[ ٢٠٨ ]
٣٨٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ، حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، أَنَّ عَلِيًّا، ﵁ قَتَلَ زَنَادِقَةً ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ
[ ٢٠٨ ]
٣٨٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَجَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أُتِيَ بِقَوْمٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ فَحَرَّقَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَوُ كُنْتُ لَقَتَلْتُهُمْ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَمَا حَرَّقْتُهُمْ، لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَقَالَ: «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» وَزَادَ سُلَيْمَانُ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: قَالَ: فَبَلَغَ عَلِيًّا مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، فَقَالَ: وَيْحَ ابْنِ أُمِّ الْفَضْلِ، إِنَّهُ لَغَوَّاصٌ عَلَى الْهَنَاتِ
⦗٢٠٩⦘
٣٨٦ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵀: فَالْجَهْمِيَّةُ عِنْدَنَا زَنَادِقَةٌ مِنْ أَخْبَثِ الزَّنَادِقَةِ، نَرَى أَنْ يُسْتَتَابُوا مِنْ كُفْرِهِمْ، فَإِنْ أَظْهَرُوا التَّوْبَةَ تُرِكُوا، وَإِنْ لَمْ يُظْهِرُوهَا تُرِكُوا، وَإِنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ شُهُودٌ فَأَنْكَرُوا وَلَمْ يَتُوبُوا قُتِلُوا، كَذَلِكَ بَلَغَنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ سَنَّ فِي الزَّنَادِقَةِ
[ ٢٠٨ ]
حَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَنْبَأَ هُشَيْمٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، قَالَ: أُتِيَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِقَوْمٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ فَأَنْكَرُوا، فَقَامَتْ عَلَيْهِمُ الْبَيِّنَةُ فَقَتَلَهُمْ، وَقَالَ: " هَذَا قَدِ اسْتَتَبْتُهُ فَاعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ
[ ٢٠٩ ]
٣٨٧ - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: خَطَبَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ بِوَاسِطٍ يَوْمَ الْأَضْحَى، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ ارْجِعُوا فَضَحُّوا، تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ، فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ؛ إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ عُلُوًّا كَبِيرًا، ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ
[ ٢٠٩ ]
٣٨٩ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ الْمَكْفُوفُ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَاهِلِيُّ، ثنا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ الْأَشْجَعِيُّ، قَالَ: أُتِيَ ⦗٢١٠⦘ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ بِرَجُلٍ قَدْ عَارَضَ الْقُرْآنَ، فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٢] . وَقُلْتُ أَنَا مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْجَمَاهِرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَجَاهِرْ، وَلَا تُطِعْ كُلَّ سَافِهٍ وَكَافِرٍ. فَضَرَبَ خَالِدٌ عُنُقَهُ وَصَلَبَهُ، فَمَرَّ بِهِ خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ وَهُوَ مَصْلُوبٌ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى خَشَبَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْعَمُودَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ عَلَى عُودٍ، فَأَنَا ضَامِنٌ لَكَ أَنْ لَا تَعُودَ
[ ٢٠٩ ]
٣٩٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: قُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ: مَا تَقُولُ فِي الزَّنَادِقَةِ، تَرَى أَنْ نَسْتَتِيبَهُمْ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَبِمَ تَقُولُ ذَلِكَ؟ قَالَ: كَانَ عَلَيْنَا وَالٍ بِالْمَدِينَةِ فَقَتَلَ مِنْهُمْ رَجُلًا وَلَمْ يَسْتَتِبْهُ، فَسَقَطَ فِي يَدِهِ، فَبَعَثَ إِلَى أَبِي، فَقَالَ لَهُ أَبِي: لَا يَهْدِيَنَّكَ؛ فَإِنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤] قَالَ: السَّيْفُ ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] . قَالَ: السَّيْفُ، فَقَالَ: سُنَّتُهُ الْقَتْلُ
[ ٢١٠ ]
٣٩١ - وَسَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ نَافِعٍ أَبَا تَوْبَةَ الْحَلَبِيَّ، يَقُولُ: نَاظَرْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ﵀ فِي قَتْلِ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةِ، فَقَالَ: يُسْتَتَابُونَ ⦗٢١١⦘، فَقُلْتُ لَهُ: أَمَّا خُطَبَاؤُهُمْ فَلَا يُسْتَتَابُونَ، وَتُضْرَبُ أَعْنَاقُهُمْ
[ ٢١٠ ]
٣٩٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ الْمِصْرِيُّ، ثنا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» قَالَ مَالِكٌ: مَعْنَى حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا نَرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ، مِثْلُ الزَّنَادِقَةِ وَأَشْبَاهِهَا، فَإِنَّ أُولَئِكَ يُقْتَلُونَ وَلَا يُسْتَتَابُونَ، لِأَنَّهُ لَا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُمْ، وَأَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يُسِرُّونَ الْكُفْرَ وَيُعْلِنُونَ بِالْإِسْلَامِ، فَلَا أُرَى أَنْ يُسْتَتَابَ هَؤُلَاءِ، وَلَا يُقْبَلَ قَوْلُهُمْ، وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ وَأَظْهَرَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا عَلَى ذَلِكَ، رَأَيْتُ أَنْ يُدْعَوْا إِلَى الْإِسْلَامِ وَيُسْتَتَابُوا، فَإِنْ تَابُوا قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا قُتِلُوا. قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يَعْنِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ، وَلَا مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ، إِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ فِيمَا نُرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٩٣ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵀: فَأَيُّ كُفْرٍ أَعْظَمُ مِنْ كُفْرِ قَوْمٍ رَأَى فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ مِثْلُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُمْ يُقْتَلُونَ وَلَا يُسْتَتَابُونَ؛ إِعْظَامًا لِكُفْرِهِمْ، وَالْمُرْتَدُّ عِنْدَهُمْ يُسْتَتَابُ وَيُقْبَلُ رُجُوعُهُ، فَكَانَتِ الزَّنْدَقَةُ أَكْبَرَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الِارْتِدَادِ وَمِنْ كُفْرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى
[ ٢١١ ]
وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ﵀: «لَأَنْ أَحْكِيَ كَلَامَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْكِيَ كَلَامَ الْجَهْمِيَّةِ»
⦗٢١٢⦘
٣٩٤ - حَدَّثَنَاهُ الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَغْدَادِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ
٣٩٥ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَصَدَقَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، إِنَّ مِنْ كَلَامِهِمْ مَا هُوَ أَوْحَشُ مِنْ كَلَامِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَلِذَلِكَ رَأَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْتَلُوا وَلَا يُسْتَتَابُوا، وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو تَوْبَةَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵄: أَمَّا خُطَبَاؤُهُمْ فَلَا يُسْتَتَابُونَ، وَتُضَرَبُ أَعْنَاقُهُمْ؛ لِأَنَّ الْخُطَبَاءَ اعْتَقَدُوا دِينًا فِي أَنْفُسِهِمْ عَلَى بَصَرٍ مِنْهُمْ بِسُوءِ مَذَاهِبِهِمْ، وَأَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ تَعَوُّذًا وَجُنَّةً مِنَ الْقَتْلِ، وَلَا تَكَادُ تَرَى الْبَصِيرَ مِنْهُمْ بِمَذْهَبِهِ يَرْجِعُ عَنْ رَأْيِهِ.
٣٩٦ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَذَهَبْتُ يَوْمًا أَحْكِي لِيَحْيَى بْنِ يَحْيَى كَلَامَ الْجَهْمِيَّةِ لِأَسْتَخْرِجَ مِنْهُ نَقْضًا عَلَيْهِمْ، وَفِي مَجْلِسِهِ يَوْمَئِذٍ الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى الْبِسْطَامِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ الْقَاضِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَأَبُو قُدَامَةَ السَّرَخْسِيُّ، فِيمَا أَحْسِبُ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمَشَايِخِ، فَزَبَرَنِي بِغَضَبٍ وَقَالَ: اسْكُتْ، وَأَنْكَرَ عَلَيَّ الْمَشَايِخُ الَّذِينَ فِي مَجْلِسِهِ اسْتِعْظَامًا أَنْ أَحْكِيَ كَلَامَ الْجَهْمِيَّةِ، وَتَشْنِيعًا عَلَيْهِمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَحْكِي عَنْهُمْ دِيَانَةً ثُمَّ قَالَ لِي يَحْيَى: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، مَنْ شَكَّ فِيهِ أَوْ زَعَمَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ
[ ٢١١ ]
٣٩٧ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى الْبُوَيْطِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، ﵀، فِي الزِّنْدِيقِ قَالَ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ إِذَا رَجَعَ، وَلَا يُقْتَلُ، وَاحْتَجَّ فِيهِمْ بِ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] الْآيَةِ. فَأَمَرَهُ اللَّهُ ﷿ أَنْ يَدَعَ قَتْلَهُمْ لِمَا يُظْهِرُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ الزِّنْدِيقُ إِذَا ⦗٢١٣⦘ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ كَانَ فِي هَذَا الْوَقْتِ مُسْلِمًا، وَالْمُسْلِمُ غَيْرُ مُبَدِّلٍ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟»
٣٩٨ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵀: وَأَنَا أَقُولُ، كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَنْ تُقْبَلَ عَلَانِيَتُهُمْ إِذَا اتَّخَذُوهَا جُنَّةً لَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ، أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا أَسَرُّوا، فَلَا يُقَتَّلُوا، كَمَا أَنَّ الْمُنَافِقِينَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَلَمْ يُؤْمَرْ بِقَتْلِهِمْ، وَالزِّنْدِيقُ عِنْدَنَا شَرٌّ مِنَ الْمُنَافِقِ، فَلَرُبَّمَا كَانَ الْمُنَافِقُ جَاحِدًا بِالرَّسُولِ وَالْإِسْلَامِ، مُقِرًّا بِاللَّهِ ﷿، مُثْبِتًا لِرُبُوبِيَّتِهِ فِي نَفْسِهِ، وَالزِّنْدِيقُ مُعَطِّلٌ لِلَّهِ، جَاحِدٌ بِالرُّسُلِ وَالْكُتُبِ. وَمَا يُعْرَفُ فِي الْإِسْلَامِ زَنَادِقَةٌ غَيْرُ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةِ، وَأَيُّ زَنْدَقَةٍ بِأَظْهَرَ مِمَّنْ يَنْتَحِلُ الْإِسْلَامَ فِي الظَّاهِرِ، وَفِي الْبَاطِنِ يُضَاهِي قَوْلُهُ فِي الْقُرْآنِ قَوْلَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ الَّذِينَ رَدُّوا عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالُوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧] . وَ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] . وَ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] . كَمَا قَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ سَوَاءٌ: إِنْ هَذَا إِلَّا مَخْلُوقٌ. وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ أَيْضًا أَئِمَّةُ سَوْءٍ أَقْدَمُ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وَهُمْ عَادٌ قَوْمُ هُودٍ، الَّذِينَ قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ، إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ، وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] . فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْجَهْمِيَّةِ وَبَيْنَهُمْ حَتَّى نَجْبُنَ عَنْ قَتْلِهِمْ وَإِكْفَارِهِمْ؟
٣٩٩ - وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا حُجَّةٌ فِي قَتْلِهِمْ وَإِكْفَارِهِمْ إِلَّا قَوْلَ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَسَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَوَكِيعٍ، وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، وَأَبِي تَوْبَةَ، وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَنُظَرَائِهِمْ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، لَجَبَنَّا عَنْ قَتْلِهِمْ وَإِكْفَارِهِمْ بِقَوْلِ ⦗٢١٤⦘ هَؤُلَاءِ، حَتَّى نَسْتَبْرِئَ ذَلِكَ عَمَّنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ وَأَقْدَمُ، وَلَكِنَّا نُكَفِّرُهُمْ بِمَا تَأَوَّلْنَا فِيهِمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﷿، وَرُوِّينَا فِيهِمْ مِنَ السُّنَّةِ، وَبِمَا حَكَيْنَا عَنْهُمْ مِنَ الْكُفْرِ الْوَاضِحِ الْمَشْهُورِ، الَّذِي يَعْقِلُهُ أَكْثَرُ الْعَوَّامِّ، وَبِمَا ضَاهَوْا مُشْرِكِي الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ بِقَوْلِهِمْ فِي الْقُرْآنِ، فَضْلًا عَلَى مَا رَدُّوا عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ تَعْطِيلِ صِفَاتِهِ، وَإِنْكَارِ وَحْدَانِيَّتِهِ، وَمَعْرِفَةِ مَكَانِهِ، وَاسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ بِتَأْوِيلِ ضُلَّالٍ، بِهِ هَتَكَ اللَّهُ سِتْرَهُمْ، وَأَبَّدَ سَوْءَتَهُمْ، وَعَبَّرَ عَنْ ضَمَائِرِهِمْ، كُلَّمَا أَرَادُوا بِهِ احْتِجَاجًا ازْدَادَتْ مَذَاهِبُهُمُ اعْوِجَاجًا، وَازْدَادَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِمُخَالَفَتِهِمُ ابْتِهَاجًا، وَلِمَا يُخْفُونَ مِنْ خَفَايَا زَنْدَقَتِهِمُ اسْتِخْرَاجًا
[ ٢١٢ ]