الرؤيا مصدر رأى، وهي مختصة بما يراه الإنسان في منامه، أما الرؤية فهي مصدر رأي كذلك، إلا أنها مختصة بما يراه الإنسان في اليقظة.
قال في القاموس المحيط (الرؤية: النظر بالعين وبالقلب) (١).
وقال في الصحاح: (الرؤية بالعين تتعدى إلى مفعول واحد، وبمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين، يقال رأى زيدًا عالمًا، ورأى رأيا ورؤية (٢).
فالرؤية هي النظر بالعين في اليقظة، والرأي بالقلب.
وفرق بين الرؤيا والرؤية بتاء التأنيث مكان ألف التأنيث للفرق بين ما يراه النائم وما يراه اليقظان، ونظير ذلك القربة والقربى، فالقربة للتقرب المعنوي بعبادة الله إليه، والقربى للتقرب النسبي (٣).
قال في الكشاف: (الرؤيا بمعنى الرؤية، إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقظة، فلا جرم فرق بينهما بحرف التأنيث فيها مكان تاء التأنيث كما قيل في القربى والقربة) (٤).
وقد تكون الرؤيا مصدر رأى في اليقظة، وعلى هذا تكون الرؤيا بمعنى الرؤية في اليقظة، واستعمال الرؤيا بمعنى رؤية العين ورد في القرآن الكريم وعند
_________________
(١) القاموس المحيط للفيروز آبادي (١٦٥٨).
(٢) الصحاح للجوهري (٦/ ٢٣٤٧).
(٣) انظر: لسان العرب لابن منظور (١/ ٦٦٤، ٦٦٥) وروح المعاني للألوسي (١٢/ ١٨١).
(٤) الكشاف للزمخشري (٢/ ٣٠٣) ط/ دار الفكر (١٣٩٩ هـ). وانظر: عارضة الأحوذي، لابن العربي المالكي ﵀ (١١/ ٢٩٤).
[ ٦٨ ]
أهل اللغة وفي الشعر العربي.
فمن استعمال القرآن الكريم الرؤيا بمعنى الرؤية قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠].
فالمراد بالرؤيا في هذه الآية رؤية العين، وهي ما رآه النبي - ﷺ - ليلة أسري به من العجائب والآيات، وبذلك صرح حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ بأنه رؤية عين أريها رسول الله - ﷺ - ليلة أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به إلى السموات العلى، فرأى ما رأى من آيات ربه الكبرى، والإسراء كان يقظة من أوله إلى آخره.
فأخرج البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قال هي: رؤيا عين أريها رسول الله - ﷺ - ليلة أسري به إلى بيت المقدس (١).
قال الحافظ ابن حجر (٢) ﵀: قوله أريها رسول الله - ﷺ - ليلة أسري
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب مناقب الأنصار (٧/ ٢٠٣) مع شرحه فتح الباري وكتاب التفسير، باب (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) (٨/ ٣٩٨ وكتاب القدر باب (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) (١١/ ٥٠٤).
(٢) هو الإمام الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد العسقلاني المعروف بابن حجر، وهو لقب لبعض آبائه (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ) من أجل مؤلفاته، فتح الباري شرح صحيح البخاري، انظر ترجمته في: الضوء اللامع (٢/ ٣٦ - ٤٠) وشذرات الذهب (٧/ ٢٧٠) والبدر الطالع للشوكاني (١/ ٨٧ - ٩٢).
[ ٦٩ ]
به زاد سعيد بن منصور (١) عن سفيان (٢) في آخر الحديث: (وليست رؤيا منام) (٣).
قال الحافظ أيضًا: قوله: هي رؤيا عين أريها لم يصرح بالمرئي. وعند سعيد ابن منصور من طريق أبي مالك، قال: هو ما أري في طريقه إلى بيت المقدس (٤).
وتلقى هذا التفسير ما لا يحصى من السلف ﵏.
يقول ابن الأنباري (٥) ﵀: "المختار في هذه الرؤية أن تكون يقظة ولا فرق بين أن يقول القائل: رأيت فلانا رؤية، ورأيته رؤيا، إلا أن الرؤية يقل استعمالها في المنام، والرؤيا يكثر استعمالها في المنام، ويجوز كل واحد منهما في المعنيين" (٦).
_________________
(١) أبو عثمان الحافظ الإمام الحجة، صاحب السنن سمع مالكًا وحماد بن زيد وغيرهما، وروي عنه مسلم والإمام أحمد بن حنبل، أبو حاتم وأبو زرعة وغيرهم، مات سنة (٢٧٧ هـ) انظر ترجمه في: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٦٧) والتاريخ الكبير للبخاري (١٧٢٢) وتهذيب التهذيب (٤/ ٩٨) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٨٦).
(٢) أبو محمد سفيان بن عيينة الهلالي الكوفي المكي (١٠٧ - ١٩٨) الإمام حافظ عصره من كبار أصحابه المكثرين عنه، الحميدي، والشافعي، وابن المديني، وأحمد انظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٥٤ - ٤٧٥).
(٣) فتح الباري (٨/ ٣٩٨) انظر: تفسير الطبري (١٥/ ٧٦).
(٤) فتح الباري (٨/ ٣٩٨).
(٥) الإمام الحافظ النحوي، أبو بكر محمد بن القاسم، المقرئ النحوي، قال أبو بكر الخطيب: كان ابن الأنباري صروفًا دينا من أهل السنة، مات ﵀ سنة (٣٠٤) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٧٨).
(٦) زاد المسير في علم التفسير، لابن الجزري (٥/ ٥٣) المكتب الإسلامي الطبعة الرابعة (١٤٠٧ هـ).
[ ٧٠ ]
(والعرب تقول: رأيت بعيني رؤية ورؤيا) (١).
وقال أبو جعفر ابن جرير الطبري (٢) ﵀ في تفسير هذه الآية: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني به رؤيا رسول الله - ﷺ - ما رأى من الآيات والعبر في طريقه إلى البيت المقدس ليلة أسري به.
قال: وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن هذه الآية إنما نزلت في ذلك، وإياه عنى الله - ﷿ - بها (٣).
وزعم بعضهم أن الآية حجة لمن قال إن الإسراء كان منامًا لأن الله ﷿ سماها رؤيا والرؤيا إنما تختص بالمنام (٤).
وتعقب من قال ذلك، ابن جرير الطبري ﵀ في تفسيره بالرد والإنكار بأن ذلك خلاف سياق القرآن وذكر من الأدلة على رده بعض ما تقدم والله أعلم (٥).
_________________
(١) تفسير البغوي (٣/ ١٢) دار المعرفة، بيروت.
(٢) محمد بن جرير (٢٢٤ - ٣١٠) الإمام العالم المجتهد، صاحب كتاب التفسير والتاريخ وغيرها، روى عن أمد بن منيع وعنه أبو القاسم الطبراني، انظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٦٧) والبداية والنهاية (١١/ ١٤٥ - ١٤٧) وتاريخ بغداد (٢/ ١٦٢).
(٣) جامع البيان في تفسير القرآن (١٥/ ٧٧ - ٧٨) وفي (١٥/ ١٤) ذكر الأدلة على أن الإسراء كان يقظة ولم يكن منامًا.
(٤) ومن هؤلاء محمد بن إسحاق، انظر: المرجع السابق (١٥/ ١٣) والسيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٥٠) وقد قيل: إن الإسراء كان مرتين مرة منامًا ومرة يقظة، وقيل: كان بروحه ولم يفقد جسده، والصحيح أنه ﵌ أسري بجسده في اليقظة، انظر: شرح الطحاوية (١٧٤، ١٧٥) تحقيق: أحمد شاكر.
(٥) انظر: جامع البيان في تفسير القرآن (١٥/ ١٤) وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/ ٢٣) قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري (١٢/ ٣٥٢) ويحتمل أن تكون الحكمة في تسمية ذلك رؤيا لكون أمور الغيب مخالفة لرؤيا الشهادة فأشبهت في المنام.
[ ٧١ ]
وأما استعمال الرؤيا بمعنى الرؤية في اليقظة في الشعر العربي فكثير، ومن ذلك بيت الراعي يصف فيه ضيفًا طرقه ليلًا فيقول:
فكبر للرؤيا وهش فؤاده وبشر نفسًا كان قبلُ يُلومُها (١)
وقول أبي الطيب المتنبي (٢) لبدر بن عمار، وقد سامره ذات ليلة إلى قطع من الليل:
مضى الليل والفضل الذي لك لا ورؤياك أحلى في العيون من الغَمْضِ (٣)
وقول أبي الفوارس سعد بن محمد بن صيفي (٤):
لو نيل بالقول مطلوب لما حرم الرؤيا الكليم وكان الحظ للجبل (٥)
_________________
(١) لسان العرب (١٤/ ٢٩٧) ذكره ابن منظور ولم يبين من القائل لهذا البيت.
(٢) أبو الطيب، أحمد بن الحسين بن عبد الصمد الجعفي (٣٠٦ - ٣٥٤) وذكر الذهبي أنه ولد سنة (٣٠٣ هـ) بينما ذكر ابن كثير أنه سنة ٣٠٦ هـ الشاعر المعروف بالمتنبي لأنه زعم أنه نبي، فاق أهل زمانه في الأدب، وكان معجبًا بنفسه فمقت لذلك. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٩٩ - ٢٠١) والبداية والنهاية (١١/ ٢٧٣، ٣٧٦).
(٣) ديوان المتنبي (٢/ ٢١٩٩ (١٢١) ولسان العرب (٢٤/ ٢٩٧).
(٤) هو الأمير شهاب الدين، أبو الفوارس سعد بنن محمد بن سعد بن صيفي وكان يزعم أنه من بني تميم (٤٩٢ - ٥٧٤هـ) أديب فقيه شافعي، له ديوان، وترسل، وباع في اللغة، وكان من أخبر الناس بأشعار العرب، المعروف بالحيص بيص، لأنه رأى الناس في حركة واختلاط فقال: ما للناس في حَيْص وبَيْص أي شر وهرج، فغلبت عليه هذه الكلمة. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (٢١/ ٦١) والبداية والنهاية (١٢/ ٣٢٢).
(٥) الغيب المسجم للصفدي (٢/ ١٢١) وانظر ديوانه (١٢١).
[ ٧٢ ]
وقد أنكر هذا الاستعمال الحريري (١) في كتابه "درة الغواص في أوهام الخواص (٢). وغلط أبا الطيب المتنبي في بيته السابق، بحجة أن الرؤيا إنما تختص بالمنام والرؤية باليقظة (٣).
والأدلة السابقة من الكتاب والسنة وأقوال أهل اللغة والشعر العربي ترد على من قال بأن الرؤيا مختصة بالمنام، بل الصواب أن الرؤيا كالرؤية غير أنه غلب استعمال الرؤيا في المنام، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) أبو محمد القاسم بن علي بن محمد البصري الحريري، صاحب المقامات، توفي سنة (٥١٦ هـ). انظر ترجمته في سير: أعلام النبلاء (١٩/ ٤٦٠) والبداية والنهاية (١٢/ ١٩١).
(٢) درة الغواص في أوهام الخواص، (١٣٢) تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار النهضة وقد رد عليه الشيخ العلامة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المعروف بابن الحنبلي، أحد أعيان القرن الحادي عشر في كتابه: بحر العوام فيما أصاب فيه العوام.
(٣) وتبعه في هذا الرأي الصفدي في كتابه: الغيث المسجم في شرح لامية العجم (٢/ ١٢١) دار الكتب العلمية بيروت.
[ ٧٣ ]