فيه ستة أبواب:
الباب الأول: باب كيف بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، وقول الله ﷿ ذكره ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] (١).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "ومناسبة الآية للترجمة واضح من أن صفة الوحي إلى نبينا - ﷺ - توافق صفة الوحي إلى من تقدمه من النبيين.
ومن جهة أن أول أحوال النبيين في الوحي بالرؤيا، كما رواه أبو نعيم في الدلائل بإسناد حسن عن علقمة بن قيس صاحب ابن مسعود قال: إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم، ثم ينزل الوحي بعد في اليقظة (٢).
ويؤيد ذلك حديث عائشة ﵂ في أول ما بدئ به النبي - ﷺ - من الوحي حيث كانت الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
فالرؤيا الصالحة هي أول مراتب الوحي.
وهذا الحديث في بدء الوحي خرجه أئمة الحديث أصحاب الجوامع، والسنن والمسانيد، ودلائل النبوة، والمستخرجات والمصنفات ومدونو السيرة النبوية وحفاظ أحاديثها.
_________________
(١) صحيح البخاري (١/ ١٣).
(٢) فتح الباري (١/ ٩) وقال ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية (٣/ ٤) وهذا من قبل علقمة بن قيس نفسه وهو كلام حسن يؤيده ما قبله، يعني حديث عائشة ﵂ في بدء الوحي.
[ ٢٠٧ ]
وقد تعددت روايات هذا الحديث، وخلاصتها ما تضمنتها روايات إمام المحدثين الإمام البخاري ﵀ في جامعه الصحيح؛ حيث ساق حديث بدء الوحي في ثلاثة مواضع من كتابه الجامع الصحيح.
الموضع الأول: في كتاب بدء الوحي، الحديث الثالث: أخرج بسنده عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ .. الحديث (١).
الموضع الثاني: في كتاب التفسير، باب ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] بلفظ: كان أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - الرؤيا الصادقة في النوم .. الحديث (٢).
الموضع الثالث: في كتاب التعبير، الباب الأول منه، باب أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحة (٣).
فالحاصل من هذه الروايات أن النبي - ﷺ - بديء بالرؤيا الصادقة في أول مراتب النبوة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم بعد ذلك جاءه الوحي يقظة.
_________________
(١) صحيح البخاري مع شرح فتح الباري (١/ ٢٣).
(٢) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (٨/ ٧١٤، ٧٢٣).
(٣) المرجع السابق (٤/ ٣٩٥).
[ ٢٠٨ ]
ولا شك أن مجيء الملك في غار حراء كان أول مراتب الوحي في اليقظة؛ وهو وحي الرسالة الذي به بدأ نزول القرآن، ولم يرد أن وحيًا مناميًا انفرد بنزول شيء من القرآن الكريم (١).
قال السيوطي في الاتقان: "إن الملك يأتيه في النوم، وهل نزل عليه فيه قرآن أم لا؟ والأشبه أنه نزل كله يقظة (٢).
والنبي - ﷺ - لما سئل: كيف يأتيك الوحي؟ في حديث الحارث بن هشام، قال - ﷺ -: «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشد علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول» (٣).
فلم يذكر النبي - ﷺ - في هذا الحديث رؤيا المنام، وهذا تصريح منه - ﷺ - بأنه لم يتلق شيئًا من القرآن عن طريق الرؤيا.
وما ذكر من أن جبريل جاء إلى النبي - ﷺ - في المنام بنمط من ديباج فيه كتاب فقال: اقرأ .. الحديث (٤).
نقول: إن ثبت هذا الحديث فإنه لا يعارض حديث عائشة ﵂ ويمكن أن يجمع بين الحديثين إن صح الأخير بأن تقول أن النبي - ﷺ - جاءه جبريل في المنام قبل اليقظة توطئة وتيسيرًا عليه ورفقًا به؛ لأن أمر النبوة عظيم.
_________________
(١) انظر: كتاب محمد رسول الله - ﷺ - تأليف محمد الصادق عرجون (١/ ٢٦٩) الطبعة الأولى (١٤٠٥هـ) دار القلم دمشق.
(٢) الاتقان في علوم القرآن (١/ ٢٣) طبعة عالم الكتب.
(٣) سبق تخريجه (٢٠٤).
(٤) رواه ابن إسحاق: قال: حدثني وهب بن كيسان قال: قال عبيد، فذكر الحديث .. سيرة ابن هشام (١/ ٢٦٧) تحقيق: عمر بن عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي.
[ ٢٠٩ ]
يقول الحافظ ابن كثير ﵀: "فقول أم المؤمنين عائشة ﵂: أول ما بدئ من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. يقوي ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار (١)، عن عبيد بن عمير الليثي (٢)، أن النبي - ﷺ - قال: «فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ. فقلت: ما أقرأ؟ فغتَّني حتى ظننتُ أنه الموت ثم أرسلني». وذكر نحو حديث عائشة سواء؛ فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعده من اليقظة، وقد جاء مصرِّحًا بهذا في مغازي موسى بن عقبة عن الزهري، أنه رأى ذلك في المنام ثم جاءه الملك في اليقظة (٣).
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: «وإن ثبت مرسل عبيد بن عمير أنه أوحى إليه بذلك في المنام أولًا قبل اليقظة أمكن أن يكون مجيء الملك في اليقظة عقب ما تقدم في المنام» (٤).
_________________
(١) ابن إسحاق: هو محمد بن إسحاق بن يسار، رأى أنس بن مالك بالمدينة، وحدث عنه الحمادان والثوري، وأبو عوانة وغيرهم، اختلف العلماء في توثيقه، ورمي بالتشيع والقدر وهو مدلس (٨٠ - ١٥٢هـ) انظر ترجمته في طبقات ابن سعد (٧/ ٣٢١) التاريخ الكبير (١/ ٤٠) التهذيب (٩/ ٣٨) وسير أعلام النبلاء (٧/ ٣٣).
(٢) عبيد بن عمير بن قتادة الليثي المكي، الواعد المفسر، ولد في حياة الرسول - ﷺ -، وحدث عن عمر بن الخطاب وعلي وأبي ذر وعائشة وطائفة، وكان من ثقات التابعين وأئمتهم بمكة، كان يذكر الناس فيحضر ابنه - ﵄ - مجلسه، توفي قبل ابن عمر بأيام يسيرة، وقيل في سنة (٧٤)، انظر ترجمته في طبقات ابن سعد (٥/ ٤٣٦)، وطبقات خليفة ص (٢٧٩)، والتاريخ الكبير للبخاري (٥/ ٤٥٥)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ١٥٦، ١٥٧).
(٣) البداية والنهاية (٣/ ٤) والسيرة النبوية لابن هشام (١/ ٢٦٨).
(٤) فتح الباري (١/ ٢٣).
[ ٢١٠ ]