الرؤى والمنامات مصدر مهم عند الصوفية للمعرفة والتلقي بل هي مصدر يقيني لا يتطرق إليه الشك أو الغلط (٣)، فهم يبنون عليها كثيرًا من عقائدهم الباطلة ويستندون عليها في ترويج ضلالاتهم ومعرفة الحلال والحرام عندهم وتفسير آيات القرآن الكريم وتصحيح وتضعيف الأحاديث، ونسج الفضائل والمناقب لشيوخهم وغير ذلك.
وأكثر ما يصرحون بالتلقي عنه منامًا الله ﷾ أو النبي - ﷺ - أو من شيوخهم ومريديهم أو من الصحابة الكرام، أو غيرهم.
ومن قرأ كتبهم المعتمدة عندهم تبين له ما نسجوه من قصص وحكايات في شأن المنامات وأهميتها عندهم كمصدر مهم للمعرفة والتلقي.
_________________
(١) انظر: إحياء علوم الدين للغزالي (٤/ ٥٣٧) وانظر علاقة هذا القول بقول الفلاسفة في التصوف الإسلامي بين الدين والفلسفة (ص٤٦، ٤٧) وتاريخ الفلسفة اليونانية (ص٥٧).
(٢) انظر: فصوص الحكم لابن عربي (ص١٣٦ - ١٣٧) والفتوحات المكية له (٢/ ٤٩٤).
(٣) انظر: الفتوحات المكية (١/ ٣٨٠).
[ ٢٩٧ ]
ومن دلائل عنايتهم بالمنامات: أنهم عقدوا لها أبوابًا في مصنفاتهم، كالقشيري في رسالته (١) والكلاباذي (٢) في كتابه التعرف لمذهب أهل التصوف (٣)، والدباغ في كتابه الإبريز (٤)، وغيرها، وساقوا تحتها جملة من الحكايات والمنامات.
ومما جاء من عباراتهم في العمل بالرؤى والمنامات، قول أحمد بن إدريس: من رأى النبي - ﷺ - فقد رآه حقًا وإن كان على غير صورته، وإذا أمره أو نهاه عن نهي، فإن كان في الصورة المنعوت بها - ﷺ - فما أمره به في النوم كأمره في اليقظة، وأنه يتبع، وكذلك ما نهى عنه .. (٥).
وقال ابن عربي: "المبشرات، وهي جزء من أجزاء النبوة فإما أن تكون من الله إليه، أو من الله على يدي بعض عباده إليه، وهي الرؤيا يراها الرجل المسلم، أو ترى له، فإن جاءته من الله في رؤيا على يدي رسوله - ﷺ - فإن كان حكمًا تعبد نفسه به ولا بد، بشرط أن يرى الرسول - ﷺ - على الصورة الجسدية التي كان عليها في الدنيا، كما نقل إليه من الوجه الذي صح عنده إلى أن قال: لو رآه على صورته فيلزمه الأخذ به، ولا يلزم غيره ذلك .. (٦).
_________________
(١) انظر: الرسالة القشيرية (ص١٧٥ - ١٨٠).
(٢) الكلاباذي: هو أبو بكر محمد بن إسحاق ويقال ابن إبراهيم البخاري الكلاباذي المتوفى (٣٨٠) من أشهر كتبه: التعرف لمذهب أهل التصوف. انظر ترجمته في معجم المؤلفين (٨/ ٢٢٢) والأعلام (٦/ ١٨٤).
(٣) انظر: التعرف (ص١٨١ - ١٨٤).
(٤) انظر: الإبريز (ص٨٠ - ١٠٣).
(٥) سعادة الدارين (ص٤٦٩).
(٦) الفتوحات المكية (٤/ ٢٧، ٢٨).
[ ٢٩٨ ]
وذكر الكلاباذي أن محمد بن علي الكتاني كانت عادته أن يرى النبي - ﷺ - منامًا ويسأله عن مسائل، فيجيبه فيها (١).
ومن الأدلة على اعتمادهم على الرؤى والمنامات أنهم وضعوا لها صيغًا وأدعية، وصلوات، نصوا على أنها من الأسباب الجالبة لتحصيل الرؤى المنامية، وغالبها تتعلق برؤية النبي - ﷺ - فقد ذكر النبهاني في كتابه سعادة الدارين أربعين فائدة ما بين صلوات وأدعية ومجربات لتحصيل الرؤى المنامية (٢) غالبهًا تتعلق برؤية النبي ص فمن ذلك:
من أراد أن يرى الله منامًا، أو النبي ص منامًا، أو يرى منزلته في الجنة، فليصل على النبي - ﷺ - يوم الجمعة ألف مرة بهذه الصيغة (اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي) (٣).
كما أن هذه الصيغة تفيد رؤية النبي - ﷺ - منامًا والخضر ﵇ وهي: «اللهم إني أسألك باسمك الأعظم، المكتوب من نور وجهك الأعلى!! المؤبد الدائم، الباقي المخلد في قلب نبيك ورسولك محمد - ﷺ -» (٤).
وقال أبو المواهب الشاذلي: رأيت رسول الله - ﷺ - في المنام فقال لي: قل عند النوم «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم» خمسًا، ثم قل: «اللهم بحق محمد أرني محمدًا - ﷺ - حالا ومالا فإذا قلتها عند النوم فإني آتيك ولا أتخلف عنك أصلا» (٥).
_________________
(١) انظر: التعرف (ص١٨١، ١٨٢).
(٢) انظر: سعادة الدارين (ص٤٨٤، ٤٩٣).
(٣) المرجع السابق (ص٤٨٨).
(٤) المرجع السابق (ص٤٩١).
(٥) طبقات الشعراني (٢/ ٧٣).
[ ٢٩٩ ]
ومن المجربات أيضًا، كتابة اسمه تعالى الودود، في خرقة من حرير أبيض، ويكتب معه، محمد رسول الله، خمسًا وثلاثين مرة، والحمد لله، خمسًا وثلاثين مرة، بعد صلاة الجمعة، وإدامة النظر إلى هذه الكتابة كل يوم عند طلوع الشمس، مع الصلاة على النبي - ﷺ - (١).
ومن أسباب احتجاب الرسول - ﷺ - عن الرائي منامًا، إخلال الأدب مع العلماء والأئمة وحضور مجالس الغيبة، واطلاع الناس على الأسرار الممنوعة للخواص (٢).
ونحو ذلك من الحكايات والخرافات التي ينسجونها لترويج ضلالتهم، والتي يدرك بطلانها السذج من الناس، والله المستعان.