قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في ذكر شيء من العبر والفوائد التي اشتملت عليها قصة يوسف العظيمة التي قال الله في أولها: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧] وقال في آخرها ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١].
قال ﵀: "ومنها أن فيها أصلا لتعبير الرؤيا، فإن علم التعبير من العلوم المهمة التي يعطيها الله من يشاء من عباده.
ومنها: فضيلة العلم، علم الأحكام والشرع، وعلم تعبير الرؤيا.
ومنها: أن علم التعبير من العلوم الشرعية، وأنه يثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه، وأن تعبير الرؤيا داخل في الفتوى، لقوله للفتيين ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ
_________________
(١) فتح الباري (١٢/ ٤١٩).
[ ٣٨٨ ]
تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] وقال الملك: ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ [يوسف: ٤٣] وقال الفتى ليوسف: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٦] فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم (١).
ولهذا كان النبي - ﷺ - كثيرًا ما يسأل أصحابه عن الرؤيا، فيقص عليهم ما شاء الله أن يقص.
كما ثبت في الصحيحين من حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: كان رسول الله - ﷺ - مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم من رؤيا؟» قال: فيقص عليه ما شاء الله أن يقص (٢).
قال النووي ﵀ في ذكر فوائد هذا الحديث: "وفيه استحباب السؤال عن الرؤيا" (٣).
وقال ابن حجر ﵀ في ذكر فوائد هذا الحديث أيضًا: "وفيه الاهتمام بأمر الرؤيا بالسؤال عنها، وفضل تعبيرها، واستحباب ذلك بعد صلاة الصبح" (٤).
وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس ﵁ قال: إن رسول الله - ﷺ - كان مما يقول لأصحابه «من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها له» (٥).
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (٤/ ٦٦ - ٧٧).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) شرح النووي لصحيح مسلم (١٥/ ٣٥).
(٤) فتح الباري (١٢/ ٤٤٦) وانظر كذلك (١٢/ ٤٣٧).
(٥) سبق تخريجه.
[ ٣٨٩ ]
قال القاضي عياض ﵀: قوله: كان مما يقول لأصحابه «من رأى منكم رؤيا» معنى هذا اللفظ عندهم كثيرًا ما كان يفعل كذا كأنه قال من شأنه (١).
وقال النووي ﵀: وفي هذا الحديث الحث على علم الرؤيا، والسؤال عنها، وتأويلها قال العلماء: وسؤالهم محمول على أنه - ﷺ - يعلمهم تأويلها، وفضلها، واشتمالها على ما شاء الله تعالى من الأخبار بالغيب (٢).
وأخرج الإمام مالك في الموطأ، ومن طريقه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله - ﷺ - كان إذا انصرف من صلاة الغداة، يقول: «هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟» ويقول: «ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة» (٣).
قال ابن عبد البر ﵀: "وهذا الحديث يدل على شرف علم الرؤيا، وفضلها؛ لأنه - ﷺ - إنما كان يسأل عنها، لتقص عليه، ويعبرها، ليعلم أصحابه كيف الكلام في تأويلها" (٤).
ولهذا لا تجد مصنفًا من المصنفات الحديثة إلا ويفرد مؤلفه بابًا للرؤيا وتعبيرها، ويذكر فيه الأحاديث والآثار، وقد سبق بحمد الله الإشارة إلى شيء من ذلك في التمهيد.
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٣٠).
(٢) المرجع السابق (١٥/ ٣٠، ٣١).
(٣) سبق تخريجه (٢٥).
(٤) التمهيد (١/ ٣١٣).
[ ٣٩٠ ]
ولقد وضح ابن القيم ﵀ مكانة هذا العلم في كتابه التبيان في أقسام القرآن (١).
وكذلك في كتابه زاد المعاد عندما ذكر شيئًا عن حال شيخه الشهاب العابر (٢) ورسوخه في علم التعبير.
ثم قال: وهذه كانت حال شيخنا هذا، ورسوخه في علم التعبير، وسمعت عليه عدة أجزاء، ولم يتفق لي قراءة هذا العلم عليه، لصغر السن، واخترام المنية له ﵀ (٣).
فالحاصل من خلال عرض تلك الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة الصالح، يتبين أن علم التعبير علم معتبر شرعًا، بحسب الضوابط الشرعية التي ذكرتها وسوف أذكر بعضها إن شاء الله.
_________________
(١) التبيان في أقسام القرآن ص (٢١٠، ٢١١).
(٢) هو أبو العباس شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة بن سرور المقدسي (٦٢٨ - ٦٩٧هـ) تفقه في المذهب الحنبلي. قال عنه الذهبي: فقيه، إمام، عالم، لا يدرك شأوه في علم التعبير، وله مصنف كبير في هذا العلم سماه البدر المنير. وقال عنه ابن كثير ﵀: سمع الكثير، وروى الحديث، وكان عجبًا في المنامات، وله فيه اليد الطولى، وله تصنيف فيه ليس كالذي يؤثر عنه من الغرائب والعجائب. انظر ترجمته في البداية والنهاية (١٣/ ٣٧٤) وشذرات الذهب (٥/ ٤٣٧) وكتاب البدر المنير في علم التعبير، توجد منه نسخة مصورة في مخطوطات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
(٣) زاد المعاد (٣/ ٦١٥، ٦١٦).
[ ٣٩١ ]