بعد أن استدل ابن القيم ﵀ على ما ذهب إليه من التقاء أرواح الأحياء والأموات، أخذ يستدل على المسألة الثانية، وهي التقاء أرواح الأحياء في المنام.
فقد ذكر ﵀ أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي، كما تلتقي أرواح الأحياء.
وقال: (والمقصود أن أرواح الأحياء تتلاقى في النوم، كما تتلاقى أرواح الأحياء والأموات) (٤).
_________________
(١) انظر: كتاب الروح (١/ ٢٣٥، ٢/ ٥١١، ٩٥١) تحقيق العموش دار ابن تيمية.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٢٩٥، ٥٢٧) والإمام مسلم في صحيحه (١٦/ ١٨٥) بشرح النووي من حديث أبي هريرة ﵁ وأخرجه البخاري في صحيحه معلقًا من حديث عائشة (٦/ ٣٦٩) فتح الباري، وروى الحديث عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وابن مسعود وعلي وسلمان الفارسي وابن عباس وعمرو بن عبسة ﵃، لكن في أسانيدها نظر. انظر: كتاب الروح لابن القيم (٢/ ٥١١) تحقيق العموش وسر الروح (١٠٦).
(٣) انظر: التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (ص٦٣) دار الريان الطبعة الثانية (١٤٠٧هـ).
(٤) الروح (٢٠، ٣٢).
[ ٩٩ ]
واستدل ببعض الأحاديث والآثار.
فمما استدل به ابن القيم على أن الأرواح تتلاقى في المنام، قصة رؤيا خزيمة بن ثابت الأنصاري ﵁ للنبي ص في المنام، والذي جاء من عدة طرق منها.
ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١) وأبو بكر ابن شيبة في مصنفه (٢) والنسائي في سننه الكبرى (٣)، من طريق حماد بن سلمة (٤) عن أبي جعفر الخطمي (٥) عن عمارة ابن خزيمة بن ثابت (٦) أن أباه قال: رأيت في المنام أني أسجد على جبهته النبي - ﷺ - فأخبرت بذلك رسول الله - ﷺ - فقال: «إن الروح يلقى الروح» (٧) واقنع النبي - ﷺ - رأسه هكذا فوضع جبهته على جبهة
_________________
(١) الحديث في مسند الإمام أحمد من طرق هذا أحدها (٥/ ٢١٤، ٢١٥) طبعة المكتب الإسلامي.
(٢) الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار (٦/ ١٨٢) تحقيق: كمال الحوت، الطبعة الأولى (١٤٠٩هـ) دار التاج.
(٣) كتاب السنن الكبرى، من ثلاث طرق هذا أحدها (٤/ ٣٨٤) تحقيق البنداري وسيد كسروي، الطبعة الأولى (١٤١١هـ) دار الكتب العلمية.
(٤) حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت وتغير حفظه بآخره، مات سنة سبع وستين، التقريب (١٧٨) تحقيق: محمد عوامة.
(٥) أبو جعفر الخطمي: هو عمير بن يزيد الأنصاري، المدني، صدوق يهم. "التقريب" (٤٣٢).
(٦) عمارة بن خزيمة بن ثابت الأنصاري الأوسي ثقة، مات سنة (١٠٥) التقريب (٤٠٩).
(٧) ورد في مسند الإمام أحمد بلفظ لا يلقى والظاهر أنه تصحيف لأنها وردت عند من أخرج الحديث من الكتب المصنفة بما ذكرته في المتن. ولوجود الكلمة صحيحة عند الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٨٥) والهندي في كنز العمال (١٥/ ٥١٧) وفي الفتح الرباني (١٧/ ٢١٧) وغيرها من الكتب التي تنقل عن المسند.
[ ١٠٠ ]
النبي - ﷺ - (١).
يقول الساعاتي ﵀ في "بلوغ الأماني": (ومعناه أن الأرواح الصالحة تتلاقى في الرؤيا وفي ذلك منقبة عظيمة لخزيمة) (٢).
وذكر ابن القيم ﵀ آثارًا أخرى تدل على التقاء الأرواح، لكن أسانيدها لا تسلم من مقال.
وقال ﵀: (وقد دل على التقاء أرواح الأحياء والأموات أن الحي يرى الميت في منامه فيستخبره، ويخبره الميت بما لا يعلم الحي فيصادف خبره، كما أخبر في الماضي والمستقبل، وربما أخبره بمال دفنه الميت في مكان لم يعلم به سواه، وربما أخبره بدين عليه، وذكر له شواهده وأدلته، وأبلغ من هذا أنه يخبر بما عمله من عمل لم يطلع عليه أحد من العالمين، وأبلغ من هذا أنه يخبره أنك تأتينا إلى وقت كذا وكذا فيكون كما أخبر عن أمور يقطع الحي أنه لم يكن يعرفها غيره) (٣).
ثم ذكر ﵀ بعد ذلك منامات يؤيد بها ما قاله.
_________________
(١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٨٥) وقال: رواه أحمد بأسانيد أحدها هذا وهو متصل. ورواه الطبري (٤/ ٨٤) وقال فقال له النبي - ﷺ -: «اجلس واسجد واصنع كما رأيت»، ورجاله ثقات. وأورده الهندي في كنز العمال (١٥/ ٥١٧) وعزاه إلى ابن أبي شيبة وأبي نعيم. ورواه ابن حبان في صحيحه بنحوه (موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ٤٤٤ والحاكم في المستدرك (٣/ ٣٩٦) من وجه آخر. وصححه إسناده شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لشرح السنة (١٢/ ٢٢٥).
(٢) بلوغ الأماني (١٧/ ٢١٧).
(٣) الروح (٢١) وذكر ذلك البقاعي أيضًا في سر الروح (١٧٦).
[ ١٠١ ]
ثم قال: (وهذا باب طويل جدًا، فإن لم تسمح نفسك بتصديقه، وقلت هذه منامات وهي غير معصومة فتأمل من رأى صاحبًا له أو قريبًا أو غيره، فأخبره بأمر لا يعلمه إلا صاحب الرؤيا أو أخبره بأنه يموت هو أو بعض أهله إلى كذا وكذا فيقع كما أخبره، أو أخبره بخصب أو جدب أو عدو أو نازلة أو مرض أو بغرض له فوقع كما أخبره).
والواقع من ذلك لا يحصيه إلا الله، والناس مشتركون فيه، وقد رأينا نحن وغيرنا من ذلك عجائب (١).
وقال ﵀: (فالتقاء أرواح الأحياء والموتى نوع من أنواع الرؤيا الصالحة التي هي عند الناس من جنس المحسوسات) (٢).
ثم ختم المسألة بقوله ﵀: (وبالجملة فهذا أمر لا ينكره إلا من هو أجهل الناس بالأرواح وأحكامها وشأنها وبالله التوفيق) (٣).
فالحاصل أن ما استدل به من قال بالتقاء الأرواح استدلوا بالآية، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه ليس في الآية ما ينافي ذلك، وليس في لفظها دلالة على ذلك.
أما حديث ابن عباس ﵄ وحديث خزيمة بن ثابت ﵁ إن صحا فإنهما صريحان في التقاء الأرواح في المنام.
_________________
(١) الروح (٢٩).
(٢) المرجع السابق (٢٩) وفي (١٨٨) قال ﵀: (إن روح النائم يحصل لها في المنام آثار فتصبح يراها على البدن عيانًا وهي من تأثير الروح في الروح) هكذا قال، والله أعلم.
(٣) الروح (٣٣، ٣٤).
[ ١٠٢ ]
أما ما ذكر من المنامات فلا حجة فيها على مثل هذه المسائل الاعتقادية.
وأما قول ابن القيم ﵀ أن ذلك من الأمور المحسوسة، فإن كان المراد أن النائم يرى ويخبره بما يطابق الواقع فهذا حق ولا ينكره إلا من هو أجهل الناس.
وأما إن كان هذا المحسوس أن في هذه الرؤيا دلالة على التقاء الأرواح، فما الذي يدرينا عن ذلك، وهل مجرد الرؤيا دليل صريح في هذه المسألة، في نظري أنه لا يفصل في هذه المسألة إلا بدليل صريح، والأدلة التي ذكرناها ليست ببعيدة الدلالة، وخاصة أننا قد علمنا في المسألة السابقة أن روح النائم تفارق جسده بكيفية الله أعلم بها، فما ملاقاتها للأرواح ببعيدة، والله أعلم بكيفية ذلك.
وقد ذكر ابن القيم ﵀ إشكالا في هذه المسألة وأجاب عليه فقال: (فإن قيل: فالنائم يرى غيره من الأحياء يحدثه ويخاطبه، وربما كان بينهما مسافة بعيدة، ويكون المرئي يقظان روحه لم تفارق جسده فكيف التقت روحاهما؟ قيل: هذا إما أن يكون مثلا مضروبًا يضربه ملك الرؤيا للنائم، أو يكون حديث نفس من الرائي تجرد له في منامه) (١).
_________________
(١) الروح (٣١/ ٣٢).
[ ١٠٣ ]