عقد ابن القيم ﵀ في كتابه الروح مسألة بعنوان المسألة الثالثة: وهي هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات أم لا؟ (١).
ثم قال ﵀: (شواهد هذه المسألة وأدلتها أكثر من أن يحصيها إلا الله تعالى والحس والواقع من أعدل الشهود بها، فتلتقي أرواح الأحياء والأموات كما تلتقي أرواح الأحياء).
وقد قال الله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢].
ثم ذكر أثرًا عن ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية أنه قال: بلغني أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فيتساءلون فيمسك الله أرواح الموتى ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها (٢).
_________________
(١) الروح (٢٠).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ١٧٧) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٠٣) ورجاله رجال الصحيح، وأورده السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٢٣٠) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني في الأوسط وأبي الشيخ في "العظمة" والضياء في "المختارة"، وعزاه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وغيرهم إلى ابن منده في كتاب "الروح والنفس".
[ ٩٣ ]
وأشار ابن جرير الطبري ﵀ إلى هذا التفسير حيث قال: (ذكر أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فيتعارف ما شاء الله منها فإذا أراد جميعها الرجوع إلى أجسادها إلى أجل مسمى وذلك إلى انقضاء مدة حياتها ونحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل (١) ثم ذكر بعض الآثار بنحو ما قال ابن عباس ﵄).
ويؤكد ابن كثير ﵀ تفسير هذه الآية بذلك. فيقول: "فيه دلالة على أنه تجتمع في الملأ الأعلى كما ورد بذلك الحديث المرفوع الذي رواه ابن منده وغيره، وفي صحيحي البخاري ومسلم من حديث عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليقل باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» وقال بعض السلف يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا وأرواح الأحياء إذا ناموا فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف، فيمسك التي قضي عليها الموت، التي قد ماتت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى (٢).
وقال السعدي (٣) ﵀ في تفسير هذه الآية (وفي هذه الآية، دليل
_________________
(١) تفسير ابن جرير (٢٤/ ٧) وذكر الآثار عن سعيد بن جبير والسدي وابن زيد بمثل قول ابن عباس ﵄.
(٢) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥٥) دار المعرفة.
(٣) السعدي: هو العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (١٣٠٧ - ١٣٧٦ هـ) صاحب التصانيف المشهورة في العقيدة والفقه وغيرهما، ومن أشهر تلاميذه محمد بن صالح العثيمين. انظر ترجمته في مقدمة كتابه "المختارات الجلية" بقلم أحد تلاميذه، معجم المؤلفين (١٣/ ٣٩٦).
[ ٩٤ ]
على أن الروح والنفس جسم قائم بنفسه، مخالف جوهره جوهر البدن، وأنها مخلوقة مدبرة، يتصرف الله فيها بالوفاة، والإمساك، والإرسال).
وأن أرواح الأحياء تتلاقى في البرزخ، فتتجمع فتتحادث فيرسل الله أرواح الأحياء ويمسك أرواح الأموات (١).
ولقد عقد السيوطي (٢) ﵀ في كتابه "شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور" باب لهذه المسألة (٣) وذكر بعض الآثار التي ذكرها ابن القيم ﵀.
وممن فصل القول في هذه المسألة أيضًا الإمام البقاعي (٤) ﵀ في كتاب "سر الروح" (٥) مؤيدًا ما ذهب إليه ابن القيم ﵀.
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (٦/ ٤٧٧).
(٢) السيوطي: هو أبو الفضل، جلال الدين عبد الرحمن الكمال السيوطي (٨٤٩ - ٩١١هـ) صاحب التصانيف الكثيرة، انظر ترجمته في الضوء اللامع للسخاوي (٤/ ٦٥ - ٧٠) وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٥١ - ٥٥) ومعجم المؤلفين (٥/ ١٢٨).
(٣) انظر: شرح الصدور (٣٥٧) شرح وتعليق محمد بن حسن الحمصي، الطبعة الأولى (١٤٠٤هـ).
(٤) البقاعي: هو المحدث المفسر، الإمام المؤرخ، إبراهيم بن عمر بن حسن البقاعي (ولد ٨٠٩ تقريبًا وتوفي ٨٨٥ هـ) من تلاميذ ابن حجر ﵀ انظر ترجمته في شذرات الذهب لابن العماد (٧/ ٣٣٩، ٣٤٠) البدر الطالع للشوكاني (١/ ١٩) ومعجم المؤلفين (١/ ٧١).
(٥) انظر: سرح الروح (١٧٥ - ١٨٦) حققه وعلق عليه محمود محمد نصار، مكتبة التراث الإسلامي.
[ ٩٥ ]
وكذلك نعمان الألوسي (١) ﵀ في كتابه "الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (٢) حيث قال: (هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات؟).
ثم قال: "وجوابها نعم" ثم استدل بالآية السابقة وتفسير ابن عباس لها.
ووجه استشهاد هؤلاء العلماء ﵏، بهذه الآية على التقاء الأرواح. أن النفس الممسكة هي من توفيت وفاة الموت أولا، والنفس المرسلة من توفيت وفاة النوم، والمعنى على هذا القول: أنه سبحانه يتوفى نفس الميت فيمسكها ولا يرسلها إلى جسدها قبل يوم القيامة، ويتوفى نفس النائم ثم يرسلها إلى جسدها إلى بقية أجلها فيتوفاها الوفاة الأخرى.
وعلى ذلك يكون معنى قوله تعالى: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ أُريدَ بها أن من مات قبل ذلك لقيت روحه روح الحي.
لكن ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه ليس في هذه الآية دلالة على التقاء أرواح الأحياء والأموات فقال ﵀:
والقول الثاني: وعليه الأكثرون أن كلا من النفسين: الممسكة والمرسلة توفيتا وفاة النوم، وأما التي توفيت وفاة الموت فتلك قسم ثالث وهي التي
_________________
(١) الألوسي: هو خير الدين، أبو البركات، نعمان بن محمود المفسر المشهور بن عبد الله الألوسي (١٢٥٢ - ١٣١٧ هـ) من أشهر كتبه: جلاء العينين في محاكمة الأحمدين يعني شيخ الإسلام ابن تيمية وابن حجر الهيثمي أجاد فيه وأفاد، انظر ترجمته في معجم المؤلفين (١٣/ ١٠٧).
(٢) انظر: الآيات البينات في عدم سماع الأموات (١٠٦) تحقيق الألباني المكتب الإسلامي الطبعة الرابعة (١٤٠٥هـ).
[ ٩٦ ]
قدمها بقوله: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ وعلى هذا يدل الكتاب والسنة، فإن الله قال: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ فذكر إمساك التي قضى عليها الموت من هذه الأنفس التي توفاها بالنوم، وأما التي توفاها حين موتها فتلك لم يصفها بإمساك ولا إرسال ولا ذكر في الآية التقاء الموتى والنيام (١).
وقد ذكر ابن القيم ﵀ في كتابه الروح أن هذا القول هو اختيار شيخ الإسلام (٢).
ثم قال ﵀: والذي يترجح هو القول الأول لأنه سبحانه أخبر بوفاتين وفاة كبرى وهي وفاة الموت، ووفاة صغرى وهي وفاة النوم، وقسم الأرواح قسمين قسما قضي عليها الموت فأمسكها عنده وهي التي توفاها وفاة الموت، وقسما لها بقية أجل فردها إلى جسدها إلى استكمال أجلها وجعل سبحانه الإمساك والإرسال حكمين للوفاتين المذكورتين أولا.
فهذه ممسكة وهذه مرسلة، وأخبر أن التي لم تمت هي التي توفاها في منامها فلو كان قد قسم وفاة النوم إلى قسمين وفاة موت، ووفاة نوم لم يقل ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ فإنها من حين قبضت ماتت، وهو سبحانه قد أخبر أنها لم تمت فكيف يقول بعد ذلك ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾.
_________________
(١) شرح حديث النزول (٩٤) منشورات المكتب الإسلامي الطبعة السادسة (١٤٠٢) هـ.
(٢) وهذا مما يؤكد أن كتاب الروح ألفه ابن القيم ﵀ بعد اتصاله بشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وانظر: الروح (٢١، ٣٤، ٨٣، ١٤٥) حيث يستشهد بأقوال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
[ ٩٧ ]
ثم قال ﵀: ولمن نصر هذا القول، يعني به القول الثاني، أن يقول قوله تعالى: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ بعد أن توفاها وفاة النوم فهو سبحانه توفاها أولا وفاة النوم ثم قضى عليها الموت بعد ذلك (١).
ثم ذكر ابن القيم ﵀ نقلًا عن شيخه أن الآية تتناول النوعين.
فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والتحقيق أن الآية تتناول النوعين، فإن الله ذكر توفيتين، توفي الموت، وتوفي النوم، وذكر إمساك المتوفاة وإرسال الأخرى.
ومعلوم أنه يمسك كل ميتة سواء ماتت في النوم أو قبل ذلك، ويرسل من لم تمت.
وقوله تعالى: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ يتناول ما ماتت في اليقظة وما ماتت في النوم، فلما ذكر التوفيتين ذكر أنه يمسكها في أحد التوفيتين ويرسلها في الأخرى، وهذا ظاهر اللفظ ومدلوله بلا تكلف.
وما ذكر من التقاء أرواح النيام والموتى لا ينافي ما في الآية، وليس في لفظها دلالة عليه لكن قوله: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ يقضي أنه يمسكها ولا يرسلها كما يرسل النائمة، سواء توفاها في اليقظة أو في النوم، ولذلك قال النبي - ﷺ -: «اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها، لك مماتها ومحياها، فإن أمسكتها فارحمها وإن أرسلها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين.» فوصفها بأنها في حال توفي النوم إما ممسكة وإما مرسلة (٢).
_________________
(١) الروح (٢١).
(٢) شرح حديث النزول (٩٤).
[ ٩٨ ]
هذا ما يتعلق باستدلال العلماء بهذه الآية على تلاقي الأرواح، أما استدلالهم بالأحاديث فقد ذكر منها ابن القيم (١) ﵀ ما ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف (٢).
وقد ذكر القرطبي ﵀ أنه قيل في معنى هذا الحديث، تلاقي أرواح النيام والموتى وقيل غير هذا والله أعلم (٣).