٤٧ - وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ . وَقَالَ: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ . وَقَدْ قَالَ: ﴿اللَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَالُكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨] . وَقَوْلُهُ: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] . وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] . وَقَوْلُهُ: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ، تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ ⦗٤١⦘ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا، فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦] . ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾
٤٨ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَقَرَّتْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ بِهَذِهِ الْآيَاتِ بِأَلْسِنَتِهَا، وَادَّعَوَا الْإِيمَانَ بِهَا، ثُمَّ نَقَضُوا دَعْوَاهُمْ بِدَعْوَى غَيْرَهَا، فَقَالُوا: اللَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ. قُلْنَا: قَدْ نَقَضْتُمْ دَعْوَاكُمْ بِالْإِيمَانِ بِاسْتِوَاءِ الرَّبِّ عَلَى عَرْشِهِ، إِذِ ادَّعَيْتُمْ أَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ. فَقَالُوا: تَفْسِيرُهُ عِنْدَنَا: أَنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ وَعَلَاهُ. قُلْنَا: فَهَلْ مِنْ مَكَانٍ لَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَعْلُهُ حَتَّى خَصَّ الْعَرْشَ مِنْ بَيْنِ الْأَمْكِنَةِ بِالِاسْتِوَاءِ عَلَيْهِ، وَكَرَّرَ ذِكْرَهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ؟ فَأَيُّ مَعْنًى إِذًا لِخُصُوصِ الْعَرْشِ إِذْ كَانَ عِنْدَكُمْ مُسْتَوِيًا عَلَى جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ كَاسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ ﵎.
٤٩ - هَذَا مُحَالٌ مِنَ الْحُجَجِ، وَبَاطِلٌ مِنَ الْكَلَامِ، لَا تَشُكُّونَ أَنْتُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي بُطُولِهِ وَاسْتِحَالَتِهِ، غَيْرَ أَنَّكُمْ تُغَالِطُونَ بِهِ النَّاسَ.
٥٠ - أَرَأَيْتُمْ إِذْ قُلْتُمْ: هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَفِي كُلِّ خَلْقٍ. أَكَانَ اللَّهُ إِلَهًا وَاحِدًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ وَالْأَمْكِنَةَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قُلْنَا: فَحِينَ خَلَقَ الْخَلْقَ وَالْأَمْكِنَةَ، أَقَدِرَ أَنْ يَبْقَى كَمَا كَانَ فِي أَزَلِيَّتِهِ فِي غَيْرِ مَكَانٍ؟ فَلَا يَصِيرُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْخَلْقِ وَالْأَمْكِنَةِ الَّتِي خَلَقَهَا بِزَعْمِكُمْ، أَوْ لَمْ ⦗٤٢⦘ يَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ يَصِيرَ فِيهَا، أَوَ لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالُوا: بَلَى، قُلْنَا: فَمَا الَّذِي دَعَا الْمَلِكَ الْقُدُّوسَ إِذْ هُوَ عَلَى عَرْشِهِ فِي عِزِّهِ وَبَهَائِهِ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، أَنْ يَصِيرَ فِي الْأَمْكِنَةِ الْقَذِرَةِ وَأَجْوَافِ النَّاسِ وَالطَّيْرِ وَالْبَهَائِمِ، وَيَصِيرَ بِزَعْمِكُمْ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ وَحُجْرَةٍ وَمَكَانٍ مِنْهُ شَيْءٌ؟ .
٥١ - لَقَدْ شَوَّهْتُمْ مَعْبُودَكُمْ إِذْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ صِفَتُهُ، فَلَا بُدَّ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَأْتُوا بِبُرْهَانٍ بَيِّنٍ عَلَى دَعْوَاكُمْ مِنْ كِتَابٍ نَاطِقٍ، أَوْ سُنَّةٍ مَاضِيَةٍ، أَوْ إِجْمَاعٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَنْ تَأْتُوا بشَيْءٍ مِنْهُ أَبَدًا.
٥٢ - فَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِيهِ بِكَلِمَةِ زَنْدَقَةٍ أَسْتَوْحِشُ مِنْ ذِكْرِهَا، وَتَسَتَّرَ آخَرُ مِنْ زَنْدَقَةِ صَاحِبِهِ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
٥٣ - قُلْنَا: هَذِهِ الْآيَةُ لَنَا عَلَيْكُمْ، لَا لَكُمُ، إِنَّمَا يَعْنِي أَنَّهُ حَاضِرُ كُلِّ نَجْوَى، وَمَعَ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ فَوْقِ الْعَرْشِ بِعِلْمِهِ، لِأَنَّ عَلِمَهُ بِهِمْ مُحِيطٌ، وَبَصَرَهُ فِيهِمْ نَافِذٌ، لَا يَحْجُبُهُ شَيْءٌ عَنْ عِلْمِهِ وَبَصَرِهِ، وَلَا يَتَوَارَوْنَ مِنْهُ بشَيْءٍ، وَهُوَ بِكَمَالِهِ فَوْقَ الْعَرْشِ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] . أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِهِمْ مِنْ فَوْقِ الْعَرْشِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يَبْعُدُ عَنْهُ شَيْءٌ، وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، فَهُوَ كَذَلِكَ رَابِعُهُمْ ⦗٤٣⦘، وَخَامِسُهُمْ، وَسَادِسُهُمْ، لَا أَنَّهُ مَعَهُمْ بِنَفْسِهِ فِي الْأَرْضِ كَمَا ادَّعَيْتُمْ، وَكَذَلِكَ فَسَّرَتْهُ الْعُلَمَاءُ.
٥٤ - فَقَالَ بَعْضُهُمْ: دَعُونَا مِنْ تَفْسِيرِ الْعُلَمَاءِ، إِنَّمَا احْتَجَجْنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، فَأْتُوا بِكِتَابِ اللَّهِ
٥٥ - قُلْنَا: نَعَمْ، هَذَا الَّذِي احْتَجَجْتُمْ بِهِ هُوَ حَقٌّ، كَمَا قَالَ اللَّهُ ﷿، وَبِهَا نَقُولُ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا، غَيْرَ أَنَّكُمْ جَهِلْتُمْ مَعْنَاهُ، فَضَلَلْتُمْ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَتَعَلَّقْتُمْ بِوَسَطِ الْآيَةِ، وَأَغْفَلْتُمْ فَاتِحَتَهَا وَخَاتِمَتَهَا، لِأَنَّ اللَّهَ ﷿ افْتَتَحَ الْآيَةَ بِالْعِلْمِ بِهِمْ، وَخَتَمَهَا بِهِ، فَقَالَ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧] . فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْعِلْمَ بِهِمْ وَبِأَعْمَالِهِمْ، لَا أَنَّهُ نَفْسُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ مَعَهُمْ كَمَا زَعَمْتُمْ، فَهَذِهِ حُجَّةٌ بَالِغَةٌ لَوْ عَقَلْتُمْ، وَأُخْرَى: أَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَ اللَّهِ ﷿ فِي كِتَابِهِ: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] . وَ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] . وَقَوْلَهُ: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ، تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٣] . وَقَوْلَهُ: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] . وَ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] . ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] . وَ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] . وَمَا أَشْبَهَهَا ⦗٤٤⦘ مِنَ الْقُرْآنِ آمَنَّا بِهِ، وَعَلِمْنَا يَقِينًا بِلَا شَكٍّ أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ كَمَا وَصَفَ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، فَحِينَ قَالَ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ . قُلْنَا: هُوَ مَعَهُمْ بِالْعِلْمِ الَّذِي افْتَتَحَ بِهِ الْآيَةَ وَخَتَمَهَا، لِأَنَّهُ قَالَ: فِي آيٍ كَثِيرَةٍ مَا حَقَّقَ أَنَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، فَوْقَ سَمَوَاتِهِ، فَهُوَ كَذَلِكَ لَا شَكَّ فِيهِ، فَلَمَّا أَخْبَرَ أَنَّهُ مَعَ كُلِّ ذِي نَجْوَى، قُلْنَا: عِلْمُهُ وَبَصَرُهُ مَعَهُمْ، وَهُوَ بِنَفْسِهِ عَلَى الْعَرْشِ بِكَمَالِهِ كَمَا وَصَفَ، لِأَنَّهُ لَا يَتَوَارَى مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يَفُوتُ عِلْمَهُ وَبَصَرَهُ شَيْءٌ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ الْعُلْيَا، وَلَا تَحْتَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى لِمُوسَى وَهَارُونَ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] مِنْ فَوْقِ الْعَرْشِ.
٥٦ - فَهَلْ مِنْ حُجَّةٍ أَشْفَى وَأَبْلَغَ مِمَّا احْتَجَجْنَا بِهِ عَلَيْكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ الرِّوَايَاتُ لِتَحْقِيقِ مَا قُلْنَا مُتَظَاهِرَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ، سَنَأْتِي مِنْهَا بِبَعْضِ مَا حَضَرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ إِجْمَاعٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، الْعَالِمِينَ مِنْهُمْ وَالْجَاهِلِينَ، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِمَّنْ مَضَى وَمِمَّنْ غَبَرَ إِذَا اسْتَغَاثَ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَوْ دَعَاهُ، أَوْ سَأَلَهُ، يَمُدُّ يَدَيْهِ وَبَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَدْعُوهُ مِنْهَا، وَلَمْ يَكُونُوا يَدْعُوهُ مِنْ أَسْفَلِ مِنْهُمْ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ، وَلَا مِنْ أَمَامِهِمْ، وَلَا مِنْ خَلْفِهِمْ، وَلَا عَنْ أَيْمَانِهِمْ، وَلَا عَنْ شَمَائِلِهِمْ، إِلَّا مِنْ فَوْقِ السَّمَاءِ، لِمَعْرِفَتِهِمْ بِاللَّهِ أَنَّهُ فَوْقَهُمْ، حَتَّى اجْتَمَعَتِ الْكَلِمَةُ مِنَ الْمُصَلِّينَ فِي سُجُودِهِمْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى، لَا تَرَى أَحَدًا يَقُولُ: رَبِّيَ الْأَسْفَلِ، حَتَّى لَقَدْ عَلِمَ فِرْعَوْنُ ⦗٤٥⦘ فِي كُفْرِهِ وَعُتُوِّهِ عَلَى اللَّهِ أَنَّ اللَّهَ ﷿ فَوْقَ السَّمَاءِ، فَقَالَ: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ .
٥٧ - فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانٌ بَيِّنٌ وَدِلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ أَنَّ مُوسَى كَانَ يَدْعُو فِرْعَوْنَ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ بِأَنَّهُ فَوْقَ السَّمَاءِ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَمَرَ بِبِنَاءِ الصَّرْحِ، وَرَامَ الِاطِّلَاعَ إِلَيْهِ.
٥٨ - وَكَذَلِكَ نَمْرُودُ - فِرْعَوْنُ - إِبْرَاهِيمَ، اتَّخَذَ التَّابُوتَ وَالنُّسُورَ، وَرَامَ الِاطِّلَاعَ إِلَى اللَّهِ لَمَّا كَانَ يَدْعُوهُ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَنَّ مَعْرِفَتَهُ فِي السَّمَاءِ.
٥٩ - وَكَذَلِكَ كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يَدْعُو إِلَيْهِ النَّاسَ، وَيَمْتَحِنُ بِهِ إِيمَانَهُمْ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ ﷿
[ ٤٠ ]
٦٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَزْدِيُّ، ثنا أَبَانُ وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، ﵁ قَالَ: كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي فِي قِبَلِ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، وَإِنِّي اطَّلَعْتُ يَوْمًا اطِّلَاعَةً فَوَجَدْتُ ذِئْبًا ذَهَبَ مِنْهَا بِشَاةٍ، وَإِنِّي رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، فَصَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقُلْتُ: أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟، فَقَالَ: «ادْعُهَا»، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: «أَيْنَ اللَّهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «فَمَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»
⦗٤٦⦘
٦١ - وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى، ثنا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ الصَّوَّافِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ
[ ٤٥ ]
٦٢ - وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ، أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ جَارِيَةً لِي تَرْعَى غَنَمًا، فَجِئْتُهَا، فَفَقَدْتُ شَاةً مِنَ الْغَنَمِ، فَسَأَلْتُهَا عَنْهَا فَقَالَتْ: أَكَلَهَا الذِّئْبُ، فَأَسِفْتُ عَلَيْهَا، وَكُنْتُ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَلَطَمْتُ وَجْهَهَا، وَعَلَيَّ رَقَبَةٌ، أَفَأُعْتِقُهَا؟، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيْنَ اللَّهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ
٦٣ - قَالَ: «أَعْتِقْهَا» قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَفِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ ﷿ فِي السَّمَاءِ دُونَ الْأَرْضِ فَلَيْسَ ⦗٤٧⦘ بِمُؤْمِنٍ وَلَوْ كَانَ عَبْدًا فَأُعْتِقَ لَمْ يَجُزْ فِي رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، إِذْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ. أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ أَمَارَةَ إِيمَانِهَا مَعْرِفَتَهَا أَنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ؟
٦٤ - وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أَيْنَ اللَّهُ؟» تَكْذِيبٌ لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لَا يُوصَفُ بِ «أَيْنَ»، لِأَنَّ شَيْئًا لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُقَالَ: «أَيْنَ هُوَ؟»، وَلَا يُقَالُ: «أَيْنَ» إِلَّا لِمَنْ هُوَ فِي مَكَانٍ يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ.
٦٥ - وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا يَدَّعِي هَؤُلَاءِ الزَّائِغَةُ لَأَنْكَرَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْلَهَا وَعِلْمَهَا، وَلَكِنَّهَا عَلِمَتْ بِهِ، فَصَدَّقَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَشَهِدَ لَهَا بِالْإِيمَانِ بِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ كَمَا هُوَ فِي السَّمَاءِ لَمْ يَتِمَّ إِيمَانُهَا حَتَّى تَعْرِفَهُ فِي الْأَرْضِ، كَمَا عَرَفَتْهُ فِي السَّمَاءِ.
٦٦ - فَاللَّهُ ﵎ فَوْقَ عَرْشِهِ، فَوْقَ سَمَوَاتِهِ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْ إِلَهَهُ الَّذِي يَعْبُدُ، وَعِلْمُهُ مِنْ فَوْقِ الْعَرْشِ بِأَقْصَى خَلْقِهِ وَأَدْنَاهُمْ وَاحِدٌ، لَا يَبْعُدُ عَنْهُ شَيْءٌ، ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُهُ الْمُعَطِّلُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا
[ ٤٦ ]
٦٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ، ثنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: كَيْفَ نَعْرِفُ رَبَّنَا؟ قَالَ: «بِأَنَّهُ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ عَلَى الْعَرْشِ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ»
⦗٤٨⦘
٦٨ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵀: وَمَا يُحَقِّقُ قَوْلَ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْجَارِيَةِ: «أَيْنَ اللَّهَ»؟، يَمْتَحِنُ بِذَلِكَ إِيمَانَهَا، فَلَمَّا قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرَةٌ، وَالْحُجَجُ مُتَظَاهِرَةٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ
[ ٤٧ ]
٦٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي قَابُوسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ»
[ ٤٨ ]
٧٠ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْمِصْرِيُّ، أَنْبَأَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زِيَادَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنْ فَضَالَةَ ⦗٤٩⦘ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِذَا اشْتَكَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا، أَوِ اشْتَكَى أَخٌ لَهُ، فَلْيَقُلْ: رَبَّنَا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ فَاجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الْأَرْضِ، وَاغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا، وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ، أَنْزِلْ شِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ، وَرَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ عَلَى هَذَا الْوَجَعِ، فَيَبْرَأَ "
[ ٤٨ ]
٧١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ الْعَبْدِيُّ، ثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، ثنا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ، يُحَدِّثُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَلَكَتِ الْمَوَاشِي، وَنُهِكَتِ الْأَمْوَالُ، وَإِنَّا نِسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى اللَّهِ، وَبِاللَّهِ عَلَيْكَ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا أَعْرَابِيُّ، وَيْحَكَ، وَهَلْ تَدْرِي مَا تَقُولُ؟ إِنَّ اللَّهَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُسْتَشْفَعَ عَلَيْهِ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، إِنَّ اللَّهَ فَوْقَ عَرْشِهِ، فَوْقَ سَمَوَاتِهِ، وَسَمَوَاتُهُ فَوْقَ أَرَضِيهِ مِثْلُ الْقُبَّةِ - وَأَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ مِثْلَ الْقُبَّةِ - وَإِنَّهُ لَيَئِطُّ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ»
[ ٤٩ ]
٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَغْدَادِيُّ، ثنا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، ﵁ قَالَ: كُنْتُ بِالْبَطْحَاءِ فِي عِصَابَةٍ، وَفِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَمَرَّتْ سَحَابَةٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: «مَا تُسَمُّونَ هَذِهِ؟»، قَالُوا: السَّحَابَ قَالَ: «وَالْمُزْنَ؟»، قَالُوا: وَالْمُزْنَ. قَالَ: «وَالْعَنَانَ؟»، قَالُوا: وَالْعَنَانَ. قَالَ: فَقَالَ: «مَا بُعْدُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؟» قَالُوا: لَا نَدْرِي. قَالَ: «فَإِنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَهُمَا إِمَّا وَاحِدَةٌ، وَإِمَّا اثْنَتَانِ، وَإِمَّا ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَالسَّمَاءُ فَوْقَهَا كَذَلِكَ» حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ، وَفَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ، بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ، مَا بَيْنَ أَظْلَافِهِنَّ وَرُكَبِهِنَّ مِثْلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّمَاءِ، وَعَلَى ظُهُورِهِنَّ الْعَرْشُ، بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ اللَّهُ ﷿ فَوْقَ ذَلِكَ ﵎ "
[ ٥٠ ]
٧٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا حَمَّادٌ وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ، ثنا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ مَرَّتْ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، فَقَالَ: «يَا جِبْرِيلُ مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ؟»، فَقَالَ: هَذِهِ رَائِحَةُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلَادِهَا، كَانَتْ تُمَشِّطُهَا، فَوَقَعَ الْمُشْطُ مِنْ يَدِهَا، فَقَالَتْ: بِسْمِ اللَّهِ فَقَالَتِ ابْنَتُهُ: أَبِي؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ رَبِّي وَرَبُّ أَبِيكِ اللَّهُ، فَقَالَتْ أُخْبِرُ بِذَلِكَ أَبِي؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْبَرَتْهُ، فَدَعَا بِهَا، فَقَالَ: مَنْ رَبُّكِ؟، هَلْ لَكِ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَتْ: رَبِّي وَرَبُّكَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ، ثُمَّ دَعَا بِهَا وَبِوَلَدِهَا فَأَلْقَاهُمْ فِيهَا. وَسَاقَ أَبُو سَلَمَةَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ
[ ٥١ ]
٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ، ثنا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ مَنْ فِي الْأَرْضِ لَمْ يَرْحَمْهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ»
[ ٥٢ ]
٧٥ - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنْ عَاصِمِ ابْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَمَّا أُلْقِيَ إِبْرَاهِيمُ فِي النَّارِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ فِي السَّمَاءِ وَاحِدٌ، وَأَنَا فِي الْأَرْضِ وَاحِدٌ أَعْبُدُكَ "
[ ٥٢ ]
٧٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، ﵁ قَالَ: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَطَرٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَسَرَ عَنْهُ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: «لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ»
٧٧ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الزَّائِغَةُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، مَا كَانَ الْمَطَرُ أَحْدَثُ عَهْدًا بِاللَّهِ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْمِيَاهِ وَالْخَلَائِقِ
[ ٥٣ ]
٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄ قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ إِلَهَكُمُ الَّذِي تَعْبُدُونَ فَإِنَّ إِلَهَكُمْ قَدْ مَاتَ، وَإِنْ كَانَ إِلَهُكُمُ اللَّهَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، فَإِنَّ إِلَهَكُمْ لَمْ يَمُتْ، ثُمَّ تَلَا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] . حَتَّى خَتَمَ الْآيَةَ
[ ٥٣ ]
٧٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: ثنا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ⦗٥٤⦘، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا يَزِيدَ يَعْنِي الْمَدَنِيَّ، قَالَ: لَقِيَتِ امْرَأَةٌ عُمَرَ، يُقَالُ لَهَا: خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ - وَهُوَ يَسِيرُ مَعَ النَّاسِ - فَاسْتَوْقَفَتْهُ، فَوَقَفَ لَهَا وَدَنَا مِنْهَا وَأَصْغَى إِلَيْهَا رَأْسَهُ، حَتَّى قَضَتْ حَاجَتَهَا وَانْصَرَفَتْ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، حَبَسْتَ رِجَالَاتِ قُرَيْشٍ عَلَى هَذِهِ الْعَجُوزِ؟، فَقَالَ: وَيْلَكَ وَهَلْ تَدْرِي مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: «هَذِهِ امْرَأَةٌ سَمِعَ اللَّهُ شَكْوَاهَا مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ، هَذِهِ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، وَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَنْصَرِفْ عَنِّي إِلَى اللَّيْلِ مَا انْصَرَفْتُ عَنْهَا حَتَّى تَقْضِيَ حَاجَتَهَا، إِلَّا أَنْ تَحْضُرَ صَلَاةٌ فَأُصَلِّيَهَا، ثُمَّ أَرْجِعَ إِلَيْهَا حَتَّى تَقْضِيَ حَاجَتَهَا»
[ ٥٣ ]
٨٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثنا أَبُو شِهَابٍ الْحَنَّاطُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ، قَالَ: " إِنَّ الْعَبْدَ لَيَهِمُّ بِالْأَمْرِ مِنَ التِّجَارَةِ أَوِ الْإِمَارَةِ، حَتَّى إِذَا تَيَسَّرَ لَهُ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ، فَيَقُولُ لِلْمَلَكِ: اصْرِفْهُ عَنْهُ قَالَ: فَيَصْرِفُهُ، فَيَتَظَنَّى بِحَيْرَتِهِ: سَبَقَنِي فُلَانٌ، وَمَا هُوَ إِلَّا اللَّهُ "
[ ٥٥ ]
٨١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا حَمَّادٌ يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ﵁ قَالَ: «مَا بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالَّتِي تَلِيهَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ كُلِّ سَمَاءَيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَبَيْنَ الْكُرْسِيِّ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ الْكُرْسِيِّ إِلَى الْمَاءِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَالْعَرْشُ عَلَى الْمَاءِ، وَاللَّهُ تَعَالَى فَوْقَ الْعَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ»
[ ٥٥ ]
٨٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ الْمِصْرِيُّ، أَنْبَأَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ، عَنْ قُدَامَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ ﵁ وَقَعَ بِجَارِيَةٍ لَهُ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: فَعَلْتَهَا؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَقَالَتْ: أَمَّا أَنْتَ فَلَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَأَنْتَ جُنُبٌ، فَقَالَ: أَنَا أَقْرَأُ لَكِ، فَقَالَ:
[البحر الوافر]
شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا
وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا
وَتَحْمِلُهُ مَلَائِكَةٌ كِرَامٌ مَلَائِكَةُ الْإِلَهِ مُسَوِّمِينَا
فَقَالَتْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ الْبَصَرَ "
[ ٥٦ ]
٨٣ - وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا جُوَيْرِيَةُ يَعْنِي ابْنَ أَسْمَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا، يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَايْمُ اللَّهِ، إِنِّي لَأَخْشَى لَوْ كُنْتُ أُحِبُّ قَتْلَهُ لَقُتِلْتُ - تَعْنِي عُثْمَانَ - وَلَكِنْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ أَنِّي لَمْ أُحِبَّ قَتْلَهُ "
[ ٥٧ ]
٨٤ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، ثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خَثْيَمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ ذَكْوَانُ، حَاجِبُ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تَمُوتُ، فَقَالَ لَهَا: «كُنْتِ أَحَبَّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ إِلَّا طَيِّبًا، وَأَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَكِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ، جَاءَ بِهَا الرُّوحُ الْأَمِينُ، فَأَصْبَحَ لَيْسَ مَسْجِدٌ مِنْ مَسَاجِدِ اللَّهِ تَعَالَى يُذْكَرُ فِيهِ اللَّهُ إِلَّا وَهِيَ تُتْلَى فِيهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ»
[ ٥٧ ]
٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي لَيْلَى، ثنا مُوسَى أَبُو مُحَمَّدٍ، مِنْ مَوَالِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: وَكَانَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ النَّاسَ الْخُطْبَةَ الَّتِي لَمْ يَخْطُبْ بَعْدَهَا، فَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي دَنَا فِي عُلُوِّهِ، وَنَاءَ فِي دُنُوِّهِ، لَا يَبْلُغُ شَيْءٌ مَكَانَهُ، وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ»
[ ٥٨ ]
٨٦ - حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَنْبَأَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، ثنا رَجُلٌ، مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَكَانَ يَتْبَعُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَيَسْمَعُ مِنْهُ، قَالَ: كُنْتُ مَعَهُ فَلَقِيَ نَوْفًا، فَقَالَ نَوْفٌ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِمَلَائِكَتِهِ: ادْعُوا لِي عِبَادِي، فَقَالُوا: يَا رَبِّ كَيْفَ وَالسَّمَوَاتُ السَّبْعُ دُونَهُمْ، وَالْعَرْشُ فَوْقَ ذَلِكَ؟ قَالَ: إِنَّهُمْ إِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدِ اسْتَجَابُوا لِي "
[ ٥٨ ]
قَالَ: يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، أَوْ قَالَ غَيْرَهَا، شَكَّ سُلَيْمَانُ، فَقَعَدَ رَهْطٌ أَنَا فِيهِمْ يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ الْأُخْرَى، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسْرِعُ الْمَشْيَ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَفْعِهِ إِزَارَهُ كَيْ يَكُونَ أَخَفَّ لَهُ فِي الْمَشْيِ، فَانْتَهَى إِلَيْنَا، فَقَالَ: " أَلَا أَبْشِرُوا، هَذَا رَبُّكُمْ أَمَرَ بِبَابٍ فِي السَّمَاءِ الْوُسْطَى، أَوْ قَالَ: بَابُ السَّمَاءِ، فَفَتَحَهُ، فَفَاخَرَ بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي، أَدَّوْا حَقًّا مِنْ حَقِّي، ثُمَّ انْتَظَرُوا ⦗٥٩⦘ أَدَاءَ حَقٍّ آخَرَ يُؤَدُّونَهُ "
[ ٥٨ ]
٨٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا أَبُو هِلَالٍ، ثنا قَتَادَةُ، قَالَ: قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: يَا رَبِّ أَنْتَ فِي السَّمَاءِ وَنَحْنُ فِي الْأَرْضِ، فَكَيْفَ لَنَا أَنْ نَعْرِفَ رِضَاكَ وَغَضَبَكَ؟ قَالَ: «إِذَا رَضِيتُ عَنْكُمُ اسْتَعْمَلْتُ عَلَيْكُمْ خِيَارَكُمْ، وَإِذَا غَضِبْتُ عَلَيْكُمُ اسْتَعْمَلْتُ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ»
[ ٥٩ ]
٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ، حَدَّثَهُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ كَعْبًا وَهُوَ فِي نَفَرٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ حَدِّثْنِي عَنِ الْجَبَّارِ. فَأَعْظَمَ الْقَوْمُ قَوْلَهُ، فَقَالَ كَعْبٌ: دَعُوا الرَّجُلَ، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا تَعَلَّمَ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا ازْدَادَ عِلْمًا، ثُمَّ قَالَ كَعْبٌ: «أُخْبِرُكَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ، وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ، ثُمَّ جَعَلَ مَا بَيْنَ كُلِّ سَمَاءَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالْأَرْضِ، وَكُثُفُهُنَّ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ رَفَعَ الْعَرْشَ فَاسْتَوَى عَلَيْهِ، فَمَا فِي السَّمَوَاتِ سَمَاءٌ إِلَّا لَهَا أَطِيطٌ كَأَطِيطِ الرَّحْلِ الْعِلَافِيِّ أَوَّلَ مَا يَرْتَحِلُ مِنْ ثِقَلِ الْجَبَّارِ فَوْقَهُنَّ»
[ ٥٩ ]
٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَقِيلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ، قَالَ لِعُمَرَ ﵁: " وَيْلٌ لِسُلْطَانِ الْأَرَضِ مِنْ سُلْطَانِ السَّمَاءِ. قَالَ ⦗٦٠⦘ عُمَرُ: إِلَّا مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ. فَقَالَ كَعْبٌ: إِلَّا مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ. وَكَبَّرَ عُمَرُ وَخَرَّ سَاجِدًا "
[ ٥٩ ]
٩٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ، ثنا أَبِي، عَنْ نَضْرٍ أَبِي عُمَرَ الْخَزَّازِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «سَيِّدُ السَّمَوَاتِ السَّمَاءُ الَّتِي فِيهَا الْعَرْشُ، وَسَيِّدُ الْأَرَضِينَ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْهَا، وَسَيِّدُ الشَّجَرِ الْعَوْسَجُ، وَمِنْهُ عَصَا مُوسَى»
[ ٦٠ ]
٩١ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، ثنا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ أَبُو الْغُصْنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، ﵄ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُكَ تَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ شَيْئًا مَا لَا تَصُومُهُ مِنَ الشُّهُورِ أَكْثَرَ إِلَّا رَمَضَانَ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ؟»، قُلْتُ: شَعْبَانُ. قَالَ: «هُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ»
[ ٦٠ ]
٩٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ، فَإِذَا كَانَتْ صَلَاةُ الْفَجْرِ نَزَلَتْ مَلَائِكَةُ النَّهَارِ، فَشَهِدُوا مَعَكُمُ الصَّلَاةَ، وَصَعِدَتْ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ، وَمَكَثَتْ فِيكُمْ مَلَائِكَةُ النَّهَارِ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: مَا تَرَكْتُمْ عِبَادِي يَصْنَعُونَ؟، فَيَقُولُونَ: جِئْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَتَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَإِذَا كَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ نَزَلَتْ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ فَشَهِدُوا مَعَكُمُ الصَّلَاةَ، ثُمَّ صَعِدَتْ مَلَائِكَةُ النَّهَارِ، وَمَكَثَتْ مَعَكُمْ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ " قَالَ: " فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُمْ عِبَادِي يَصْنَعُونَ؟ " قَالَ: " فَيَقُولُونَ: جِئْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَتَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ قَالَ: فَحَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ: «فَاغْفِرْ لَهُمْ يَوْمَ الدِّينِ»
[ ٦١ ]
٩٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمٍ ⦗٦٢⦘، عَنْ زِرٍّ، قَالَ: أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ ﵄، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صَلَاةِ، رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ. قَالَ: مَا يُخْبِرُكَ ذَاكَ؟، قُلْتُ: الْقُرْآنُ، فَقَرَأْتُ: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ مِنَ اللَّيْلِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) . قَالَ: هَكَذَا هُوَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: هَلْ تُرَاهُ صَلَّى فِيهِ يَا أَصْلَعُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّهُ أَتَاهُ بِدَابَّةٍ، فَوَصَفَهَا عَاصِمٌ بِحِمَارٍ، فَحَمَلَهُ عَلَيْهَا، أَحَدُهُمَا رَدِيفُ صَاحِبِهِ، ثُمَّ انْطَلِقَا، فَأُرِيَ مَا فِي السَّمَوَاتِ، وَأُرِيَ، ثُمَّ عَادَا عَوْدَهُمَا عَلَى بَدْئِهِمَا، فَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ، وَلَوْ صَلَّى فِيهِ لَكَانَتْ سُنَّةً "
[ ٦١ ]
٩٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ، ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ بَكْرِ ⦗٦٣⦘ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِذَا مَكَثَ الْمَنِيُّ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً أَتَاهُ مَلَكُ النُّفُوسِ، فَعَرَجَ بِهِ إِلَى الرَّبِّ فِي رَاحَتِهِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ عَبْدُكَ هَذَا ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي اللَّهُ إِلَيْهِ مَا هُوَ قَاضٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَشَقِيُّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَيُكْتَبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَا هُوَ لَاقٍ " قَالَ: وَتَلَا أَبُو ذَرٍّ مِنْ فَاتِحَةِ التَّغَابُنِ خَمْسَ آيَاتٍ "
٩٥ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵀: وَإِلَى مَنْ يَعْرُجُ الْمَلَكَ بِالْمَنِيِّ، وَاللَّهُ بِزَعْمِكُمُ الْكَاذِبِ فِي رَحِمِ الْمَرْأَةِ وَجَوْفِهَا مَعَ الْمَنِيِّ؟
[ ٦٢ ]
٩٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، ﵁ قَالَ: قَامَ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ»
⦗٦٤⦘
٩٧ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵀: فَإِلَى مَنْ تُرْفَعُ الْأَعْمَالُ، وَاللَّهُ بِزَعْمِكُمُ الْكَاذِبِ مَعَ الْعَامِلِ بِنَفْسِهِ فِي بَيْتِهِ، وَمَسْجِدِهِ، وَمُنْقَلَبِهِ، وَمَثْوَاهُ؟ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
٩٨ - وَالْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْ أَصْحَابِهِ، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصِيَهَا كِتَابُنَا هَذَا، غَيْرَ أَنَّا قَدِ اخْتَصَرْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ أُولُو الْأَلْبَابِ أَنَّ الْأُمَّةَ كُلَّهَا وَالْأُمَمَ السَّالِفَةَ قَبْلَهَا لَمْ يَكُونُوا يَشُكُّونَ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ فَوْقَ السَّمَاءِ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، غَيْرَ هَذِهِ الْعِصَابَةِ الزَّائِغَةِ عَنِ الْحَقِّ، الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَأَثَارَاتِ الْعِلْمِ كُلِّهَا، حَتَّى لَقَدْ عَرَفَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ كُفَّارِ الْأُمَمِ وَفَرَاعِنَتِهِمْ. ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ . وَاتَّخَذَ فِرْعَوْنُ إِبْرَاهِيمَ النُّسُورَ وَالتَّابُوتَ يَرُومُونَ الِاطِّلَاعَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ، وَذَلِكَ لَمَّا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ ﵈ كَانُوا يَدْعُونَهُمْ إِلَى اللَّهِ بِذَلِكَ، وَقَالَتْ ⦗٦٥⦘ بَنُو إِسْرَائِيلَ: يَا رَبِّ أَنْتَ فِي السَّمَاءِ وَنَحْنُ فِي الْأَرْضِ. وَأَشْبَاهُ هَذَا كَثِيرٌ، يَطُولُ إِنْ ذَكَرْنَاهَا
٩٩ - وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَبَاطِنُهُ كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، لَا لَبْسَ فِيهِ، وَلَا تَأَوُّلَ إِلَّا لِمُتَأَوِّلٍ جَاحِدٍ يُكَابِرُ الْحُجَّةَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا عَلَيْهِ.
١٠٠ - قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١] . وَقَوْلُهُ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ١] . ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] . ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] . ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] . ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [النور: ١] . وَمَا أَشْبَهَ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ كَثِيرٌ، كُلُّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ ﷿ أَنْزَلَهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِهِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا يَدَّعِي هَؤُلَاءِ الزَّائِغَةُ أَنَّهُ تَحْتَ الْأَرْضِ وَفَوْقَهَا كَمَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ لَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ: إِنَّا أَطْلَعْنَاهُ إِلَيْكَ، وَرَفَعْنَاهُ إِلَيْكَ، وَمَا أَشْبَهَهُ. وَقَالَ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] وَ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وَ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] . وَلَمْ يَقُلْ: مَا نُخْرِجُ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ، وَلَا يَصْعَدُ مِنْهَا
١٠١ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵀: فَظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَبَاطِنُهُ يَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ ذَلِكَ، نَسْتَغْنِي فِيهِ بِالتَّنْزِيلِ عَنِ التَّفْسِيرِ، وَيَعْرِفُهُ الْعَامَّةُ، وَالْخَاصَّةُ، فَلَيْسَ مِنْهُ لِمُتَأَوِّلٍ تَأَوُّلٌ، إِلَّا لِمُكَذِّبٍ بِهِ فِي نَفْسِهِ، مُسْتَتِرٍ بِالتَّأْوِيلِ.
⦗٦٦⦘
١٠٢ - وَيْلَكُمْ إِجْمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَجَمِيعِ الْأُمَّةِ، مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَالْفَرَائِضِ وَالْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ: نَزَلَتْ آيَةُ كَذَا فِي كَذَا، وَنَزَلَتْ آيَةُ كَذَا فِي كَذَا، وَنَزَلَتْ سُورَةُ كَذَا فِي مَكَانِ كَذَا. لَا نَسْمَعُ أَحَدًا يَقُولُ: طَلَعَتْ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ، وَلَا جَاءَتْ مِنْ أَمَامٍ، وَلَا مِنْ خَلْفٍ، وَلَكِنُ كُلُّهُ: نَزَلَتْ مِنْ فَوْقٍ.
١٠٣ - وَمَا يَصْنَعُ بِالتَّنْزِيلِ مَنْ هُوَ بِنَفْسِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ. إِنَّمَا يَكُونُ شِبْهَ مُنَاوَلَةٍ، لَا تَنْزِيلًا مِنْ فَوْقِ السَّمَاءِ مَعَ جِبْرِيلَ، إِذْ يَقُولُ ﷾: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] . وَالرَّبُّ بِزَعْمِكُمُ الْكَاذِبِ فِي الْبَيْتِ مَعَهُ، وَجِبْرِيلُ يَأْتِيهُ مِنْ خَارِجٍ. هَذَا وَاضِحٌ، وَلَكِنَّكُمْ تُغَالِطُونَ، فَمَنْ لَمْ يَقْصِدْ بِإِيمَانِهِ وَعِبَادَتِهِ إِلَى اللَّهِ الَّذِي اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ، وَبَانَ مِنْ خَلْقِهِ، فَإِنَّمَا يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ، وَلَا يَدْرِي أَيْنَ اللَّهُ
[ ٦٣ ]
١٠٤ - حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّمْلِيُّ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ، مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ثِقَةً، عَنْ رَجُلٍ قَدْ سَمَّاهُ لِي، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، كَيْفَ اسْتَوَى؟ قَالَ: فَمَا رَأَيْنَا مَالِكًا وَجَدَ مِنْ شَيْءٍ كَوَجْدِهِ مِنْ مَقَالَتِهِ، وَعَلَاهُ الرُّحَضَاءُ، وَأَطْرَقَ، وَجَعَلْنَا نَنْتَظِرُ مَا يَأْمُرُ بِهِ فِيهِ. قَالَ: ثُمَّ سُرِّيَ عَنْ مَالِكٍ، فَقَالَ: «الْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالِاسْتِوَاءُ مِنْهُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، وَإِنِّي لَأَخَافُ أَنْ تَكُونَ ضَالًّا. ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ»
⦗٦٧⦘
١٠٥ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵀: وَصَدَقَ مَالِكٌ، لَا يُعْقَلُ مِنْهُ كَيْفٌ، وَلَا يُجْهَلُ مِنْهُ الِاسْتِوَاءُ، وَالْقُرْآنُ يَنْطِقُ بِبَعْضِ ذَلِكَ فِي غَيْرِ آيَةٍ.
١٠٦ - فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي اقْتَصَصْنَا فِي هَذَا الْبَابِ، قَدْ خَلَصَ عِلْمُ كَثِيرٍ مِنْهَا إِلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَنَطَقَ بِكَثِيرٍ مِنْهَا كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَصَدَّقَتُهُ الْآثَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَعَنْ أَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي يَشْكُلُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْعِصَابَةِ الْمُلْحِدَةِ فِي آيَاتِ اللَّهِ، لَمْ يَزَلِ الْعُلَمَاءُ يَرْوُونَ هَذِهِ الْآثَارَ، وَيَتَنَاسَخُونَهَا، وَيُصَدِّقُونَ بِهَا عَلَى مَا جَاءَتْ، حَتَّى ظَهَرَتْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ، فَكَذَّبُوا بِهَا أَجْمَعَ، وَجَهَّلُوهُمْ، وَخَالَفُوا أَمْرَهُمْ، خَالَفَ اللَّهُ بِهِمْ.
١٠٧ - ثُمَّ مَا قَدْ رُوِيَ فِي، قَبْضِ الْأَرْوَاحِ، وَصُعُودِ الْمَلَائِكَةِ بِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ السَّمَاءِ، وَمَا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قِصَّتِهِ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ، فَعُرِجَ بِهِ إِلَى سَمَاءٍ بَعْدَ سَمَاءٍ، حَتَّى انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى الَّتِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا عِلْمُ الْخَلَائِقِ فَوْقَ سَبْعِ سَمَوَاتٍ، وَلَوْ كَانَ فِي كُلِّ مَكَانٍ كَمَا يَزْعُمُ هَؤُلَاءِ، مَا كَانَ لِلْإِسْرَاءِ وَالْبُرَاقِ وَالْمِعْرَاجِ إِذًا مِنْ مَعْنًى، وَإِلَى مَنْ يُعْرَجُ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَهُوَ بِزَعْمِكُمُ الْكَاذِبِ مَعَهُ فِي بَيْتِهِ فِي الْأَرْضِ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ سِتْرٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ، وَتَعَالَى عَمَّا تَصِفُونَ
[ ٦٦ ]
١٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ⦗٦٨⦘ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ﵁ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ ﵁ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَلَمَّا جِئْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ سَمَاءِ الدُّنْيَا: افْتَحْ قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ. قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ. قَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَافْتَتَحَ، فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا. " وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ
[ ٦٧ ]
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ ﵄ يَقُولَانِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ثُمَّ عُرِجَ بِي، حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ» قَالَ: «ثُمَّ انْطُلِقَ بِي، حَتَّى انْتُهِيَ بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ»
١٠٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، بِإِسْنَادِهِ نَحْوَ مَعْنَاهُ
[ ٦٨ ]
١١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَبُو بَكْرٍ، ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ ⦗٦٩⦘، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةً.» وَسَاقَ الْحَدِيثَ. قَالَ: " فَيُخْرِجُ رُوحَهُ، فَيَصْعَدُونَ بِهِ، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَيُسْتَفْتَحُ، فَيُفْتَحُ لَهُ، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى. وَأَمَّا الْكَافِرُ " قَالَ: «يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ، فَلَا يُفْتَحُ لَهُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠] الْآيَةَ. قَالَ: " فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي سِجِّينٍ، فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى. فَيُطْرَحُ طَرْحًا. «وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ»
١١١ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَفِي قَوْلِهِ ﵎: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠] دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ أَنَّ اللَّهَ ﷿ فَوْقَ السَّمَاءِ، لِأَنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ إِنَّمَا تُفَتَّحُ لِأَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِرَفْعِ أَعْمَالِهِمْ إِلَى اللَّهِ ﷿ مِنْهَا، وَلِمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا يَشَاءُ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِذَا كَانَ ⦗٧٠⦘ مَعَ الْمَيِّتِ وَالْعَامِلِ بِنَفْسِهِ فِي الْأَرْضِ فَإِلَى مَنْ يَعْرُجُ بِأَرْوَاحِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ؟ وَلِمَ تُفَتَّحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ لِقَوْمٍ وَتُغْلَقُ عَنْ آخَرِينَ، إِذَا كَانَ اللَّهُ بِزَعْمِكُمْ فِي الْأَرْضِ؟ وَمَا مَنْزِلَةُ قَوْلِ اللَّهِ ﷿ عِنْدَهُمْ إِذْ ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠] .
١١٢ - فَمَنْ آمَنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ الَّذِي احْتَجَجْنَا مِنْهُ بِهَذِهِ الْآيَاتِ، وَصَدَّقَ هَذَا الرَّسُولَ الَّذِي رُوِّينَا عَنْهُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، لَزِمَهُ الْإِقْرَارُ بِأَنَّ اللَّهَ بِكَمَالِهِ فَوْقَ عَرْشِهِ، فَوْقَ سَمَوَاتِهِ، وَإِلَّا فَلْيَحْتَمِلْ قُرْآنًا غَيْرَ هَذَا؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِهَذَا.
١١٣ - وَمِمَّا يُحَقِّقُ قَوْلَنَا وَيَبْطُلُ دَعْوَاهُمُ احْتِجَابُ اللَّهِ ﷿ مِنَ الْخَلْقِ فَوْقَ السَّمَوَاتِ الْعُلَى
[ ٦٨ ]