وقد قال الله ﵎: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤].
وقال: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه:٤ - ٨].
وقد قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)﴾ [السجدة:٤ - ٦].
وقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥].
وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨].
وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل:٥٠].
وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
وقوله: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ [المعارج: ٣ - ٤].
وقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ
[ ٤٦ ]
مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾ [الملك:١٦،١٧].
﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت:٩ - ١٢].
قال أبو سعيد: أَقَرَّتْ هذه العصابة بهذه الآيات بألسنتها وادَّعُوا الإيمان بها، ثم نقضوا دعواهم بدعوى غيرها؛ فقالوا: الله في كل مكان لا يخلو منه مكان.
قلنا: قد نقضتم دعواكم بالإيمان باستواء الرب على عرشه؛ إذ ادَّعَيْتُم أنه في كل مكان.
فقالوا: تفسيره عندنا؛ أنه استولى عليه وعلاه.
قُلنا: فهل من مكانٍ لم يَسْتَول عليه ولم يَعْلُه حتى خَصَّ العرشَ من بين الأمكنة بالاستواء عليه وكَرَّر ذِكرَه في مواضع كثيرة من كتابه؟!
فأيُّ معنى إذًا لخصوص العرش؛ إذ كان عندكم مُسْتويًا على جميع الأشياء كاستوائه على العرش، ﵎؟! هذا محالٌ من الحجج، وباطلٌ من الكلام، لا تَشُكُّونَ أنتم -إن شاء الله- في بُطُولِهِ واستحالته، غَيرَ أنَّكم تُغالِطون به الناسَ.
أرأيتم إذ قلتم: هو في كل مكان، وفي كل خلق، أكان الله إلهًا واحدًا قبل
[ ٤٧ ]
أن يَخْلُقَ الخلقَ والأمكنة؟ قالوا: نعم، قلنا: فحين خَلَقَ الخَلْقَ والأمكنة، أَقَدَرَ أن يَبْقَى كما كان في أَزَلِيَّتِهِ في غير مكان؛ فلا يصير في شيء من الخلق والأمكنة التي خلقها بزعمكم؟ أولم يجد بُدًّا من أن يصير فيها، أو لم يستغن عن ذلك؟ قالوا: بلى.
قلنا: فما الذي دعا المَلِكَ القُدُّوسَ إذْ هو على عرشه في عِزِّهِ و[بهائه] (١) بائِنٌ من خلقه، أن يَصِيرَ في الأمكنة القذرة وأجواف الناس والطير والبهائم، ويُصَيِّرَ بِزعمِكُم -في كل زاويةٍ وحجرةٍ ومكان- منه شيء؟!
لقد شَوَّهتُم معبودَكُم؛ إذ كانت هذه صفته، والله أعلى وأَجَلُّ من أن تكون هذه صفته، فلا بُدَّ لكم من أن تأتوا ببرهان بَيِّنٍ على دعواكم، من كتابٍ ناطقٍ أو سُنَّةٍ ماضيةٍ أو إجماع من المسلمين، ولن تأتوا بشيء منه أبدًا.
فاحْتَجَّ بعضهُم فيه بكلمةِ زندقةٍ، أَسْتوْحِشُ مِنْ ذِكرِهَا، وتَسَتَّرَ آخرُ مِن زَنْدَقَةِ صاحبِه فقال: قال الله تعالى ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾ [المجادلة: ٧].
قلنا: هذه الآية لنا عليكم، لا لكم؛ إنما يعني أنه حاضرٌ كلَّ نجوى ومع كُلِّ أَحدٍ من فوق العرش بعلمه؛ لأن عِلمَه بهم محيط، وبَصَرَهُ فيهم نافِذٌ، لا يَحْجُبُهُ شيءٌ عن علمه وبصره، ولا يتوارون منه بشيء، وهو بكماله فوق العرش بائِنٌ من خلقه يعلم السِّرَّ وأخفى، أقرب إلى أحدهم-من فوق العرش- من حبل الوريد، قادرٌ على أن يكون له ذلك؛ لأنه لا يَبْعُدُ عنه شيءٌ ولا تخفى عليه
_________________
(١) في الأصل رسمها هكذا «نهابه» والذي يظهر أنه تصحيف، وقد كرر المصنف هذه الكلمة التي أثبتناها في أكثر من موضع على الصواب.
[ ٤٨ ]
خافية في السماوات ولا في الأرض، فهو كذلك رابعُهُم وخامسُهُم وسادسُهُم، لا أنه معهم بنفسه في الأرض كما ادَّعيتم، وكذلك فَسَّرتهُ العلماءُ.
فقال بعضهم: دعونا من تفسير العلماء، إنما احتججنا بكتاب الله؛ فأتوا بكتاب الله.
قلنا نعم، هذا الذي احتججتم به هو حقٌ كما قال الله - ﷿ - وبها نقول على المعنى الذي ذكرنا، غيرَ أنَّكم جَهِلتُم معناها؛ فضللتم عن سواء السبيل، وتعلقتم بوسط الآية، وأغفلتم فاتحتها وخاتمتها؛ لأن الله - ﷿ - افتتح الآية بالعلم بهم، وختمها به فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ (١) أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى قوله ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾ [المجادلة: ٧].
ففي هذا دليلٌ على أنه أراد العلم بهم وبأعمالهم، لا بأنه نفسه في كل مكان معهم كما زعمتم، فهذه حُجَّةٌ بالغة لو عقلتم.
وأُخرَى؛ أنَّا لما سمعنا قولَ الله - ﷿ - في كتابه ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] و﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١] وقوله: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٣ - ٤] وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] و﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] و﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وما أشبهها من القرآن آمنا به، وعلمنا يقينا بلا شك أن الله فوق عرشه فوق سمواته كما وصف، بائن من خلقه.
_________________
(١) في الأصل تعلم وهو خطأ وقد وافق محقق المطبوعة الأصل في هذا الموضع!!
[ ٤٩ ]
فحين قال: ﴿أَلَمْ تَرَ (١) أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] قلنا هو معهم بالعلم الذي افتتح به الآية وختمها؛ لأنه قال في آي كثيرة ما حقَّقَ أنه فوق عرشه فوق سماواته، فهو كذلك لا شك فيه، فلما أخبر أنه مع كلِّ ذي نجوى، قلنا علمه وبصره معهم، وهو بنفسه على العرش بكماله كما وصف؛ لأنه لا يتوارى منه شيءٌ، ولا يفوتُ علمَهُ وبَصرَهُ شيءٌ في السماء السابعة العُليا، ولا تحت الأرض السابعة السُفلى، وهذا كقوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦] من فوق العرش، فهل من حجة أشفى وأبلغ مما احتججنا عليك من كتاب الله تعالى؟
ثم الروايات -لتحقيق ما قلنا- مُتَظاهِرةٌ عن رسول الله - ﷺ - وأصحابه والتابعين، سنأتي منها ببعض ما حضر إن شاء الله تعالى، ثم إجماعٌ من الأولين والآخرين العالمين منهم والجاهلين؛ أن كل واحد ممن مضى، وممن غبر، إذا استغاث بالله تعالى أو دعاه أو سأله؛ يَمُدُّ يديه وبصره إلى السماء، يدعوه منها، ولم يكونوا يدعوه من أسفل منهم من تحت الأرض، ولا مِن أَمَامِهم ولا من خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم، إلا من فوق السماء؛ لمعرفتهم بالله أنه فوقهم، حتى اجتمعت الكلمة من المصلين في سجودهم؛ سبحان ربي الأعلى، لا ترى أحدًا يقول ربي الأسفل!
حتى لقد علم فرعونُ -في كفره وعتوه على الله- أن الله - ﷿ - فوق السماء! فقال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧].
_________________
(١) في الأصل تعلم وهو خطأ وقد وافق محقق المطبوعة الأصل في هذا الموضع أيضا!!
[ ٥٠ ]
ففي هذه الآية بيان بَيِّنٌ، ودلالةٌ ظاهرةٌ؛ أن موسى كان يدعو فرعون إلى معرفة الله؛ بأنه فوق السماء؛ فمن أجل ذلك أمر ببناء الصَّرحِ، ورام الاطلاع إليه.
وكذلك نمرود -فرعون إبراهيم- اتخذ التابوت والنسور ورام الاطلاع إلى الله؛ لما كان يدعوه إبراهيم إلى أن معرفته في السماء، وكذلك كان محمدٌ - ﷺ - يدعو إليه الناس، ويمتحن به إيمانَهُم بمعرفة الله - ﷿ -.
(١٨) حدثنا مُسْلِمُ بنُ إبراهيمَ الأَزْدِيُّ، حدثنا أَبَان وهو ابنُ يَزيدَ العَطَّار، عن [يحيى ابن] (١) أبي كَثير، عن هلال بن أَبِي مَيمونةَ، عن عطاء بن يَسَارٍ، عَن مُعُاوِيَةَ بِنِ الحَكَم السُّلَمِي - ﵁ - قال:
«كانت لِي جَارِية تَرْعَى غَنمًا لِي في قِبَل أُحُدٍ والجوَّانيَّة، وإِنِي اطَّلعتُ يومًا اطِّلاعةً؛ فَوَجَدتُ ذِئبًا ذَهَبَ مِنها بشاةٍ، وإِنِي مِنْ بَنِي آدَمَ؛ آَسفُ كَما يَأْسَفُون، فَصَكَكْتُها صَكَّةً، فَعَظُمَ ذلك عَلَى النَّبِي - ﷺ - فقلتُ: أفلا أُعْتِقُهَا؟ فَقَال ادْعُهَا فقال لها النَّبِي - ﷺ - أَيْنَ اللهُ؟ قالت: في السَّماءِ، قال: فَمَن أَنا؟ قالت: أَنت رَسُولُ الله، قال: أَعْتِقْهَا؛ فإنها مؤمنة» (٢).
(١٩) وحدثناه يحيَى بنُ يحيَى، حدثنا إسماعيلُ بن عُليَّة، عن الحجاجِ الصوَّاف، عن يحيَى بن أَبِي كثير، عن هِلال بن أَبِي مَيْمُونَةَ، عن عَطاء بنِ يَسَار،
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل، وأثبتناه من مصادر التخريج.
(٢) صحيح، رجاله ثقات، أخرجه الطيالسي في مسنده (١٢٠١)، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (٨٩٩)، وأبو عوانة في مسنده (١٧٢٧)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٨٩)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٦٥٢)؛ جميعا من طريق أبان بن يزيد العطار، به.
[ ٥١ ]
عن معاوية بن الحكم، عن النبِي - ﷺ - مثله (١).
(٢٠) وحدثنا يحيى بن يحيى التَّمِيمِي، قال: قَرَأْتُ على مَالِكِ بنِ أَنَس، عن هِلاَل بنِ أُسَامة، عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ، عن [معاويةَ بن] (٢) الحَكَمِ أَنَّهُ قال:
«أَتَيْتُ النَّبيَّ - ﷺ - فقلتُ: يا رسولَ اللهِ! إِنَّ جَارِيَةً لي تَرعَى غَنمًا فجئتُها فَفَقَدتُ شاةً من الغَنَمِ، فسألتُها عنها، فقالت: أَكَلَهَا الذِّئْبُ؛ فأَسِفْتُ عليها، وكنتُ مِن بَني آدم، فَلَطَمْتُ وجْهَهَا، وعليَّ رَقَبَةٌ، أَفَأُعْتِقُهَا؟ فقال لها رسول الله - ﷺ -: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها» (٣).
قال أبو سعيد: ففي حديث رسول الله - ﷺ - هذا؛ دليلٌ على أن الرجلَ إذا لم يعلم أن الله - ﷿ - في السماء دون الأرض؛ فليس بمؤمن، ولو كان عَبدًا فَأُعْتِقْ؛ لم يَجُزْ في رقبة مؤمنة، إذ لا يعلم أن الله في السماء، ألا ترى أن رسول الله - ﷺ - جعل أَمَارةَ إيمانِها مَعْرفَتُها أَنَّ اللهَ في السماء.
وفي قول رسول الله - ﷺ - أين الله، تَكذِيبٌ لقول من يقول: «هو في كل مكان، لا يُوصَفُ بِأَين؛ لأن شَيئًا لا يخلو منه مكان؛ يستحيل أن يُقَالُ: أين هو، ولا يُقَال أَين إلا لمن هو في مكان يخلو منه مكان».
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥٣٧)، وأبو داود (٩٣١)، والنسائي في الكبرى (٨٥٣٥)، وأحمد في المسند (٢٣٧٦٢)، وابن حبان في صحيحه (١٦٥)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٣٩٨)، وأبو عوانة في مسنده (١٧٢٨)، وابن أبي شيبة في مسنده (٨٢٨)، وفي مصنفه (٣٠٩٧٩)؛ جميعًا من حديث حجاج الصواف، به.
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل وأثبتناه من المصادر.
(٣) صحيح، رجاله ثقات، أخرجه مالك في الموطأ (١٤٦٨)، وعنه الشافعي في الأم (٢٦١٧)، ومن طريق الشافعي؛ البيهقي في الكبرى (٧/ ٣٨٧)، وأخرجه من طريق مالك النسائي في الكبرى (١١٤٠١).
[ ٥٢ ]
ولو كان الأمر على ما يَدَّعي هؤلاء الزائغة؛ لأنكر عليها رسول الله - ﷺ - قولهَا وعِلْمَهَا، ولكِنَّها عَلِمَت به فصدَّقها رسولُ الله - ﷺ - وشَهِدَ لها بالإيمان بذلك، ولو كان في الأرض كما هو في السماء لم يَتِم إيمانُها حتَّى تَعرِفَه في الأرض كما عرفته في السماء، فالله ﵎ فوق عرشه، فوق سماواته، بائنٌ من خلقه، فمن لم يعرفه بذلك؛ لم يعرف إِلَهَهُ الذي يَعبُد، وعلمه من فوق العرش -بأقصى خلقه وأدناهم- واحد ولا يبعد عنه شيء، ولا يَعْزُبُ عنه مثقالَ ذَرةٍ في السماوات ولا في الأرض، سبحانه وتعالى عما يصفه المُعَطِّلُون عُلوًا كَبِيرًا.
(٢١) حدثنا الحَسَنُ بنُ الصَّبَّاحِ البَزَّارُ (١)، حدثنا عَليُّ بن الحسنِ بن شَقِيقٍ، عن ابنِ المُبَارَكِ قال: قيل له كيفَ نَعْرِفُ رَبَّنَا؟ قال: بأنه فوق السماء السابعة على العرش، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ (٢).
قال أبو سعيد ﵀: ومما يُحَقِّقُ قَوْلَ ابنِ المُبَارَكِ؛ قَوْلُ رسُولِ الله - ﷺ - للجَارِيَةِ: أَيْنَ اللهُ؟ يَمْتَحِنُ بذلك إِيمَانَها، فلما قالت في السماء؛ قال رسول الله - ﷺ -: أعتقها؛ فإنها مؤمنة.
والآثَارُ في ذلك عن رسول الله - ﷺ - كَثِيرَةٌ، والحُجَجُ مُتَظَاهِرَةٌ، والحمدُ للهِ على ذلك.
(٢٢) حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا سُفْيَانُ، عن عمرِو يعني ابنِ دِينَارٍ، عن أبي قَابُوس، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: قال رسول الله - ﷺ -:
_________________
(١) في المطبوعة «البزاز»، والمثبت من الأصل وهو الموافق لترجمة الحسن بن الصباح، وينظر الأنساب للسمعاني (١/ ٣٣٦).
(٢) صحيح، رجاله ثقات، أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٢٢)، وابن بطة في الإبانة (١١٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٩١٠).
[ ٥٣ ]
«الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُم الرَّحمنُ، ارْحَم أَهلَ الأرضِ؛ يَرحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ» (١).
(٢٣) حدثنا سَعِيدُ بنُ الحَكَمِ بن أبي مَرْيَم المصري، أخبرنا الليثُ بنُ سَعْدٍ، عن زِيَادَةَ بنِ محمد، عن محمد بن كَعْبٍ القُرَظِي، عن فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ، عن أبي الدَّرْدَاءِ - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -:
«إذا اشْتَكَى أَحدُكُم شَيئًا، أو اشْتَكَى أَخٌ له؛ فَلْيَقُل: ربُّنَا اللهُ الذِي في السَّماءِ تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أمرُكَ في السَّماءِ والأرضِ كمَا رَحمَتُك في السَّماء، فاجْعَلْ رَحمَتَكَ في الأَرضِ، واغْفِر لنَا حَوْبَنَا وخَطَايَانَا، أنتَ رَبُّ الطيِّبِينَ، أَنْزِل شِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ، ورحمَةً مِنْ رَحمتِكَ على هذا الوَجَعِ» فَيَبْرَأ (٢).
(٢٤) حدثني مُحَمدُ بنُ بَشَّار العَبْدِي، حدثنا وَهْب بن جَرِير، حدثنا أبي قال: سمعت محمد بن إسحاق، يُحدِّث عن يَعقُوبَ بن عُتْبَة، عن جُبَيْرِ بن محمد بن جبير بن مُطْعِم، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: جاء رجلٌ إلى النبي - ﷺ - أعرابي
_________________
(١) صحيح؛ أخرجه أحمد (٦٤٩٤)، وأبو داود (٤٩٤٣)، والترمذي (١٩٢٤)، والحميدي (٥٩١)، والبيهقي (٩/ ٤١) وغيرهم، من طريق أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو، قال الذهبي في الميزان (١٠٥٢٢) لا يعرف. وقال في الكاشف (٦٧٨٤): وثق. وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وقال الحافظ في التقريب: مقبول. فهذا إسناد ضعيف. قلت: لكن تابعه، حبان بن زيد الشرعبي، أخرجه أحمد (٦٥٤١)، وعبد بن حميد (٣٢٠ - منتخب)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٨٠)، والطبراني في مسند الشاميين (١٠٥٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (١١٠٥٢)، وغيرهم؛ من طريق الشرعبي، عن عبد الله بن عمرو، بمعناه. وهذا إسناد صحيح، والحمد لله رب العالمين.
(٢) منكر؛ أخرجه أبو داود (٣٨٩٢)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٤٥)، والطبراني في الأوسط (٨٦٣٦)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٨٦)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٤٥)، جميعًا من حديث زيادة بن محمد، تفرد به، وقال البخاري منكر الحديث.
[ ٥٤ ]
فقال يا محمد! هَلَكَت المَوَاشِي، ونَهَكَت الأَمْوَالُ، وإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ على اللهِ، وبالله عليك، فادْعُ اللهَ أنْ يَسْقِيَنَا، فقال النَّبِي - ﷺ -:
«يا أَعْرابِي وَيْحَك! وهل تدري ما تقول؟ إنَّ [الله] (١) أَعظَمُ مِن أن يُسْتَشْفَعَ عليه بِأَحدٍ مِن خَلقه، إن اللهَ فَوْقَ عَرشِه فَوق سَمَاواتِه وسَمَاواتُهُ فَوْقَ أرضيه مثل القُبَّة، وأشار النبي - ﷺ - بيده مثل القبة، وإنه لَيَئِطُّ به أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ» (٢).
(٢٥) حدثنا محمد بن الصَّبَّاح البَغْدَادِي، حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن سِمَاك، عن عبد الله بن عُمَيرة، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب - ﵁ -، قال: كنت بالبطحاء في عصابة وفيهم رسول الله - ﷺ -، فَمَرَّت سَحَابَةٌ، فنظر إليها فقال:
«مَا تُسَمُّون هذه؟ قالوا السَّحابُ، قال: والمُزن؟ قالوا: والمُزن، قال: والعنَانَا؟ قالوا: والعنانا، قال فقال: ما بُعْدَ ما بين السماء والأرض؟ قالوا: لا ندري، قال: فإن بُعْدَ ما بينهما؛ إِمَّا واحِدَةً، وإما اثْنَتَيْنِ، وإما ثلاثًا وسبعينَ سَنَة، والسماء فوقها كذلك، حتى عَدَّ سَبْعَ سماواتٍ، وفَوْقَ السَّماءِ السَّابعة بَحْرٌ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وأعلاه مثل ما بين السَّمَاءِ إلى السَّماءِ، وفوق ذلك ثَمَانية أَوْعَال ما بين
_________________
(١) ما بين معقوفين زيادة ليست من الأصل وأثبتناها من المصادر.
(٢) ضعيف؛ أخرجه أبو داود (٤٧٢٦)، والطبراني في الكبير (١٥٤٧)، والبغوي في شرح السنة (٩٢)، والدارقطني في العلل (٣٣٢٠)، وابن خزيمة في التوحيد (١٤٧)، وغيرهم من حديث محمد بن إسحاق، به، وهو المحفوظ، وهذا حديث ضعيف؛ ابن إسحاق مدلس ولم يصرح بالسماع، وجبير بن محمد مقبول إذا توبع، وإلا فهو لين، وقد تفرد به، ولم يتابعه عليه أحد.
[ ٥٥ ]
أَظْلاَفِهِنَّ وَرُكَبِهِنَّ مثل ما بين السَّماءِ إِلى السَّماء وعلى ظُهُورِهِنَّ العرش، بين أَسفلِهِ وأعلاه مثل ما بين السَّماءِ إِلى السَّماء، ثم الله - ﷿ - فوق ذلك﵎-» (١).
(٢٦) حدَّثَنَا مُوسَى بنُ إِسْماعِيلَ، حدَّثَنَا حمَّادٌ وهو ابن سَلَمَةَ، حدثنا عَطَاءُ بنُ السَّائِبِ، عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابن عباس؟:
«أن رسول الله - ﷺ - لما أُسْرِيَ به [قال] (٢): مرَّتْ رائحةٌ طَيِّبة فقلت يا جبريل ما هذه الرائحة؟ فقال هذه رَائِحَةُ مَاشِطَةَ ابنة فرعون، وأولادِهَا، كانت تُمَشِّطُها فوقع المِشْطُ مِن يَدِها، فقالت بسم الله، فقالت ابنته أَبِي؟ قالت لا، ولكن رَبِّي وربُّ أبيك؛ الله، فقالت أُخْبِر بذلك أَبِي؟ فقالت نعم، فأخبرته، فدعا بها فقال من ربك؟ هل لَكِ رَبٌّ غَيْري؟! قالت: ربِّي وربك الذي في السماء، فَأَمَر بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ، فَأُحْمِيَتْ، ثم دعا بها وبولدها، فألقاهم فيها» (٣).
_________________
(١) ضعيف؛ أخرجه أبو داود (٤٧٢٤)، والترمذي (٣٣٢٠)، وابن ماجه (١٩٣)، وأحمد (١٧٧٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٥٤)، وغيرهم من حديث عبد الله بن عميرة الكوفي به، وهو مجهول لم يرو عنه غير سماك بن حرب كما ذكر ذلك مسلم في الوحدان، وكذلك قال البزار في مسنده (٤/ ١٣٧): «لا نعلم روى عنه إلا سماك». وثمة انقطاع بينه وبين شيخه الأحنف بن قيس؛ حيث قال البخاري في التاريخ الكبير: «ولا نعلم له سماعًا من الأحنف».
(٢) زيادة ليست في الأصل وأثبتناها من المصادر.
(٣) ضعيف، أخرجه أحمد (٢٨٢١، ٢٨٢٢)، وابن حبان (٢٩٠٤)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٩٦)، وغيرهم، من حديث حماد بن سلمة عن عطاء. قلت: وعطاء كان قد اختلط في آخر عمره، فمن سمع منه قبل الاختلاط فسماعه صحيح، وحماد ممن سمع منه قبل الاختلاط وبعده. قال العقيلي في الضعفاء: قال عليٌّ -يعني ابن المديني- قلت ليحيى: وكان أبو عوانة حمل عن عطاء بن السائب قبل أن يختلط، فقال: كان لا يفصل هذا من هذا، وكذلك حماد بن سلمة.
[ ٥٦ ]
وساق أبو سلمة الحديثَ بطوله.
(٢٧) حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا أَبُو الأَحوص، حدثنا أبو إسحاق، عن أَبِي عُبَيْدَةَ، عن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -:
«مَنْ لمْ يَرْحَمْ مَنْ فِي الأَرْضِ؛ لمْ يَرْحَمْهُ مَنْ فِي السَّماءِ» (١).
(٢٨) حدثنا أبو هِشَام الرِّفَاعِي، حدثنا إِسحاقُ بنُ سُلَيْمَانَ، حدثنا أبو جَعْفَر الرَّازِي، عن عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عن أَبِي صَالح، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لمَّا أُلْقِىَ إِبراهيمُ في النَّارِ قال: اللَّهُمَّ إِنَّك في السَّماءِ وَاحِدٌ، وأنا في الأرض واحِدٌ أَعْبُدُكَ» (٢).
(٢٩) حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمَانَ، عن ثَابتٍ، عن أنس - ﵁ -، قال: أصابنا ونحن مع رسول الله - ﷺ - مَطَرٌ، فخرج رسول الله - ﷺ - فَحَسَرَ عنه ثَوْبَهَ حتَّى أصابه، فقلنا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟ قال: «لأنَّهُ حَدِيْثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ» (٣).
_________________
(١) أخرجه الطيالسي في مسنده (٣٣٣)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢١٠)، وأبو يعلى (٥٠٦٣)، والطبراني في الكبير (١٠٢٧٧)، وفي الصغير (١/ ١٠١)، وغيرهم من طريق أبي إسحاق، به. وهذا إسناد منقطع؛ أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، وفي الباب عن أبي هريرة، وغيره.
(٢) ضعيف؛ أخرجه أبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (٦٢٧٥)، عن شيخ المصنف به، والخطيب في التاريخ (١٠/ ٣٤٦)، وغيرهما، وهذا إسناد ضعيف لأجل أبي هشام الرفاعي واسمه محمد بن يزيد، ضعفه غير واحد، وقال البخاري: رأيتهم مجتمعين على ضعفه، وكذلك شيخ شيخه أبو جعفر الرازي قال أحمد: ليس بقوي في الحديث، وقال أبو زرعة شيخ يهم كثيرًا.
(٣) أخرجه مسلم (٢٠٣٨)، وأحمد (١٢٣٩٢)، والبخاري في الأدب المفرد (٥٧١)، وأبو داود (٥١٠٠)، وغيرهم.
[ ٥٧ ]
قال أبو سعيد: ولو كان على ما يقول هؤلاء الزَّائِغَة أَنَّه في كلِّ مكان؛ ما كان المطرُ أَحْدَثُ عهدًا بالله مِنْ غَيْرِهِ من المياه والخلائِق.
(٣٠) حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، حدثنا محمدُ بنُ فُضَيْلٍ، عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر؟ قال: «لما قُبِضَ رسولُ اللهِ - ﷺ - قال أبو بكرٍ - ﵁ -: أَيُّهَا الناس! إِنْ كَانَ محمدٌ إِلَهَكُم الذي تَعبُدُون؛ فإِن إِلَهَكُم قد مات، وإن كان إِلَهَكُم الله الذي في السَّماء؛ فَإِنَّ إِلهكُم لم يَمُتْ، ثُم تَلاَ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ حتى ختم الآية» (١) [آل عمران: ١٤٤].
(٣١) حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ، قال سمعتُ أَبَا يَزِيدَ يَعْنِي المَدَنِيَّ، قال: «لَقِيَتِ امرأةٌ عُمرَ يقال لها خولةُ بِنْتُ ثَعْلَبة وهو يَسِيرُ مع النَّاسِ، فاسْتَوْقَفَتْهُ فوقَفَ لها، ودَنَا منها، وأَصغَى إِليها رَأْسَهُ حتَّى قَضَتْ حَاجتَهَا وانصرفت، فقال له رجل يا أمير المؤمنين! حبست رجالات قريشٍ على هذه العجوز، فقال ويلك! وهل تدري من هذه؟ قال لا، قال هذه امرأةٌ سمع اللهُ شَكْوَاهَا من فوق سَبْعِ سماوات؛ هذهِ خَولةُ بنتُ ثَعْلَبَة، والله لو لم تنصرف عَنِّي إلي الليل؛ ما انْصَرَفْتُ عنها حتَّى تَقْضِي حاجَتَها إلاَّ أن تَحْضُرَ صلاةٌ فَأُصَلِّيها، ثم أَرْجِعُ إليها حتى تقضي حاجتها» (٢).
_________________
(١) صحيح؛ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٨١٧٦)، البزار (١٠٣)، (٥٩٩١)، وقوام السنة في الحجة في بيان المحجة (٤٩٩)، وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (١٨٨٤١) عن شيخ المصنف، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٩٤) من طريق يزيد بن هارون، كلاهما عن جرير بن حازم به. قال الذهبي في العلو (١٦٩): «هذا إسناد صالح فيه انقطاع؛ أبو يزيد لم يلحق عمر». = = قلت: وللأثر طريق أخرى أخرجها البخاري في التاريخ (٧/ ٢٤٥)، قال: قال محمد بن العلاء نا أبو أسامة قال نا عبد الله بن كهف القشيري قال نا أبِي عن ثمامة بن حزن قال، فذكر عن عمر نحوه، وهذا إسناد رجاله ثقات، غير عبد الله بن كهف وأبيه لم نجد أحدًا من أهل العلم تكلم فيهما بجرح أو تعديل وقد ذكرهما ابن حبان في الثقات. وثمة طريق أخرى أخرجها عمر بن شبة في أخبار المدينة (٧٦٠)، من طريق خليد بن دعلج عن قتادة عن عمر، وخليد ضعيف، وقتادة لم يسمع من عمر. قلت: فالأثر بجموع هذه الطرق محتمل للتحسين والله أعلم.
[ ٥٨ ]
(٣٢) حدثنا أحمدُ بنُ يُونَسَ، حدثنا أَبو شِهَابٍ الحَنَّاط، عن الأعمش، عن خَيْثَمَةَ، أَنَّ عبدَ اللهِ قال: «إِنَّ العبدَ لَيَهِمُّ بالأمر من التجارة، أو الإِمارة حَتَّى إذا تَيَسَّر له؛ نَظَرَ اللهُ إليه من فوق سَبْعِ سماوات، فيقولُ للمَلَكِ اصرفْهُ عنه، قال فيصرفه، فَيَتَظَنَّى بحيرته سَبَقَنِي فلان، وما هو إلا الله» (١).
(٣٣) حدثنا موسى بن إِسمَاعِيل، حَدَّثنا حمَّادٌ يعنِي ابن سلمة، عن عَاصِم، عن زِرٍّ، عن ابن مسعود - ﵁ - قال: «ما بَيْنَ السَّماءِ الدنيا والتي تليها مَسِيرة خمسمائة عام، وبين كلِّ سَماءَيْن مسيرة خمسمائة عام، وبين السماء السابعة وبين الكُرْسيِّ خمسمائة عام، وبين الكُرْسيِّ إلى الماءِ خمسمائة عام، والعَرْشُ على الماء، واللهُ تَعَالىَ فَوقَ العَرْشِ، وهو يَعْلَمُ مَا أَنْتُم عَلَيْه» (٢).
(٣٤) حدثنا سَعِيدُ بنُ أَبِي مَرْيَمَ المِصْرِيُّ، أخبرنا يحيَى بنُ أَيُّوبَ، حدثني عمارة بن غَزِيَّةَ، عن قُدَامَةَ بنِ إبراهيمَ بن محمد بنِ حَاطِبٍ، أنه حدثه: «أن عَبدَ اللهِ بنَ رَوَاحَة - ﵁ - وَقَعَ بجاريةٍ له؛ فَقَالتْ لهُ امرأتُهُ فَعَلْتَهَا؟ قال أَمَّا أنا فَأَقْرَأُ
_________________
(١) ضعيف، أخرجه نعيم بن حماد في «زوائده على الزهد لابن المبارك» (١٢٩)، وأبو داود في الزهد (١٨١)، وابن أبي الدنيا في الرضا (٥٧)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١٢١٩)، جميعًا من طريق خيثمة بن عبد الرحمن، قال أحمد: خيثمة لم يسمع من ابن مسعود، فالإسناد منقطع.
(٢) صحيح، أخرجه ابن خزيمة في التوحيد (١/ ٢٤٢ - ٢٤٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٥٨)، وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٦٨٨)،وقال الذهبي في العلو: إسناده صحيح.
[ ٥٩ ]
القُرآن، فقالت: أمَّا أنت فلا تقرأ القرآن، وأنت جُنُب، فقال: أنا أقرأ لَك فقال:
شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌ وأنَّ النَّارَ مَثْوَى الكَافِرِينَا
وأنَّ العَرشَ فَوقَ المَاءِ طَافٍ وفَوقَ العَرشِ رَبُّ العَالَمِينَا
وتَحْملهُ مَلائِكَةٌ كِرَامٌ مَلائِكةُ الإِلَهِ مُسَوِّمِينَا
فَقَالتْ: آَمَنْتُ بِاللهِ وَكَذَّبْتُ البَصَر» (١).
(٣٥) وحدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا جُوَيْرِيَةُ يعني ابن أَسْمَاءَ، قال: سمعت نَافِعًا يقول: قَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: «وايْمُ اللهِ! إِنِّي لأخشَى لو كُنْتُ أُحِبُّ قَتْلَه؛ لَقَتَلْتُ يعني عُثْمَان، ولَكِنْ عَلِمَ اللهُ مِنْ فَوقِ عَرْشِهِ أَنِّي لمْ أُحِبُّ قَتْلَه» (٢).
(٣٦) وحدثنا النُّفَيليُّ، حدثنا زُهَيْرُ بن معاوية، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيْمٍ، حدثني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُلَيْكَةَ، أنه حدثه ذَكْوَانُ حَاجِبُ عَائِشَةَ - ﵂ -، أن ابن عباس؟ دخل على عائشة وهي تموت، فقال لها: «كُنْتِ أَحَبَّ نِسَاءِ رسولِ الله - ﷺ - إلى رسولِ الله - ﷺ -، ولم يكن رسولُ الله - ﷺ - يحب إلا طَيِّبًا، وأنزل الله بَراءَتَكِ مِن فوق سبع سماوات جاء بها الروح الأمين، فأصبح ليس مسجد من مساجد الله تعالى يذكر فيه الله؛ إلا وهي تتلى فيه آناء الليل والنهار» (٣).
_________________
(١) ضعيف؛ قدامة بن إبراهيم لم يدرك ابن رواحة، والقصة أخرجها ابن أبي الدنيا في العيال (٥٧٢)، وابن عساكر في تاريخه (٢٨/ ١١٢، ١١٤، ١١٥)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (١/ ٢٣٨)، وغيرهم، ولم أقف لها على سند متصل.
(٢) إسناده صحيح متصل، وأخرجه نعيم بن حماد في الفتن (٢٠٢)، من طريق مجاهد، عن عائشة.
(٣) أخرجه البخاري (٤٤٧٦)، وأحمد (٢٤٩٦، ٣٢٦٢)، وأبو يعلى (٢٦٤٨)، والطبراني في الكبير (١٠٧٨٣). والنفيلي: هو أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل.
[ ٦٠ ]
(٣٧) حدثنا محمدُ بنُ عِمْرَانَ بنِ أبي لَيْلَى، حدثنا [موسى أبو محمد] (١) من موالي عثمانَ بنِ عَفَّانَ، قال: وكان من خِيَارِ الناسِ، عن خالد بن يزيد بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، قال: خَطَبَ عَليٌ النَّاسَ الخُطْبَةَ التي لم يَخْطُبْ بعدها، فقال: «الحمدُ لله الذي دَنَا في عُلُوِّهِ ونَاءَ في دُنُوِّهِ، لا يَبْلُغُ شَيءٌ مَكَانَهُ، ولا يَمْتَنِعُ عليه شَيْءٌ أَرَادَهُ» (٢).
(٣٨) حدثنا نُعَيْمُ بن حمَّاد، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا سُلَيْمانُ بن المُغِيرة، عن ثَابِت البُنَانِي، حدثنا رجلٌ من أهل الشام -وكان يتبع عبد الله بن عمرو بن العاص ويسمع منه- قال: كنت معه، فَلَقِيَ نَوْفًا، فقال نَوْفٌ: ذُكِرَ لنَا أنَّ الله تَعَالى قال لِمَلائِكَتِهِ: ادعُوُا لي عِبَادي، فقالوا: يا رب كيف والسماوات السبع دونهم، والعرش فوق ذلك؟ قال إنهم إذا قالوا لا إله إلا الله؛ فقد استجابوا لي، قال يقول عبد الله بن عمرو: صلينا مع رسول الله - ﷺ - صلاة المغرب أو قال غيرها -شك سليمان- فقعد رهط أنا فيهم ينتظرون الصلاة الأخرى، فأقبل رسول الله - ﷺ - يُسْرِعُ المَشْيَ كأَنِّي أَنْظُرُ إلى رفعه إزاره كي يكونَ أَخَفَّ له في المشي، فانتهى إلينا فقال:
«ألا أبشروا هذا ربُّكُم أمر بباب في السماء الوسطى، أو قال باب السماء، ففتحه، ففاخر بكم الملائكة، فقال: انظروا إلى عبادي، أَدَّوُا حقًا من حقي، ثم انتظروا أَدَاَءَ حَقٍّ آخر يُؤَدُّونَهُ» (٣).
_________________
(١) كذا في الأصل ولم نقف له على ترجمة، ولعله موسى بن أبي محمد.
(٢) خالد بن يزيد وأبوه وجَدِّهِ، لم أقف على ذكر لهم، والأثر أيضًا لم أجد أحدًا أخرجه غير أبي سعيد الدارمي.
(٣) صحيح؛ رجاله ثقات، أخرجه ابن ماجه (٨٠١)، وأحمد (٦٧٥٠، ٦٧٥٢، ٦٨٦٠)، وابن المبارك في الزهد (٧)، والرجل المبهم، هو أبو أيوب الأزدي واسمه يحيى بن مالك، = = كما جاء مصرحًا به في رواية ابن ماجه وأحمد، ونوف: هو نوف بن فضالة البِكَالي ابن امرأة كعب الأحبار.
[ ٦١ ]
(٣٩) حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعيِلَ، حدثنا أبُو هِلاَلٍ، حدثنا قَتَادَةُ، قال: قَالتْ بَنُو إِسرَائِيل: يا ربُّ أَنْتَ في السَّماءِ ونحنُ في الأرضِ، فَكَيْفَ لنا أنْ نَعْرِفَ رِضَاكَ وَغَضَبَك؟ قال: «إِذَا رَضِيتُ عَنْكُم؛ اسْتَعمَلْتُ عَليْكُم خِيَارَكُم، وإِذَا غَضِبْتُ عَليْكُم؛ استعملتُ عليكم شِرَارَكُم» (١).
(٤٠) حدثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ المِصْريُّ، قال حدثني لَيْثٌ وهو ابن سَعْدٍ، قال حَدَّثَني خَالدُ بْنُ يَزيدَ، عن سعيدِ بْنِ أبي هِلاَلٍ، أنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَم حَدَّثَهُ، عن عطاء بن يسار، قال: أَتَى رَجُلٌ كَعبًا وهو في نَفرٍ، فقال: يا أبا إِسْحَاقَ! حَدِّثْنِي عن الجَبَّار، فَأَعْظَمَ القَوْمُ قولَهُ، فَقَالَ كَعْبٌ: دَعُوا الرَّجُلَ فإِنْ كَانَ جَاهِلًا تَعَلَّم، وإن كَانَ عَالمًا ازداد عِلْمًا، ثم قال كَعْبٌ:
«أُخْبِرُكَ أنَّ اللهَ خَلَقَ سبع سماوات، ومن الأرض مثلهن، ثم جعل ما بين كلِّ سماءين كما بين السماءِ الدُّنيَا والأرض، وكثفهن مثل ذلك، ثم رفع العرش، فاستوى عليه فما في السماوات سماءٌ إِلاَّ لها أَطِيْطٌ كَأطِيطِ الرَّحْلِ العلافي أول ما يرتحل، من ثِقَلِ الجبَّارِ فَوْقَهُنَّ» (٢).
_________________
(١) إسناده حسن؛ وقال الذهبي في العلو (٣٣٦): «هذا ثابت عن قتادة».
(٢) إسناده حسن، أخرجه أبو الشيخ في كتاب العظمة (٢/ ٦١٠)، من طريق أبي صالح به. قال الذهبي في العلو (٣١٦) بعد ذكره لهذا الأثر: «وذكر كلمة منكرة لا تسوغ لنا، والإسناد نظيف، وأبو صالح لينوه وما هو بمتهم، بل سيء الإتقان». قلت: يعني بالكلمة المنكرة، قوله «من ثقل الجبار فوقهن».قلت: لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (٣/ ٢٦٨): «وهذا الأثر وإن كان هو رواية كعب، فيحتمل أن يكون من علوم أهل الكتاب، ويحتمل أن يكون مما تلقاه عن الصحابة، ورواية أهل الكتاب التي ليس عندنا شاهد هو لا يدافعها ولا يصدقها ولا يكذبها، فهؤلاء الأئمة المذكورة في إسناده هُمْ مِن = = أَجَلِّ الأئمة، وقد حَدَّثُوا به، هُمْ وغَيْرُهُم ولم يُنْكِرُوا ما فيه من قوله مِن ثِقَلِ الجَبَّار فَوقَهُن، فلو كان هذا القول مُنْكَرًا في دين الإسلام عندهم؛ لم يحدثوا به على هذا الوجه». والله أعلم.
[ ٦٢ ]
(٤١) حدثنا عبدُ اللهِ بنُ صَالِحٍ، حدثني الليثُ، قال حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شِهَابٍ، قال أخبرنِي سَالِمُ بنُ عبدِ اللهِ، أَنَّ كَعْبَ الأَحْبَارِ قَالَ لِعُمَرَ - ﵁ -: «وَيْلٌ لِسُلطانِ الأرضِ من سلطانِ السَّماءِ، قال عُمَرُ: إلا مَنْ حَاسَبَ نفسَهُ، فقال كعبٌ: إلا من حاسب نفسه، وكَبَّرَ عُمَرُ وَخَرَّ سَاجِدًا» (١).
(٤٢) حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحِمَّانَي، حدثنا أبي، عن نَضْرٍ أبي عمر الخَزَّاز، عن عِكْرمة، عن ابن عباس قال:
«سَيِّد السماوات السماء التي فيها العرش، وسيد الأرضين التي نحن عليها، وسَيِّد الشَّجَرِ العَوْسَج، ومنه عصا موسى» (٢).
(٤٣) حدثنا القَعْنَبِي، حدثنا ثابت بن قيس أبو الغُصْن، عن أبي سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن أسامة بن زيد؟ قال: قُلتُ يا رسول الله رَأَيتُكَ تصومُ مِنَ الشَّهرِ شيئًا ما لا تَصُومُهُ مِنَ الشُّهورِ أَكْثَر إلا رمضان، قال:
«أَيُّ شَهْرٍ؟ قُلتُ شَعبان، قال: هو شَهْرٌ تُرْفَعُ فيِهِ الأعمالُ إِلى رَبِّ العالمين؛ فَأُحِبُّ أن يُرْفَعَ عَمَلي وأنا صَائِمٌ» (٣).
_________________
(١) صحيح، أخرجه الخرائطي في فضيلة الشكر (٦٧)، من طريق عبد الله بن صالح ويحيى بن عبد الله بن بكير، كلاهما عن الليث، به، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٨٩)، من طريق سعيد بن أبي هلال، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٣٩٣)، من طريق مالك، كلاهما سعيد ومالك، عن كعب، وكلا الطريقين مرسل، فكلاهما لم يدرك كعبا.
(٢) منكر؛ يحيى الحماني متهم، وأبوه ضعيف، وشيخ أبيه متروك الحديث.
(٣) ضعيف، أخرجه أحمد (٢٢٠٩٦، ٢٢١٣٤)، والنسائي (٤/ ٢٠١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٩٨٥٨)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٩٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٥٤٠، ٣٥٤١)، وغيرهم وقال البيهقي: تفرد به هذا الغفاري وهو أبو الغصن ثابت بن قيس.= = قلت: ومداره على ثابت بن قيس أبي الغصن؛ اختلف النقاد في الحكم عليه، وأَعْتمِدُ فيه قول أبي أحمد بن عدي، فقال في الكامل: «هو ممن يكتب حديثه»، قلت: فمثله يحتاج إلى من يتابعه، وقال ابن حبان في المجروحين (١/ ٢٠٦): «كان قليل الحديث، كثير الوهم فيما يرويه، لا يحتجُّ بخبره إذا لم يتابعه غيره عليه» وقد تفرد بروايته كما ذكرنا، فالحديث يترجح لدي ضعفه والله أعلم. قلت: والعجب كل العجب من محقق المطبوعة؛ فقد صححه، ولست أعجب من تصحيحه إياه فقد ذكرت أن مداره على ثابت بن قيس، وقد اختلف النقاد في الحكم عليه، فتصحيح هذه الرواية أو تضعيفها إنما يرجع إلى الاجتهاد والنظر، والخلاف في هذا مستساغ. إنما العجب أن المحقق الفاضل قد اتفق معي تماما في تضعيف ثابت بن قيس فقال: «وفي الإسناد ذاته ثابت بن قيس، وفيه مقال كما في ترجمته من التهذيب» انتهى كلامه. قلت: فأنى لك تصحيحه؟ وهنا يأتي العجب، فقد قال المحقق الفاضل بعد كلامه السابق مباشرة: «لكن تابعه عليه إسماعيل بن أبي أويس عند البيهقي في الشعب». قلت: أيستقيم أن يقول البيهقي تفرد به كما ذكرنا آنفا، ثم يأتي له بمتابع؟! إنما تابع ابنُ أبي أويس زيدَ بن الحباب في روايته عن ثابت، ولم يتابع ثابتا بالطبع، فقد ذكر البيهقي تفرد ثابت قبل سطر من ذكره لمتابعة ابن أبي أويس، وإنما نشأ هذا عن عدم فهم سياق كلام البيهقي ﵀، فقد قال البيهقي ﵀: «رواه عنه أيضا ابن أبي أويس عن أبي سعيد المقبري إلخ»، فضمير الهاء في قوله عنه يعود على ثابت بن قيس، فيكون معنى الكلام، فرواه ابنُ أبي أويس عن ثابت بنِ قيس عن أبي سعيدٍ المقبري.
[ ٦٣ ]
(٤٤) حدثنا عُثمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ، حدثنا جَرِيرٌ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:
«إِنَّ للهِ مَلائِكَةٌ يَتَعاقَبُونَ فِيْكُم، فإذا كانت صلاةُ الفَجْرِ نَزَلتْ ملائكةُ النهارِ فَشَهِدوا مَعَكُم الصلاةَ، وَصعَدتْ ملائكةُ الليلِ ومَكَثَتْ فيكم مَلائِكةُ النَّهارِ، فَيَسْأَلُهُم رَبُّهُم وهو أعلمُ بهم، ما تَركْتُم عِبادِي يَصْنَعُونَ؟ فَيقولونَ: جِئْنَاهُم وهم يُصَلُّون وتركناهم وهم يُصَلُّون، فإذا كانت صلاةُ العصرِ، نَزَلتْ ملائكةُ الَّليلِ فَشَهِدوا مَعَكُم الصلاة، ثم صَعَدتْ مَلائكةُ النَّهارِ ومَكَثَتْ مَعَكُم مَلائِكةُ الليلِ، قال: فَيَسْأَلُهُم ربهم وهو أعلم بهم فيقول: ما تركتم عبادي
[ ٦٤ ]
يصنعون؟ قال فيقولون: جئناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون، قال فَحَسِبْتُهُ أَنَّهُ قال: فَأَغْفِرُ لهم يومَ الدِّينِ» (١).
(٤٥) حدثنا سُلَيْمانُ بن حَرْبٍ، حدثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عن عَاصِم، عَنْ زِرٍّ قَالَ: «أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بنَ اليَمَان؟ فَقُلْتُ: أَخبرنِي عن صَلاةِ رسولِ اللهِ - ﷺ - في بيتِ المَقْدِسِ لَيْلةَ أُسْرِيَ به، قال: مَا يُخْبِرُكَ ذَاكَ؟ قُلتُ القُرآن، فقرأت: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى (١)﴾ -قال هكذا هو في قراءة عبد الله (٢) - قال هل تَراهُ صَلَّى فيه يا أَصْلَع؟ قلتُ لا، قال فإنه أتاه بِدَابَّةٍ، فَوَصَفَهَا عَاصِمٌ بِحِمَارٍ، فحمله عليها، أحدهما رَدِيِفُ صاحبِهِ، ثم انطلقا، فَأُرِيَ ما في السماوات، وَأُرِيَ، ثم عادَا عَوْدُهُما على بَدْئِهِمَا، فَلمْ يُصَلْ فِيهِ، ولو صلَّى فيه؛ لكَانَت سُنَّةٌ» (٣).
_________________
(١) صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين. والحديث أخرجه البخاري (٥٥٥، ٧٤٢٩، ٧٤٨٦)، ومسلم (٦٣٢)، والنسائي (١/ ٢٦٠)، وأحمد (٩١٥١)، وابن حبان (٢٠٦١)، وغيرهم، من طرق عن أبي هريرة، به.
(٢) يشير هنا إلى أن قراءة عبد الله بن مسعود ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ مِنَ اللَّيْلِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى (١)﴾ وينظر تفسير ابن جرير الطبري (١٧/ ٣٣٠)، لكنه ذكرها في الأصل كما أثبتناها، وجميع مصادر التخريج كذلك، وفقا لقراءة عاصم.
(٣) حسن، أخرجه أحمد (٢٣٢٨٤ مطولا، ٢٣٣٢٠)، والترمذي (٣١٤٧) وقال: حسن صحيح، والطيالسي (٤١١)، والحميدي (٤٤٨)، والحاكم (٢/ ٣٥٩) والطبري (١٧/ ٣٤٩)، وفي تهذيب الآثار (مسند ابن عباس ٧٣٠، ٧٣١)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٦٤)، وغيرهم. جميعًا من طرق عن عاصم هو ابن أبي النجود، به، وحديثه حسن. قال البيهقي في الدلائل بعد روايته لهذا الأثر: «وكان حذيفة لم يسمع صلاته في بيت المقدس، وقد روينا في الحديث الثابت عن أبي هريرة وغيره أنه صلى فيه، وأما الربط فقد رويناه أيضا في حديث غيره، والبراق دابة مخلوقة، وربط الدواب عادة معهودة، وإن كان الله - ﷿ - لقادر على حفظها، والخبر المثبت أولى من النافي، وبالله التوفيق».
[ ٦٥ ]
(٤٦) حدثنا عَمْرُو بنُ خَالِدٍ الحَرَّانِيُّ، حدثنا ابنُ لَهِيعَةَ، عن بكر بن سَوَادَةَ، عن أبي تميمٍ الجَيْشَانِيِّ، عن أبي ذَرٍّ - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال:
«إِذَا مَكَثَ المَنَيُّ في الرَّحِمِ أربعين ليلة، أتاه مَلَكُ النُّفُوسِ، فَعَرَجَ بِه إلى الربِّ في راحَتِهِ فيقول أي [رب: عَبْدُكَ هذا ذَكرٌ أم أُنْثَى؟ فَيَقْضِي اللهُ إليه ما هو قَاض، ثم يقول أي رب:] (١) أشقي أم سعيد؟ فَيَكْتُبُ بين عينيه ما هو لاقٍ، قَالَ وتلا أبو ذَرٍّ من فاتحة التَّغَابُنِ خَمْسَ آيات» (٢).
قال أبو سعيد ﵀: وإلى مَنْ يَعْرُجُ المَلَكُ بالمَنِيِّ، والله بِزَعْمِكُم الكاذب في رَحِمِ المرأةِ وَجَوْفِهَا مَعَ المَنِىِّ؟!
(٤٧) وحدثنا عُثْمَانُ بن أبي شيبة، حدثنا جَرِيرٌ، عن الأعْمَشِ، عن عمرو بن مُرَّةَ، عن أبي عُبَيْدَةَ، عن أبي مُوسى - ﵁ - قال: قام فِيَنا رسول الله - ﷺ - بأربع كلمات فقال: «إِنَّ اللهَ لا يَنَامُ، ولا ينبغِي له أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ القِسْطَ
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل وأثبتناه من مصادر التخريج.
(٢) ضعيف الإسناد؛ أخرجه ابن وهب في القدر (٣٦)، والفريابي في القدر (١٠٢) موقوفًا، والطبري في التفسير (٢٣/ ٤١٦) موقوفًا، وابن بطة في الإبانة (١٤١٧) موقوفًا، جميعًا من حديث ابن لهيعة، به. وهذا إسناد ضعيف لأجل ابن لهيعة، فهو في نفسه ضعيف وإن روى عنه مثل ابن وهب، قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ١٤٧): «سُئِل أبو زرعة عن ابن لهيعة، سماع القدماء منه؟ فقال آخره وأوله سواء إلا أن ابن المبارك وابن وهب كانا يتتبعان أصوله فيكتبان منه، وهؤلاء الباقون كانوا يأخذون من الشيخ، وكان بن لهيعة لا يضبط، وليس ممن يحتج بحديثه»، وقد قال الذهبي: العمل على تضعيف حديثه، وقد ذكر هذا الحديث الشوكاني في الفوائد المجموعة (ص ٤٥١)، وقال العلامة المعلمي اليماني: «وفي سنده ابن لهيعة، والمستنكر منه قوله «فيعرج به إلى الجبار» فقط، ومعناه بدونها ثابت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود بدون تعرض للآية».
[ ٦٦ ]
وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِليهِ عَمَلُ الليلِ قَبْلَ النَّهارِ، وعملُ النهار قبلَ الليل حِجَابُهُ النُّورُ، لو كَشَفَهَا (١)؛ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كلَّ شيءٍ أَدْرَكَه بَصَرُهُ» (٢).
قال أبو سعيد ﵀: فإِلى مَنْ تُرْفَعُ الأعمالُ والله بِزعمِكُم الكاذِب مع العامل بنفسه، في بيته ومسجده ومنقلبه ومثواه؟! تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
والأحاديثُ عن رسول الله - ﷺ -، وعن أصحابه، والتابعين فمَنْ بعدَهُم في هذا؛ أكثر من أن يُحْصِيَها كِتَابُنَا هذا، غير أنَّا قد اختصرنا من ذلك ما يَسْتَدِلُّ به أُولوا الألبابِ، أَنَّ الأمةَ كُلَّهَا، والأُمَمَ السَّالِفة قبلها؛ لم يكونوا يشكوا (٣) في معرفة الله تعالى، أنه فوق السماء بَاِئنٌ من خلقه غيرَ هذه العصابةِ الزَّائغَةِ عنِ الحقِّ المخالفة للكتاب، وآثاراتِ العلمِ كُلِّهَا، حتى لقد عَرَفَ ذلك كثيرٌ من كفارِ الأُممِ وفَرَاعِنَتُهُم، قال فرعون: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى ﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] واتَّخَذَ فِرعونُ إِبراهِيمَ النُّسُورَ والتَّابوتَ، يَرُومُونَ الاطلاع إلى الله تعالى في السماء، وذلك لِمَا أَنَّ الأنبياءَ - ﵈ - كانوا يَدعُونهُم إلى الله بذلك، وقالت بنو
_________________
(١) كذا في الأصل، وقد غيرها محقق المطبوعة إلى «كشفه» وما في الأصل موافق لما في ابن ماجه وأبي يعلى والطيالسي، فلا أدري ما وجه التغيير.
(٢) صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح وأخرجه مسلم (١٧٩)، وابن ماجه (١٩٥، ١٩٦)، وأحمد (١٩٥٨٧، ١٩٦٣٢)، وابن حبان (٢٦٦)، وأبو يعلى (٧٢٦٢)، والطيالسي (٤٩٣)، وغيرهم من طرق عن عمرو بن مرة، به. وفي بعض طرقه «حجابه النار».
(٣) قياس الكلام يشكون، وما في المتن صحيح يتوجه على حذف النون تخفيفًا، وهو كثير له نظائر في صحيح البخاري وغيره. ينظر شواهد التوضيح لابن مالك (ص ١٧٣) وفتح الباري وحاشية السندي على ابن ماجه.
[ ٦٧ ]
إسرائيل يا رب! أنت في السماء، ونحن في الأرض، وأشباه هذا كثير، يطول إن ذكرناها.
وظَاهِرُ القرآنِ وباطِنُهُ كُلُّه يَدُلُّ على ذلك، لا لبس فيه ولا تأول، إلا لِمُتَأَوِّلٍ جَاحِدٍ، يُكَابِرُ الحُجَّةَ وهو يَعْلَمُ أَنَّهَا عَلَيْهِ.
قال الله ﵎: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ (١)﴾ [الكهف: ١]، وقوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ (٤)﴾ [آل عمران: ٣ - ٤]، وقوله: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ [فصلت: ١ - ٢]، ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤٢]، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: ١]، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]، ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [النور: ١].
وما أشبه هذا في كتاب الله كثير، كل ذلك دليلٌ على أن الله - ﷿ - أنزله من السماء من عنده، ولو كان على ما يَدَّعِي هؤلاء الزائغة؛ أنه تحت الأرض وفوقها كما هو على العرش فوق السماء السابعة، لقال جل ذكره في بعض الآيات: إنا أطلعناه إليك، ورفعناه إليك، وما أشبهه.
وقال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] و﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ [الشعراء: ١٩٣] و﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] ولم يقل، ما نخرج من تحت الأرض، ولا يصعد منها.
قال أبو سعيد ﵀: فظاهرُ القرآنِ وباطِنُهُ يدل على ما وصفنا من ذلك، نستغني فيه بالتنزيل عن التفسير، ويعرفه العامة والخاصة، فليس منه
[ ٦٨ ]
لمتأول تأول، إلا لمُكَذِّبٍ به في نفسه، مستتر بالتأويل.
وَيْلَكُم! إِجمَاعٌ من الصحابة والتابعين، وجميع الأمة من تفسير القرآن والفرائض والحدود والأحكام، نزلت آيةُ كذا في كذا، ونزلت آيةُ كذا في كذا، ونزلت سورةُ كذا في مكان كذا، لا نسمع أحدًا يقول طَلَعَتْ من تحت الأرض، ولا جاءت من أمام ولا من خلف، ولكن كله نزلت من فوق.
وما يصنع بالتنزيل من هو بنفسه في كل مكان، إنما يكون شبه مناولة لا تنزيلا من فوق السماء مع جبريل، إذ يقول ﷾ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]، والرب بزعمكم الكاذب في البيت معه، وجبريل يأتيه من خارج، هذا واضح ولكنكم تغالطون فمن لم يقصد بإيمانه وعبادته إلى الله الذي استوى على العرش فوق سماواته وبان من خلقه؛ فإنما يعبد غير الله ولا يدري أين الله.
(٤٨) حدثنا مَهْدِيُّ بنُ جَعْفَر الرَّمْلِي، حدثنا جَعْفَرُ بنُ عبدِ اللهِ، وكان من أهلِ الحديثِ ثِقَةٌ، عن رَجُلٍ قد سَمَّاهُ لي، قال: جاء رجلٌ إِلى مَالِكِ بنِ أَنَسٍ فقال: يا أبا عبد الله! الرَّحمنُ على العَرْشِ اسْتَوى، كيف استوى؟ قال: فما رأينا مَالِكًا وَجَدَ من شيء، كَوْجْدِهِ من مقالته، وعلاه الرَّحْضَاءُ وأَطْرَقَ، وجعلنا ننتظر ما يأمر به فيه، قال: ثم سُرِّيَ عن مالك، فقال: «الكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، والاستواءُ منه غَيْرُ مَجْهُولٍ، والإيمانُ بِهِ وَاجِبٌ، والسؤالُ عنه بدعة، وإني لأخاف أن تَكونَ ضَالًّا» ثم أَمَر به فَأُخْرِج (١).
_________________
(١) صحيح، وله طرق أخرى عن مالك، أخرجها البيهقي في الأسماء والصفات (٨٧٣، ٨٧٤)، وابن المقرئ في معجمه (١٠٠٣)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان = = (٣٨٤)، وغيرهم وقد صحح هذا الأثر الذهبي في العلو (٣٧٧)، وفي تذكرة الحفاظ (١/ ١٥٥)، وجود إسناده البيهقي في الأسماء والصفات، والحافظ في الفتح (١٣/ ٤١٧).
[ ٦٩ ]
قال أبو سعيد ﵀: وصَدَقَ مالكٌ؛ لا يُعْقَلُ منه كيف ولا يُجْهَلُ منه الاستواء، والقرآن ينطق ببعض ذلك في غير آية، فهذه الأشياء التي اقتصصنا في هذا الباب، قد خَلُصَ عِلْمُ كثيرٍ منها إلى النساء والصبيان، ونطق بكثير منها كتابُ اللهِ تعالى، وصَدَّقَتهُ الآثارُ عن رسول الله - ﷺ - وعن أصحابه والتابعين، وليس هذا من العلم الذي يشكل على أحد من العامة والخاصة، إلا على هذه العصابة الملحدة في آيات الله.
لم يزل العُلماءُ يَرْوُون هَذِهِ الآثارَ، ويَتَنَاسَخُونَها، ويصدقون بها على ما جاءت، حتى ظهرت هذه العصابة؛ فكذبوا بها أجمع، وجَهَّلُوهُم وخالفوا أَمْرَهُم، خالف الله بهم!
ثم ما قد رُوِيَ في قبضِ الأرواحِ وصُعُودِ الملائكةِ بها إلى الله تعالى من السماء، وما ذكرَ رسولُ الله - ﷺ - من قصته حين أُسْرِيَ به، فَعُرِجَ به إلى سماءٍ بعد سماء، حتى انْتُهِيَ به إلى السِّدرةِ المنتهى التي ينتهي إليها عِلمُ الخلائِق فوقَ سبعِ سماوات، ولو كان في كل مكان كما يزعم هؤلاء، ما كان للإسراء والبُرَاق والمِعْراجِ إذًا من معنى، وإلى من يُعْرَجُ به إلى السماء وهو بزعمكم الكاذب معه في بيته في الأرض ليس بينه وبينه ستر؟! تبارك اسمه وتعالى عما تصفون.
(٤٩) حدثنا عبد الله بن صالح المصري، قال: حدثني الليثُ يعني ابن سعد، قال: حدثني يُونُس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: كان أبو ذَرٍّ - ﵁ - يحدث، أن رسول الله - ﷺ - قال:
«فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وأنا بمكة، فَنَزلَ جِبْرِيلُ فَعَرَجَ بِي إلى السماء الدنيا، فلمَّا
[ ٧٠ ]
جِئْنَا السماءَ الدُّنيا قال جِبْريلُ لخازن سماء الدنيا: افتح، قال من هذا؟ قال هذا جِبْريل، قال هل معك أحد؟ قال نعم، معي محمدٌ، قال أُرْسِلَ إليه؟ قال نعم، قال فافتتح، فلمَّا عَلَوْنَا السماءَ الدنيا وساق الحديث إلى قوله: قال أنس: فذكر أنه وَجَدَ في السماوات آدمَ وإدريسَ وموسى وعيسى وإبراهيم».
قال ابنُ شِهابٍ: وأخبرني ابنُ حَزْمٍ أن ابن عباس، وأبا حَبَّةَ الأنصاري؟يقولان: قال رسول الله - ﷺ -: ثم عُرِجَ بِي حتَّى ظَهَرْتُ لمستوى أَسْمَعُ صَرِيفَ الأقلامِ، قال: ثم انطلق بي حتى [انْتُهِيَ بِي إلى] (١) سِدْرَةِ المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي (٢).
(٥٠) حدثنا أحمد بن صالح، عن ابن وهب، عن يونس، بإسناده نحو معناه (٣).
(٥١) حدثنا عبد الله بن أبي شيبة أبو بكر، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن زَاذَانَ، عن البَرَاءِ - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال:
«إِنَّ العَبْدَ المؤمنَ إذا كَانَ في انقِطَاعٍ من الدُّنيا وإِقبالٍ من الآخرةِ؛ أَنْزَلَ اللهُ إِليه مِنَ السَّماءِ مَلائِكَة وساق الحديث قال: فَيَخرُجُ رُوحُهُ فَيَصْعَدُونَ به حتى ينتهوا به إلى السماءِ، فيستفتح فيفتح له، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله - ﷿ -: اكتبوا كِتابَ عبدي في عِلِّيين في السَّماءِ السَّابِعَةِ وأعيدوه إلى الأرض فإنِّي منها خَلَقْتُهُم، وفيها أُعِيدُهُم، ومنها أُخْرِجُهُم تارةً أُخرى، وأمَّا
_________________
(١) في الأصل بياض بمقدار كلمة وما أثبتناه من مصادر التخريج.
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٩، ٣٣٤٢)، ومسلم (١٦٣)، وابن حبان (٧٤٠٦)، وغيرهم من حديث يونس بن يزيد عن ابن شهاب الزهري، به.
(٣) أخرجه مسلم (١٦٣)، عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، به.
[ ٧١ ]
الكافر، قال ينتهى به إلى السماء الدنيا فيستفتحون فلا يفتح له ثم قرأ ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ الآية [الأعراف: ٤٠] قال: اكتبُوا كتاب عَبْدِي في سِجِّين في الأرض السُّفلى، وأعيدوه إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فَيُطْرَحُ طرحًا، وساق الحديث بطوله كما ساق» (١).
قال أبو سعيد: ففي قوله ﵎: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، دلالةٌ ظاهرةٌ أن الله - ﷿ - فوق السماء؛ لأن أبواب السماء إنما تُفَتَّحُ لأرواحِ المؤمنين، ولرفع أعمالهم إلى الله - ﷿ - منها، ولما سوى ذلك مما يشاء الله تعالى، فإذا كان من الميت والعامل بنفسه في الأرض، فإلى من يُعْرَجُ بأرواحهم وأعمالهم؟ ولِم تُفَتَّحُ أبوابُ السماءِ لقوم، وتغلق عن آخرين إذا كان الله بزعمهم في الأرض؟ وما منزلة قول الله - ﷿ - عندهم إذ ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾.
فَمَنْ آمن بهذا القرآن الذي احتججنا منه بهذه الآيات، وصَدَّقَ هذا الرسولَ الذي رَوَيْنَا عنه هذه الروايات؛ لَزِمَهُ الإقرار بأن الله بكماله فوق عَرشِهِ فوق سماواته، وإلا فليحتمل قرآنا غير هذا، فإنه غير مؤمن بهذا.
ومما يُحَقِّقُ قَولَنَا، ويُبْطِلُ دَعْوَاهُم؛ احتجابُ الله - ﷿ - من الخلق فوق السموات العلى.
* * *
_________________
(١) صحيح؛ أخرجه أبو داود (٤٧٥٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٢١٨٥)، وأحمد (١٨٥٣٤)، والطيالسي (٧٨٩)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٧) وصححه، وغيرهم من حديث الأعمش، به.
[ ٧٢ ]