وفيه أربع مسائل:
المسألة الأولى: الأحاديث الواردة في كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة.
المسألة الثانية: معنى كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة.
المسألة الثالثة: مواقف العلماء من اختلاف الروايات في تحديد أجزاء النبوة.
المسألة الرابعة: هل تنسب رؤيا الكافر الصادقة إلى أجزاء النبوة؟
المسألة الأولى: الأحاديث الواردة في كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة
أحاديث الرؤيا الصالحة وكونها جزءًا من أجزاء النبوة خرجها أئمة الحديث أصحاب الجوامع كالصحيحين وغيرهما، والسنن والمسانيد، ودلائل النبوة والمستخرجات والمصنفات، ومدونو السيرة النبوية وحفَّاظها، حتى بلغت هذه الأحاديث حدَّ التواتر، كما ذكر السيوطي في كتابه قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة (١) وذكرها الزبيدي في كتابه لقط اللآليء المتناثرة في الأحاديث المتواترة (٢).
_________________
(١) انظر (١٧٤ - ١٧٦) تحقيق: خليل محيي الدين، المكتب الإٍسلامي، الطبعة الأولى (١٤٠٥) هـ
(٢) انظر (٢٤ - ٢٥) تحقيق: عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى (١٤٠٥ هـ).
[ ٢١٩ ]
وقد رويت هذه الأحاديث عن أكثر من خمسة عشر صحابيًا.
يقول الزرقاني في شرح الموطأ بعد أن ذكر الحديث الذي فيه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، قال: "والحديث متواتر عن جمع من الصحابة" (١).
والأحاديث الواردة في كون الرؤيا الصالحة جزءًا من النبوة على قسمين:
القسم الأول: أحاديث ذكرت فيها الرؤيا الصالحة وأنها جزء من أجزاء النبوة دون التعرض لبيان ومقدار هذه الأجزاء، ومن هذه الأحاديث:
١ - أخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي والحاكم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي» قال: فشق ذلك على الناس، فقال: «ولكن المبشرات» قالوا: يا رسول الله، وما المبشرات؟ قال: «رؤيا الرجل المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة» (٢).
٢ - أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث جابر ﵁ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «رؤيا الرجل المؤمن جزء من النبوة» (٣).
_________________
(١) شرح موطأ الإمام مالك (٤/ ٣٥٢) دار المعرفة طبعة (١٤٠٧ هـ). وانظر: شرح نخبة الفكر (٩٠ - ٩٤) ونظم المتواتر للكتاني، (٢٧٥) حيث ذكر ثمانية عشر راويًا.
(٢) مسند الإمام أحمد (٣/ ٢٦٧) وجامع الترمذي، كتاب الرؤيا، ٢ - باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات، الحديث (٢٢٧٢) (٤/ ٥٣٣) ومستدرك الحاكم (٤/ ٣٩١) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي والألباني كما في إرواء الغليل (٨/ ١٢٨).
(٣) مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٤٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٧٢) وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف، قلت: ويشهد له ما قبله من حديث جابر وما بعده من الأحاديث التي بلغت حد التواتر.
[ ٢٢٠ ]
ومثلها الأحاديث التي مرت معنا في مبحث المبشرات كحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات، قال: «الرؤيا الصالحة» وحديثي عائشة وأبي الطفيل وغيرهما (١).
القسم الثاني: الأحاديث التي ورد فيها بيان أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة مع تحديد هذا الجزء، وقد اختلفت الروايات في حديد هذا الجزء، أصحها ثماني روايات وهي كما يلي:
١ - رواية ستة وعشرون:
أخرجها ابن عبد البر ﵀ من طريق عبد العزيز بن المختار عن ثابت عن أنس مرفوعًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وعشرين جزءًا من النبوة» (٢).
٢ - رواية أربعين جزءًا:
أخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي من حديث أبي رزين العقيلي ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءًا من النبوة» (٣).
٣ - رواية: «أربعة وأربعين جزءًا».
_________________
(١) انظر (ص١٢٢ - ١٢٥).
(٢) التمهيد (١/ ٢٨٢) قال ابن عبد البر: هكذا في حديث أنس هذا، وهو حسن الإسناد.
(٣) مسند الإمام أحمد (٤/ ١٠، ١١، ١٢، ١٣) والجامع الصحيح الترمذي، كتاب الرؤيا ٦ - باب ما جاء في تعبير الرؤيا، الحديث رقم (٢٢٧٨) (٤/ ٥٣٦).
[ ٢٢١ ]
أخرج الطبري من حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «الرؤيا الصالحة جزء من أربعة وأربعين جزءًا من النبوة» (١).
٤ - رواية: «خمس وأربعين جزءًا».
أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «رؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءًا من النبوة» (٢).
وأخرجه أبو يعلى من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «الرؤيا الصالحة جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة».
قال يزيد بن الهاد أحد رواة الحديث سمعت مسلمة يحدث عن أبي هريرة عمر بن عبد العزيز، فقال عمر: لو كانت حصاة من عدد الحصى لرأيتها صدقًا (٣).
٥ - رواية «ستة وأربعين جزءًا من النبوة»
وهي أشهر الروايات، واتفق عليها من حديث أبي هريرة ومن حديث عبادة بن الصامت ومن حديث أنس ﵃.
فأخرج الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٤).
_________________
(١) تفسير الطبري (١١/ ٩٤).
(٢) صحيح مسلم كتاب الرؤيا، الحديث رقم (٢٢٦٣) (٤/ ١٧٧٣).
(٣) مسند أبي يعلى (٢/ ٥١٣) وانظر: التمهيد لابن عبد البر (١/ ٢٨١).
(٤) مسند الإمام أحمد (٢/ ٢٢٣، ٢٦٩، ٣١٤، ٣٦٩، ٤٩٥، ٥٠٧) وصحيح البخاري، كتاب التعبير، باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، الحديث رقم (٦٩٨٨) (٤/ ٢٩٧) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا، الحديث رقم (٢٢٦٣) (٤/ ١٧٧٣).
[ ٢٢٢ ]
وأخرج الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم من حديث قتادة عن أنس بن مالك، عن عبادة بن الصامت بمثله (١).
وأخرج الإمام مالك في الموطأ وأحمد في مسنده والبخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٢).
وأخرجه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري بمثله (٣).
وأخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم من حديث أبي رزين بلفظ «رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (٤).
٦ - رواية «تسعة وأربعين جزءًا من النبوة».
أخرج الإمام أحمد في مسنده والطبري في تفسيره من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: «الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن، وهي جزء من تسعة وأربعين
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٣/ ١٨٥) (٥/ ٣١٦، ٣١٩) وصحيح البخاري (٤/ ٢٩٧) وصحيح مسلم (٤/ ١٧٧٤).
(٢) موطأ الإمام مالك كتاب الرؤيا (٢/ ٩٥٦) ومسند الإمام أحمد (٣/ ١٠٦، ٢٦٩) وصحيح البخاري (٤/ ٢٩٦) وصحيح مسلم (٤/ ١٧٧٤).
(٣) صحيح البخاري (٤/ ٢٩٧).
(٤) مسند الإمام أحمد (٤/ ١٠) وجامع الترمذي كتاب الرؤيا ٦ - باب ما جاء في تعبير الرؤيا، رقم الحديث (٢٢٧٩) (٤/ ٥٣٦) وسنن ابن ماجة، كتاب تعبير الرؤيا، باب الرؤيا إذا عبرت وقعت، رقم الحديث (٣٩١٤) (٢/ ١٢٨٨) ومستدرك الحاكم (٤/ ٣٩٠) وسوف يأتي إن شاء الله التفصيل في طرق هذا الحديث وألفاظه في مبحث: هل الرؤيا إذا عبرت وقعت؟
[ ٢٢٣ ]
جزءًا من النبوة، فمن رأى ذلك فليخبر بها ومن رأى سوى ذلك فإنما هي من الشيطان ليحزنه فلينفث عن يساره ثلاثا وليسكت ولا يخبر بها أحدًا» (١).
٧ - رواية (خمسين جزءًا من النبوة)
أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث سليمان بن عريب ﵁ قال: ذكرت لابن عباس حديث أبي هريرة، فقال: جزء من خمسين، فقلت له: إني سمعت أبا هريرة، فقال ابن عباس: فإني سمعت العباس بن عبد المطلب يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الرؤيا الصالحة من المؤمن جزء من خمسين جزءًا من النبوة» (٢).
٨ - رواية «سبعين جزءًا من النبوة»:
وقد جاءت هذه الرواية في عدة أحاديث منها: ما أخرجه الإمام أحمد في مسند والإمام مسلم في صحيحه، وابن ماجة في سننه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة» (٣).
وأخرجها الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة (٤).
_________________
(١) سبق تخريجه (ص١٥٠).
(٢) أورده ابن حجر في فتح الباري (١٢/ ٢٣٦) وعزاه إلى الإمام أحمد وأبو يعلى والطبري في تهذيب الآثار، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٧٦) رواه البزار والطبراني في الأوسط والكبير.
(٣) مسند الإمام أحمد (٢/ ١٨، ٥٠، ١١٩، ١٢٢، ١٣٧) وصحيح مسلم كتاب الرؤيا، الحديث رقم (٢٢٦٥) (٤/ ١٧٧٥) وسنن ابن ماجة، كتاب تعبير الرؤيا، ١ - باب الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، الحديث رقم (٣٨٩٧) (٢/ ١٢٨٣).
(٤) مسند الإمام أحمد (٢/ ٢٣٢، ٣٤٢).
[ ٢٢٤ ]
وأخرجها الإمام أحمد أيضًا في مسنده وأبو يعلى في مسنده من حديث ابن عباس (١).
وأخرجها ابن أبي شيبة، وابن ماجة من حديث أبي سعيد الخدري (٢).
وأخرجها عبد الرزاق في مصنفه، وابن أبي شيبة من حديث مسعود (٣).
وأخرجها ابن جرير الطبري من حديث عبادة بن الصامت (٤).
وأخرجها ابن حبان من حديث أبي زرين العقيلي (٥).
وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ هذه الأحاديث ثم قال: "فحصلنا من هذه الروايات على عشرة أوجه أقلها جزء من ستة وعشرين وأكثرها من ستة وسبعين (٦) وبين ذلك أربعين، وأربعة وأربعين، وخمسة وأربعين، وستة وأربعين، وسبعة وأربعين (٧) وتسعة وأربعين، وخمسين، وسبعين» أصحها مطلقا الأول، يعني ستة وأربعين، ويليه السبعين، ووقع في شرح النووي منه
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (١/ ٣١٥) ومسند أبي يعلى (٤/ ٤٦٧)، رقم الحديث (٢٥٩٨) وصحيح الجامع (٣/ ١٨٣).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ١٤٧) وسنن ابن ماجة (٢/ ١٢٨٢).
(٣) مصنف عبد الرزاق باب الرؤيا (٢٠٣٥٧) (١١/ ٢١٣) ومصنف ابن أبي شيبة (٦/ ١٧٤).
(٤) تفسير ابن جرير الطبري (١١/ ٩٤).
(٥) موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٦/ ٢٧) تحقيق حسين مسيلم وعبده علي، دار الثقافة العربية.
(٦) رواية (ستة وسبعين) أخرجها الطبراني وسندها ضعيف كما قال الحافظ في الفتح (١٢/ ٣٦٣).
(٧) ذكرها القرطبي في المفهم كما في الفتح (١٢/ ٣٦٣).
[ ٢٢٥ ]
رواية عبادة (أربعة وعشرين) وفي رواية ابن عمر ستة وعشرين (١) وهاتان الروايتان لا أعرف من أخرجهما إلا أن بعضهم نسب رواية ابن عمر هذه لتخريج الطبري (٢) ووقع في كلام ابن أبي جمرة أنه ورد بألفاظ مختلفة فذكر بعض ما تقدم، وزاد في رواية (اثنين وأربعين) وفي أخرى (اثنين وسبعين) وفي أخرى (سبعة وعشرين) وفي أخرى (خمسة وعشرين) (٣) فبلغت على هذا خمسة عشر لفظًا (٤).