دلَّت الأحاديث السابقة على أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، فما معنى كونها جزءًا من أجزاء النبوة؟ وهل يقال لصاحب الرؤيا الصالحة شيء من النبوة؟
والجواب: أن الرؤيا الصالحة لا تخلو من حالتين:
الحالة الأولى: أن تكون الرؤيا الصالحة من الأنبياء:
فهي في هذه الحالة جزء من أجزاء النبوة، لما سبق تفصيله في كون رؤيا
_________________
(١) شرح النووي لصحيح مسلم (١٥/ ٢١).
(٢) رواية عبادة بن الصامت، ذكرها النووي (من أربعة وأربعين) كما سبق تخريجه، ولعل ما وقع للحافظ ابن حجر ﵀ تصحيف في نسخته أما رواية ابن عمر ﵄ فسبق تخريجها في التمهيد لابن عبد البر.
(٣) انظر: بهجة النفوس لابن أبي جمرة (٤/ ٢٥٠) وقد صحح هذه الرواية (خمسة وعشرين) الألباني في صحيح الجامع (٣/ ١٨٣) وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٨٦٩) (٤/ ٤٨٦).
(٤) فتح الباري (١٢/ ٣٦٣).
[ ٢٢٦ ]
الأنبياء وحي.
قال الخطابي ﵀: ومعنى الحديث؛ تحقيق الرؤيا، وأنها مما كان الأنبياء يثبتونه ويحققونه، وأنها كانت جزءًا من أجزاء العلم الذي كان يأتيهم، والأنباء التي كان ينزل بها الوحي عليهم، والله أعلم (١).
وقال البغوي ﵀: قوله: «جزء من النبوة» أراد تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده، وإنما كانت جزءًا من النبوة في حق الأنبياء دون غيرهم (٢).
وقال الكرماني ﵀: قوله: «من النبوة» أي: في حق الأنبياء دون غيرهم وكان الأنبياء يوحى إليهم في منامهم كما يوحى إليهم في اليقظة (٣).
وهذا التوجيه لهذه الأحاديث وإن كان لا خلاف فيه، فإنه غير وارد في هذه الأحاديث، لأنها جاءت في بيان رؤيا الرجل الصالح أو رؤيا المؤمن ونسبتها إلى النبوة فما معنى كون رؤيا المؤمن جزءًا من أجزاء النبوة؟ وليس رؤيا الأنبياء.
الحالة الثانية: أن تكون الرؤيا الصالحة من المؤمن الصالح:
للعلماء ﵏، في بيان معنى كون رؤيا المؤمن الصالح جزءًا من أجزاء النبوة توجيهان:
التوجيه الأول: أن المراد تشبيه الرؤيا بالنبوة:
قال الخطابي ﵀: قال بعض العلماء: أن الرؤيا تجيء موافقة النبوة، لا أنها جزء باق من النبوة (٤).
_________________
(١) أعلام الحديث (٤/ ٢٣١٩) ومعالم السنن (٤/ ١٣٨).
(٢) شرح السنة (١٢/ ٢٠٣).
(٣) شرح صحيح البخاري للكرماني (٢٤/ ٩٨) وانظر: عمدة القاري للعيني (٢٤/ ١٣١، ١٣٢).
(٤) معالم السنن (٤/ ١٣٩).
[ ٢٢٧ ]
وقال البغوي ﵀: وقيل: أراد به أنه كالنبوة في الحكم والصحة (١).
وقال ابن العربي ﵀: القدر الذي أراده النبي - ﷺ - أن يبين أن الرؤيا جزء من النبوة في الجملة لنا، لأنه اطلاع على الغيب وذلك قوله: لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات (٢).
وقال ابن عبد البر ﵀: وقد يحتمل أن تكون الرؤيا جزءًا من النبوة، لأن فيها ما يعجز كالطيران، وقلب الأعيان، ولها تأويل الحسن، وربما أغنى بعضها عن التأويل (٣).
وقال ابن بطال ﵀: كون الرؤيا جزء من أجزاء النبوة مما يستعظم فيمكن أن يقال: إن لفظ النبوة مأخوذ من الإنباء وهو الإعلام لغة، فالمعنى أن الرؤيا خبر صادق من الله لا كذب فيه، كما أن معنى النبوة نبأ صادق من الله لا يجوز عليه الكذب، فشابهت الرؤيا النبوة في صدق الخبر (٤).
وقال السفاريني ﵀ في شرح ثلاثيات المسند في معنى هذه الأحاديث:
ومعنى ذلك أن الرؤيا الصالحة تجيء في الصحة والبيان، موافقة النبوة، لأن النبوة انقطعت بموته - ﷺ - (٥).
وقال الحافظ بن حجر ﵀: قال ابن الجوزي: لما كانت النبوة تتضمن اطلاعًا على أمور يظهر تحقيقها فيما بعد، وقع تشبيه رؤيا المؤمن بها (٦).
_________________
(١) شرح السنة (١٢/ ٢٠٤).
(٢) عارضة الأحوذي (٩/ ١٢٦).
(٣) التمهيد (١/ ٢٨٥) وانظر: أحكام القرآن للقرطبي (٩/ ١٢٤).
(٤) أوجز المسالك (١٥/ ٧٣) وطرح التثريب (٨/ ٢١٥).
(٥) شرح الثلاثيات المسند (٣/ ١٣٧).
(٦) فتح الباري (١٢/ ٣٦٧).
[ ٢٢٨ ]
وقال ابن التين ﵀: معنى الحديث أن الوحي ينقطع بموتي، ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا (١).
وقال الباجي ﵀: وصفها بأنها جزء من النبوة لما كان فيها من الإنباء بما سيكون في المستقبل على وجه يصح، ويكون من عند الله ﷿.
وقال أبو زرعة العراقي ﵀: لا يتخيل من هذا الحديث أن رؤيا الصالح جزء من أجزاء النبوة، فإن الرؤيا إنما هي من أجزاء النبوة في حق الأنبياء ﵈، وليست في حق غيرهم من أجزاء النبوة، ولا يمكن أن يحصل لغير الأنبياء جزء من النبوة، وإنما المعنى أن الرؤيا الواقعة للصالح تشبه الرؤيا الواقعة للأنبياء، والتي هي في حقهم جزء من أجزاء النبوة، فأطلق أنها من أجزاء النبوة على طريق التشبيه (٢).
فحاصل أقوال العلماء أن معنى قوله - ﷺ -: «الرؤيا الصالحة جزء من
_________________
(١) المرجع السابق (١٢/ ٣٧٦) وقال ابن حجر ﵀ تعليقًا على كلام ابن التين السابق: ويرد عليه الإلهام فإن فيه إخبارًا بما سيكون وهو للأنبياء بالنسبة للوحي كالرؤيا، ويقع لغير الأنبياء كما في الحديث في مناقب عمر «قد كان فيمن مضى من الأمم محدثون» وفسر المحدث بالملهم وقد أخبر كثير من الأولياء عن أمور غيبية، فكانت كما أخبروا. والجواب: أن الحصر في المنام لكونه يشمل آحاد المؤمنين بخلاف الإلهام فإنه مختص بالبعض، ومع كونه مختصًا فإنه نادر، فإنما ذكر المنام لشموله وكثرة وقوعه، ويشير إلى ذلك قوله - ﷺ - فإن يكن، إلى أن قال: وفي إنكار وقوع ذلك مع كثرته واشتهاره مكابرة ممن أنكره، فتح الباري (١٢/ ٣٧٦) وقد ذكر المعلمي في كتابه التنكيل (٢/ ٢٥٨) تعليلًا آخر وهو أن الإلهام دون الرؤيا فلم يعتد به.
(٢) طرح التثريب (٨/ ٢١٤).
[ ٢٢٩ ]
أجزاء النبوة» أنها تشبه النبوة من جهة الاطلاع على شيء من الغيب، لا أنها جزء من النبوة.
التوجيه الثاني: أنها جزء من أجزاء علم النبوة.
وعلم النبوة باق، والنبوة غير باقية.
وذكر هذا القول الإمامان الخطابي والبغوي رحمهما الله عن بعض العلماء (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أثناء مناقشته للفلاسفة الذين يرون أن النبوة مكتسبة، وتحصل عندهم لآحاد الناس، فقال: "والذي يقرون به من النبوة يحصل ما هو أعلى منه لآحاد الناس الذين فيهم فضيلة علمية وعملية، لكن أهل العلم والإيمان بالرسل يعلمون أن نسبتهم إلى الأنبياء من جنس نسبة أهل الرؤيا الصادقة إلى الأنبياء، فإن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، كما ثبت ذلك في الصحاح عن النبي - ﷺ - وكما في السنة عنه أنه قال: «الهدي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة» (٢).
_________________
(١) انظر: معالم السنن (٤/ ٣٩) وشرح السنة (١٢/ ٢٠٤) وعون الباري (٦/ ٣٦٨).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٢٩٦) وأبو داود في سننه، كتاب الأدب ٢ - باب في الوقار، الحديث رقم (٤٧٧٦) (٢/ ٦٦٢) من حديث ابن عباس ﵄ بلفظ «إن الهدي الصالح » الحديث وحسنه الحافظ في الفتح (١٠/ ٥٠٩) وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٤/ ٢٤٤) بقرم (٢٦٩٨، ٢٦٩٩) وله شاهد بنحوه عند الترمذي، في كتاب البر والصدق ٦٦ - باب ما جاء في التأني والعجلة، (٢٠١٠) من حديث عبد الله بن سرجس المزني، وحسنه الترمذي.
[ ٢٣٠ ]
وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (١).
فلا ريب أن الشيء يكون جزءًا من النبوة أو الإيمان، ويكون من أصغر الشعب والأجزاء، كإماطة الأذى في الإيمان، أو كالرؤيا في النبوة، ولهذا قال - ﷺ -: «إنه لم يبق من النبوة بعدي إلا المبشرات، وهي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له» ولهذا كان هذا الجزء أول ما بدئ به الرسول - ﷺ - تدريجًا له كما في الصحيح عن عائشة قالت: "أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد".
وإذا كان بعض أجزاء النبوة يحصل لآحاد المؤمنين وليس هو نبيًا تبين أن ما يذكره هؤلاء من الحق هو جزء من أجزاء النبوة، وما يذكرونه من الباطل هو مردود عليهم (٢).
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "والرؤيا الصالحة وإن كانت جزءًا من النبوة، فهي باعتبار صدقها لا غير، وإلا لساغ لصاحبها أن يُسمَّى نبيًا
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الإيمان ٣ - باب أمور من الإيمان، الحديث رقم (٩) (١/ ٢٠) وصحيح مسلم واللفظ له كتاب الإيمان ١٢ - باب بيان عدد شعب الإيمان، الحديث رقم (٣٥) (١/ ٦٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) الصدفية (١/ ٢٣٤ - ٢٣٦).
[ ٢٣١ ]
وليس كذلك (١).
وقال أيضًا في قوله - ﷺ -: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» ظاهر الاستثناء مع ما تقدم من أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة أن الرؤيا نبوة، وليس كذلك لما تقدم أن المراد تشبيه أمر الرؤيا، أو لأن جزء الشيء لا يستلزم ثبوت وصفه له كمن قال: أشهد أن لا إله إلا الله رافعًا صوته لا يسمى مؤذنًا، ولا يقال إنه أذن، وإن كانت جزءًا من الأذان، وكذا لو قرأ شيئًا من القرآن وهو قائم لا يسمى مصليًا وإن كانت القراءة جزءًا من الصلاة، ويؤيده حديث أم كُرْز الكعبية قالت: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات» أخرجه أحمد وابن ماجة وصححه ابن خزيمة وابن حبان.
ولأحمد عن عائشة مرفوعًا: «لم يبق بعدي من المبشرات إلا الرؤيا».
ولأبي يعلى من حديث أنس رفعه: «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت ولا نبي ولا رسول بعدي، ولكن بقيت المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «رؤيا المسلمين جزء من أجزاء النبوة» (٢).
_________________
(١) فتح الباري (١/ ٢٠). ولقد شذت طوائف في هذا الباب، فزعمت بقاء النبوة واستمرارها بعد النبي - ﷺ - وعطلوا معنى الأحاديث التي نصت في أنه لا نبوة ولا وحي عبد النبي - ﷺ - انظر الرد على هؤلاء في كتاب فيض الباري على صحيح البخاري (٤/ ٤٩٠) ورد الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة وفقهها (١/ ٧٦٧) وكتاب عقيدة ختم النبوة بالنبوة المحمدية، تأليف: أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي، دار طيبة، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.
(٢) فتح الباري (١٢/ ٣٧٥) والأحاديث سبق تخريجها (ص١٢٢ - ١٢٥).
[ ٢٣٢ ]
فالحاصل أن الرؤيا الصالحة فيها إشعار للمؤمن بخبر سيقع ليغتنمه أو شرع سيقع ليحذره ويتجنبه ويأخذ أهميته واستعداده، فهي من هذا الوجه جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، لأن فيها أخبارًا لهذا المؤمن بأمر غيبي لم يقع، وإن كان لا يمكن الجزم والقطع بهذه الرؤيا، إلا إذا وقعت، لأنه قد يخطئ الذي يعبرها وقد تكون على خلاف ما ظنه.
وفي جواب للشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ عندما سئل عن معنى قوله النبي - ﷺ -: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» أجاب بقوله: معنى قوله - ﷺ -: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» أن رؤيا المؤمن تقع صادقة، لأنها أمثال يضربها الملك للرائي، وقد تكون خبرًا عن شيء واقع، أو شيء سيقع، فيقع مطابقًا للرؤيا فتكون هذه الرؤيا كوحي النبوة في صدق مدلولها، وإن كانت تختلف عنها، ولهذا كانت جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (١).