ما ذكرته سابقًا من أقسام تأويل الرؤيا إنما هو مبني على القياس والمشابهة في الاسم والصفة بين الرؤيا وتأويلها، وهذا الأمر وإن كان غالبًا فإنه لا يقطع به بالنسبة لغير الأنبياء؛ إلا أن يظهر في اليقظة صدقها.
يقول علي القاري: "والحاصل أن الرؤيا مختلفة باختلاف الرائي فإنه قد يكون سالكًا مسالك طريق الدنيا وقد يكون سائرًا في مسائر صراط العقبى".
فكل تأويل يليق به ويناسب بحاله ومقامه وهذا أمر غير منضبط ولذا لم يجعل السلف فيه تأليفًا مستقلًا جامعًا شاملًا كافلًا لأنواع الرؤيا وإنما تكلموا فيما وقع لهم من القضايا (٢).
وعندما ذكر البغوي ﵀: تأويل أبي بكر ﵁ للرؤيا بين يدي رسول الله - ﷺ - قال: "تأويل جملة هذه الرؤيا
على ما عبره أبو بكر الصديق ﵁ وهذه الرؤيا تشتمل
على أشياء، إذا انفرد كل واحد منها عن صاحبه انصرف تأويله
_________________
(١) تفسير السعدي (٤/ ٣٤، ٦٦ - ٨٦).
(٢) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٤/ ٥٤٣).
[ ٤٠٢ ]
إلى وجه آخر، فإن تعبير الرؤيا يتغير بالزيادة والنقصان" (١).
وساق الأمثلة على ذلك.
ثم قال البغوي ﵀: "وقد يتغير التأويل عن أصله باختلاف حال الرائي كالغل في النوم مكروه، وهو في حق الرجل الصالح قبض اليد عن الشر" (٢).
وقوله: (مكروه) لما ثبت عن الحسن ﵁ قال: وكان يكره الغل في النوم (٣).
قال المهلب: "الغل يعبر بالمكروه لأن الله أخبر في كتابه أنه من صفات أهل النار بقوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١] الآية" (٤).
قال الحافظ: "وقد يكون الغل في بعض المرائي محمودًا كما وقع لأبي بكر الصديق، فأخرج أبو بكر بن أبي شيبة بسند صحيح عن مسروق قال: مر صهيب بأبي بكر فأعرض عنه فسأله فقال: رأيت يدك مغلولة على باب أبي الحشر رجل من الأنصار، فقال أبو بكر: جمع لي ديني إلى يوم المحشر".
ولذا يقول البخاري: لا تكون الأغلال إلا في الأعناق.
قال الحافظ: «"كأنه يشير – يعني البخاري ﵀- إلى الرد على من قال: قد يكون الغل في غير العنق كاليد والرجل" (٥).
_________________
(١) شرح السنة (١٢/ ٢١٩).
(٢) المرجع السابق (١٢/ ٢٢٤).
(٣) صحيح البخاري كتاب التعبير باب القيد في المنام فتح الباري (١٢/ ٤٠٤).
(٤) فتح الباري (١٢/ ٤٠٨).
(٥) المرجع السابق (١٢/ ٤٠٩).
[ ٤٠٣ ]
وقد ذكر ابن القيم ﵀ جملة من كليات التعبير، منها: "أن كل سقوط وخرور من علو إلى سفل فمذموم، وكل صعود وارتفاع فمحمود إذا لم يتجاوز العادة وكان ممن يليق به، وكل زيادة محمودة في الجسم والقامة واللسان واللحية واليد والرجل فزيادة خير، وكل زيادة متجاوزة للحد في ذلك فمذمومة وشر وفضيحة .. " (١).
وبعد ذكر هذه القواعد ليعلم أن ما ذكر في هذا المبحث من تأويل الرؤيا ليس هو من التوقيف الذي يقطع به في تأويل الرؤيا، وإنما ذلك من باب التقريب الذي قد يكون التأويل فيه صوابًا وقد يكون غير صواب (٢).
ولهذا كان ابن سيرين ﵀ يسأل عن مائة رؤيا فلا يجيب فيها بشيء إلا أنه يقول: "اتق الله وأحسن في اليقظة فإنه لا يضرك ما رأيت في النوم"، وكان يجيب في خلال ذلك ويقول: "إنما أجيب بالظن، والظن يخطئ ويصيب" (٣).
_________________
(١) إعلام الموقعين (١/ ١٩٢، ١٩٣).
(٢) انظر: كتاب الرؤيا للشيخ حمود التويجري ﵀ (١٦٨).
(٣) التمهيد لابن عبد البر، نقلًا عن كتاب الرؤيا للشيخ حمود التويجري (١٦٩) وانظر: الجزء الأول من قول الحسن ﵀ في شرح السنة للبغوي (١٢/ ٢٠٨).
[ ٤٠٤ ]