قال أبو سعيد: فالله المُتَكَلِّمُ أَوْلًا وآَخِرًا، لم يَزَلْ لَهُ الكَلامُ إِذْ لا مُتَكَلِّمٌ غَيْرُهُ، ولا يَزَالُ له الكَلاَمُ إِذْ لاَ يَبْقَى مُتَكَلِّمٌ غَيْرُهُ.
فيقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] أنا المَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأرضِ؟ فلا يُنكِرُ كلامَ اللهِ - ﷿ - إلا مَنْ يُرِيدُ إِبْطَالَ مَا أَنْزَلَ اللهُ - ﷿ -، وكيف يعجز عن الكلام من عَلَّمَ العِبَادَ الكَلامَ، وأَنْطَقَ الأَنَام؟!
قال الله في كتابه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤] فهذا لا يحتمل تأويلا غير نفس الكلام، وقال لموسى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤].
وقال: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [البقرة: ٧٥].
وقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥].
وقال: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٤].
وقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥].
وقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦].وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾ [الصافات: ١٧١]، وقال: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٣٧].
قال عُبَيدُ بنُ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ في تفسيرها قال: قال آدم لربه وذكر خطيئته: رَبِّ أَشَيءٌ كَتَبْتَهُ عليَّ قَبْلَ أن تخلُقَنِي، أَمْ شيءٌ ابْتَدَعْتُهُ؟ فقال: بل شيءٌ كَتَبْتُهُ عَلَيْكَ قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَكَ، قال: فكما كَتَبْتَهُ عليَّ، فَاغْفِرْهُ لي، قال: فَهَؤُلاءِ الكَلِمات التِي قال الله - ﷿ - ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧].
[ ١٤٠ ]
(١٣٤) حدثناه محمدُ بنُ كَثِير، أخبرنا سُفْيَانُ يعني الثَّوْرِي، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيْعٍ قال: حدثني مَنْ سمع عُبَيْدَ بنَ عُمَيْرٍ يقوله (١).
قال أبو سعيد: فَسُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عن آدم؟ فقال: كان نبيًا مُكَلَّمًا (٢).
وقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠] وقال: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٨].
وقال لقوم موسى حين اتخذوا العجل، فقال: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾ [طه: ٨٩]، وقال: ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨)﴾ [الأعراف: ١٤٨].
قال أبو سعيد: ففي كل ما ذكرنا؛ تحقيقُ كلامِ الله وتثبيته نصًّا بِلا تأويلٍ، ففيما عاب الله به العجل في عجزه عن القول والكلام؛ بيانٌ بَيِّنٌ أن الله - ﷿ - غير عاجزٍ عنه، وأنه مُتَكَلِّمٌ وقَائِلٌ؛ لأنه لم يكن يَعِيبُ العِجْلَ بشيءٍ هو موجود به.
وقال إبراهيم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾ [الأنبياء: ٦٣] الآية إلى قوله ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ [الأنبياء: ٦٧]، فلم يعب إبراهيمُ أَصْنَامَهُم، وآلهَتَهُم التِي يَعْبُدُونَ بِالعَجْزِ عن الكلام، إِلاَّ وأَنَّ إِلَهَهُ مُتَكَلِّمٌ قَائِلٌ.
_________________
(١) ضعيف، أخرجه الطبري في التفسير (٧٨١)، وابن أبي حاتم في التفسير (٤٠٩)، وابن عساكر في التاريخ (٧/ ٤٣٤)، وغيرهم، من طريق الثوري، به، واختلف عنه، فرواه محمد بن كثير، وابن مهدي، ووكيع، عنه، عن عبد العزيز بن رفيع، عن من سمع عبيد، عن عبيد، به، ورواه مؤمل بن إسماعيل، عنه، عن عبد العزيز بن رفيع، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، به، وقد خطَّأ أبو زرعة مؤملا في هذا الحديث، ورجح الرواية التي فيها الرجل المبهم، كما في العلل لابن أبي حاتم (١٧٥٤)، وعليه فهذا إسناد ضعيف لإبهام الراوي عن عبيد بن عمير.
(٢) سيأتي هذا المتن مسندًا برقم (١٤٨).
[ ١٤١ ]
ففيما ذكرنا من ذلك بيانٌ بَيِّنٌ لمن آمن بكتاب الله، وصَدَّقَ بما أَنْزَلَ الله، وقال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩] وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧].
وصَدَقَ، وبَلَّغَ رسولُ اللهِ - ﷺ -، لو جُمِعَ مِيَاهُ بُحُورِ السَّمَاواتِ والأَرْضِ، وعُيُونِها، وقُطِّعَتْ أَشْجَارُهَا أَقْلامًا، لَنَفِدَتْ المياهُ وانْكَسَرَتِ الأَقْلامُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ اللهِ؛ لأن المِيَاهَ والأَشْجَارَ مَخْلُوقَةٌ، وقد كَتَبَ اللهُ عَلَيْهَا الفَنَاءَ عند [انتهاءِ] (١) مُدَّتِهَا.
واللهُ حيٌّ لا يموت، ولا يفنَى كلامُهُ، ولا يَزَالُ مُتَكَلِّمًا بعد الخَلْقِ كما لم يَزَلْ مُتَكَلِّمًا قَبْلَهُم، فلا يُنْفِدُ المَخْلُوقُ الفَانِي كَلامَ الخَالِقِ البَاقِي الذي لا انقطاع له في الدنيا والآخرة.
ولو كان على ما يذهب إليه هؤلاء الجهمية، أنه كلامٌ مخلوقٌ أُضِيفَ إلى الله، وأن الله - ﷿ - لم يَتَكَلَّمْ بِشَيءٍ قَط، ولا يتكلم بشيء قط، ولا يتكلم، لَنَفِدَ كُلُّ مخلوقٍ من الكلام قبل أن يَنفدَ ماءُ بحرٍ واحدٍ مِنَ البُحُورِ؛ لأنه لو جُمِعَ كَلاَمُ خَلْقِ اللهِ كُلِّهِم من الجنِّ والإِنْسِ والملائكةِ والطَّيرِ والبَهَائِمِ كُلِّهَا، وجَمِيعُ أَعْمَالِهِم، لِكَتْبٍ بماءِ بحرٍ واحدٍ من البحور، لكُتِب كلُّ ذلك ونِفدَ (٢) قبل أن يَنْفَدَ ماءُ بحرٍ واحِدٍ، ولا عُشْرُ عُشْرِ بَحْرٍ واحدٍ، ولكِنَّهُ كلامٌ لا انقطاع له، فلا يَنْفَدُ ما يَفْنَى (٣)، ويَنْقَطِعُ مَا يَبْقَى!
_________________
(١) زيادة ليست في الأصل يقتضيها السياق.
(٢) أي الكلام، والأعمال.
(٣) في المطبوعة «فلا ينفد ما لا يفنى» بزيادة «لا» وبها ليس للكلام معنى، ويبدو أن الذي= =قابل المخطوط لم يلتفت إلى أن الناسخ قد ضرب عليها، فأثبتها دون أن يفقهها.
[ ١٤٢ ]
ثم الأحاديثُ عن رسولِ اللهِ - ﷺ - وأصحابِهِ والتَّابِعينَ فَمَنْ بَعْدَهُم جَمَّةٌ كثيرةٌ مُتَظَاهِرَةٌ بتحقيقِ كلامِ الله وتثبيته، وسنأتي منها ببعض ما حَضَرَ إن شاء الله.
(١٣٥) حدثنا محمد بن كَثِيرٍ العَبْدِيُّ، أخبرنا إِسْرِائِيلُ، عن عُثمانَ بن المُغِيرَةِ، عن سالمِ بنِ أبي الجَعْدِ، عن جابر بن عبد الله؟ قال: كان رسول الله - ﷺ - يَعْرِضُ نَفْسَهُ على النَّاسِ بِالمَوقِفِ فيقول: «ألا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَومِهِ، فإنَّ قُرَيْشًا قد مَنعُونِي أنْ أُبَلِّغَ كَلِماتِ ربِّي» (١).
(١٣٦) حدثنا شِهَابُ بنُ عَبَّادٍ الكوفيُّ، حدثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني (٢) عن عمرو بن قَيْسٍ، عن عَطِيَّةَ، عن أبِي سعيدٍ الخُدْرِيِّ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:
«مَنْ شَغَلَهُ قِرَاءَةُ القُرآنِ عن ذِكْرِي ومَسْأَلَتِي؛ أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلينَ، وفَضْلُ كلامِ اللهِ على سَائِرِ الكَلاَمِ، كَفَضْلِ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ» (٣).
_________________
(١) صحيح، أخرجه أبو داود (٤٧٣٦)، والترمذي (٢٩٢٥)، وأحمد (١٥١٩٢)، والنسائي في الكبرى (٧٦٨٠)، والدارمي (٣٣٥٤)، وغيرهم، من طريق إسرائيل بن يونس، به، وهذا إسناد صحيح؛ رجاله ثقات.
(٢) في الأصل «محمد بن أبي الحسن أبي يزيد الهمداني» وهو خطأ.
(٣) ضعيف جدًا، أخرجه الترمذي (٢٩٢٦)، والدارمي (٣٣٥٦)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٠٦)، وغيرهم، من طريق محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، به، وهذا إسناد ضعيف جدًا؛ محمد بن الحسن ضعفه غير واحد من أهل العلم وقال النسائي: متروك الحديث، وعطية، هو ابن سعد العوفي، ضعيف، ضعفه أحمد وغيره، وقد سئل أبو حاتم الرازي عن هذا الحديث؟ فقال: منكر، وأعله بمحمد بن الحسن الهمداني، كما في العلل لابن أبي حاتم (١٧٣٨)، وقد حسنه الترمذي، فرد عليه الذهبي في الميزان (٧٣٨٢) قائلا: «حسنه الترمذي فلم يحسن». = = قلت: قال الترمذي «حسن غريب» فهل عني بالحسن هنا، الحسن الاصطلاحي؟!. وقد أطال محقق المطبوعة الكلام على هذا الحديث، وكان من جملة كلامه أن أعله بتدليس عطية العوفي، حيث نعته الحافظ بالتدليس. فقال المحقق: وقد عنعن في هذا الإسناد. قلت: أما تدليس عطية فلا يضرنا هنا، فقد قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرحه لعلل الترمذي (٢/ ٨٢٣)، -بعد أن ذكر قصة العوفي مع الكلبي والتي من أجلها وصفوه بالتدليس-: «وإن صحت هذه الحكاية عن عطية، فإنما تقتضي التوقف فيما يحكيه عطية عن أبي سعيد من التفسير خاصة، فأما الأحاديث المرفوعة التي يرويها عن أبي سعيد؛ فإنما يريد أبا سعيد الخدري، ويصرح في بعضها بنسبته» ا. هـ، وهذا الحديث من هذا القبيل، لأنه ليس في التفسير، وقد صرح فيه بنسبة أبي سعيد. فلينتبه لمثل ذلك، وينبغي أن ينزل كلام الأئمة على مرادهم.
[ ١٤٣ ]
(١٣٧) حدثنا موسى بن إسماعيل أبو سلمة، حدثنا حمادُ بنُ سَلَمَةَ، عن أَشْعَثَ الحُدَّانِيِّ، عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ؛ أن رسول الله - ﷺ - قال:
«إَنَّ فَضْلَ كَلاَمِ اللهِ على سَائِرِ الكلامِ، كفضلِ اللهِ على سَائِرِ خَلْقِهِ» (١).
(١٣٨) حدثناه عُقْبَةُ بنُ مُكْرَمٍ البصريُّ، حدثنا مُعَلَّى بن أسد، حدثنا محمد بن سَوَاءٍ، حدثنا سعيد بن أبِي عَرُوبَةَ، عن أَشْعَثَ الحُدَّانِيِّ، عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -:
«فَضْلُ القُرآنِ على سَائِرِ الكلامِ، كَفَضْلِ الرَّحْمَنِ على سَائِرِ خَلْقِهِ» (٢).
_________________
(١) مرسل، ضعيف، أخرجه الدارمي في سننه (٣٣٥٧)، وأبو داود في المراسيل (٥٣٧)، وغيرهما، وشهر بن حوشب؛ قد ضعفه غير واحد من أهل العلم.
(٢) ضعيف، أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١٢٩)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٥٥٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٥١٥)، وغيرهم من طريق سعيد بن أبي عروبة، به، إلا عبد الله بن أحمد، والبيهقي، زادا ذكر قتادة بين سعيد والحداني. قلت: وللحديث علتان؛ أولاهما ضعف شهر بن حوشب، والثانية اختلاط سعيد بن أبي عروبة، والراوي عنه هنا محمد بن سواء، ولا ندري متى سمع منه ولم ينص أحد من أهل العلم على أنه سمع منه قبل الاختلاط. = =وحتى لا ندع مجالا لمعترض؛ فإن الشيخين حين أخرجا لمحمد بن سواء عن سعيد في صحيحهما، إنما أخرجا له مقرونا بغيره، وفي ذلك إشعار منهما بعدم الاحتجاج به منفردا، والله أعلم. وقد سئل الدارقطني كما في العلل له (٢٠٩٩) عن هذا الحديث، فذكر الاختلاف الواقع فيه، ورجح الرواية المرسلة التي قبل هذه وقال: هي أشبه بالصواب.
[ ١٤٤ ]
(١٣٩) حدثنا عليُّ بن المَدِينِي، حدثنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بَشِير بن الفَاكِه الأنصاري ثم السُّلَمِي قال: سمعتُ طَلْحَةَ بِن خِرَاش بن الصِّمَّة الأنصاري ثم السُّلمي يقول: سمعتُ جَابِرَ بن عبد الله يقول، نظر إِلَيَّ رسولُ الله - ﷺ - فقال:
«يا جابر! مالي أراك مُهتَمًّا؟ قال قلت: يا رسول الله اسْتُشْهِدَ أَبِي، وتَركَ دَيْنًا عليه، وعِيَالًا، فقال: ألا أُخْبِرُكَ، ما كَلَّمَ اللهُ أحدًا قَط إلا مِنْ وراءِ حِجَاب، وكَلَّمَ [أَبَاكَ] (١) كِفَاحًا، فقال: يا عَبْدِ! تَمَنَّ عليَّ أُعْطِك، قال: يا رب تُحْيِني فَأُقْتَلْ فِيكَ الثانية، فقال الرب ﵎: إنه سَبَقَ مِنِّي أنهم إليها لا يرجعون، قال: يا رب فأبلغ مَنْ ورائي.
قال: فأنزل الله - ﷿ - ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] حتى أنفذ الآية» (٢).
(١٤٠) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حمَّادٌ يعني ابن سلمة، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال:
«لَقِيَ آدمُ مُوسَى، فقال مُوسَى: أنت آدمُ الذي خَلَقَكَ اللهُ بيدِهِ ونَفَخَ فيكَ مِنْ رُوحِهِ، وأَسْكَنَكَ الجَنَّةَ، وأَسْجَدَ لك مَلائِكَتَهُ، ثم فَعَلْتَ ما فعلت،
_________________
(١) ما بين معقوفين ليس في موضعه من الأصل وأثبتناه من حديث رقم (٥٢).
(٢) حسن، وتقدم تخريجه برقم (٥٢).
[ ١٤٥ ]
فَأَخْرَجْتَ ذُرِّيَتَكَ من الجنة، فقال آدمُ يا موسى! أنت موسى الذي اصطفاكَ اللهُ برسالاته، وكَلَّمَكَ وقَرَّبَكَ نَجِيًّا وآتاك التوراةَ، فَبِكَمْ تجده كَتَبَ عليَّ العَمَلَ الذي عَمِلْتُ قبل أن يَخْلُقَنِي؟ قال: بأربعين سنة، قال: فبم تَلُومُنِي يا موسى؟! قال رسول الله - ﷺ -: فَحَجَّ آدمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» (١).
(١٤١) حدثناه أبو سَلَمَةَ، حدثنا حَمَّادٌ، عن عَمَّار بن أبي عمار قال: سمعتُ أبا هريرةَ - ﵁ - يحدث عن النبي - ﷺ -، وحُمَيْد، عن الحسنِ، عن جُنْدُبٍ عن النبي - ﷺ - قال:
«لَقِيَ آدمُ موسى، فَذَكَرَ مِثْلَهُ إلا أنه (٢):وكَلَّمَكَ، وآتَاكَ التَّوراةَ وقَرَّبَكَ نَجِيًّا، قال: نعم، قال: فأنا أقدمُ أَمِ الذِّكر؟ قال: الذِّكْرُ.
قال رسول الله - ﷺ -: فَحَجَّ آدمُ موسى، ثلاثًا» (٣)
_________________
(١) صحيح، أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٥٥٣)، وابن أبي عاصم في السنة (١٤٩)، وابن خزيمة في التوحيد (١/ ١٢١)، من طريق محمد بن عمرو، به، ومحمد فيه كلام لا ينزله عن رتبة الحسن، لكن قد أخرج الحديث: البخاري (٤٧٣٨)، ومسلم (٢٦٥٢)، وأحمد (٧٨٥٦)، وعبد الرزاق (٢٠٠٦٧)، والنسائي في الكبرى (١١٢٦٦)، والبزار (٧٨٨٨)، من طريق ابن شهاب الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، به، فيكون الزهري قد تابع محمد بن عمرو، فبهذه المتابعة القوية يرتقي الحديث إلى الصحة، وقد رواه عن أبي هريرة أكثر من واحد من أصحابه.
(٢) كذا بالأصل وقد ضبب عليها.
(٣) صحيح، أخرجه أحمد (٩٩٨٩)، وأبو يعلى (١٥٢٨)، والطبراني في الكبير (١٦٦٣)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٣٦٧)، من طريق حماد بن سلمة، به، وهذا إسناد حسن؛ عمار بن أبي عمار، صدوق، لكن قد تابعه في روايته عن أبي هريرة جمع من ثقات أصحاب أبي هريرة - ﵁ -. وأما رواية حماد بن سلمة عن خاله حميد الطويل، فقد أخرجها: النسائي في الكبرى (١١٢٥٦)، وأبو يعلى في مسنده (١٥٢١)، والطبراني في الكبير (١٦٦٣)، وابن أبي عاصم في السنة = = (١٤٣)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١٠٣٦)، وغيرهم من طريق حماد بن سلمة، به، وهذا إسناد صحيح متصل، ولا يضر عنعنة حميد الطويل حيث وصف بالتدليس؛ لأن تدليسه خاص بروايته عن أنس فقط، وكذلك الحسن البصري. وقد ضعف محقق المطبوعة هذا الإسناد، وأعله بتدليس الحسن البصري، حيث عنعن، والتحقيق؛ أن التدليس الذي وُصِف به الحسن، إنما هو من قبيل المرسل الخفي، وهو الرواية عن من عاصره ولم يلقه، ولابد من حمل كلام العلماء بعضه على بعض، فحين أطلق النسائي الوصف بالتدليس على الحسن، قيده الحاكم، حيث قال في معرفة علوم الحديث (١٠٩)، «والجنس السادس من التدليس: قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط ولم يسمعوا منهم »، ثم قال بعد ذلك «هذا باب يطول، فليعلم صاحب الحديث أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ولا من جابر ولا من ابن عمر ولا من ابن عباس شيئًا قط» ا. هـ إذن فلا يوصف الحسن بالتدليس إلا عن سمرة لأنه روى عنه سماعًا حديث العقيقة فقط والباقي كتابًا، كذا نص غير واحد من أهل العلم، أما عن غيره فإما أن يكون من قبيل المرسل الخفي، أو هو على الاتصال، وصنيع الأئمة يقتضي ذلك. وقد أخرج له الشيخان عن جندب بن عبد الله مُصرِّحًا بالتحديث، فروايته عن جندب إذًا محمولة على الاتصال، ولا وجه لإعلالها بالتدليس، وقد أخرج له البخاري عن أبي بكرة، بالعنعنة، وما ذلك إلا لأنه ثبت لدى البخاري أنه سمع منه، ولو كان مدلسًا لما أخرج له البخاري إلا ما صرح فيه بالسماع، ويراجع في ذلك كتاب «المرسل الخفي» للشيخ الشريف حاتم بن عوني.
[ ١٤٦ ]
(١٤٢) حدثناه أبو سَلَمةَ، حدثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، حدثنا أبو هَارُونَ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدْري - ﵁ -، عن النَّبِيِّ - ﷺ -، وزاد فيه: «أَنْ يَا مُوسَى أَرَأَيْتَ مَا عَلِمَ اللهُ أَنَّه سَيكُون، بُدٌّ مِنْ أَنْ يَكُون؟» (١).
(١٤٣) حدثناه عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جَرِيرٌ، عن الأعمش، عن أبي صَالِحٍ، عن أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:
_________________
(١) ضعيف جدًا، أخرجه عبد بن حميد (٩٤٩ - منتخب)، وابن أبي شيبة في مسنده (١٩٩ - إتحاف الخيرة)، والحارث في مسنده (٧٣٩ - بغية الباحث)، وغيرهم، من حديث أبي هارون العبدي واسمه عمارة بن جوين، ضعفه أحمد، وأبو حاتم وأبو زرعة وتركه النسائي، واتهمه بعضهم.
[ ١٤٧ ]
«احْتَجَّ آدمُ ومُوسى - ﵇ -، فقال مُوسَى: يا آدمُ أنتَ الذي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، ونَفَخَ فيكَ من رُوحِهِ، فقال له قَولًا كَبيرًا لا أحفظه، أَغْوَيْتَ النَّاسَ، وأَخْرَجْتَهُم مِنَ الجنةِ، فقال آدمُ: يا موسى أنتَ الذي اصطفاكَ اللهُ برسالاتِهِ، وكَلَّمَكَ تَكْلِيمًا، تَلُومُنِي أَنْ أَعْمَلَ عَمَلًا قد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّمَاواتِ والأرضَ، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: فَحَجَّ آدمُ مُوسَى» (١).
(١٤٤) حدثنا الأَصْبغُ بنُ الفَرَجِ المصري قال: أخبرني ابنُ وَهْبٍ، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:
«إِنَّ موسى قال: يا رب! أَرِنَا آدمَ الذي أخْرَجَنا ونَفْسَهُ من الجنةِ، فأراه اللهُ آدمَ فقال: أنتَ أَبُونا آدم؟ فقال: نعم. قال: الذي نَفَخَ فِيكَ مِنْ روحه، وعَلَّمَكَ الأسماءَ كُلَّها، وأمر الملائكة، فسجدوا لك؟ قال: نعم. قال: فما حملك على أن أخرجتنا من الجنةِ ونَفْسَك؟ فقال له آدم: ومن أنت؟ قال: أنا موسى. قال أنت نَبِيُّ بَنِي إِسرائِيل؟ قال: نعم. قال: وأنت الذي كلَّمَكَ الله من وراء الحجاب لم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه؟ قال: نعم. قال: فهل وجدت في كتاب الله أن ذلك كان في كتابٍ قَبْلَ أن أُخْلَقَ؟ قال: بلى. قال فبم تَلُومُنِي؟ على شيءٍ سَبَقَ -من الله - ﷿ - القضاء فيه قَبْلُ (٢)، فقال رسولُ اللهِ - ﷺ - عند ذلك: فَحَجَّ آدمُ موسى، صَلواتُ اللهِ عَلَيْهِما» (٣).
_________________
(١) صحيح، أخرجه الترمذي (٢١٣٤)، وأحمد (٩١٧٦)، والنسائي في الكبرى (١١٣٧٩)، وابن حبان (٦١٧٩)، وابن أبي عاصم في السنة (١٤٠)، وغيرهم، من طرق عن الأعمش، به، وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.
(٢) كلمة «قبل» في مصادر التخريج «قبلي» والمثبت من الأصل، وهو صحيح.
(٣) إسناده حسن، أخرجه أبو داود (٤٧٠٢)، وأبو يعلى (٢٤٣)، وابن خزيمة في التوحيد= = (١/ ٣٤٦)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٤٢٧)، وغيرهم، من طريق هشام بن سعد، به، وهذا إسناد رجاله ثقات غير هشام بن سعد، فهو صدوق، وقال الذهبي: حسن الحديث، ويشهد له ما مر آنفا من حديث أبي هريرة.
[ ١٤٨ ]
(١٤٥) حدثنا إِسْحاقُ بنُ إبراهيمَ الحَنْظَلِيُّ، أخبرنا النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ، أخبرنا أبو نَعَامَةَ العَدَوِيُّ، حدثنا أبو هُنَيْدَةَ البَرَاءُ بنُ نَوْفَلٍ، عن وَالاَن العدوي، عن حُذَيْفَةَ، عن أبي بكر الصديق - ﵁ -، في حديث الشفاعة قال: قال رسول الله - ﷺ -:
«فَيَأْتُونَ إِبرَاهِيمَ، فيقول: ليس ذَلِكُم عندي، فانْطَلِقُوا إلى موسى؛ فَإِنَّ اللهَ كَلَّمَهُ تَكْلِيمًا، فيقول موسى: ليس ذَلِكُم عِنْدِي» (١).
(١٤٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ الغَفَّارِ بنُ دَاوُدَ الحَرَّانِيُّ أبو صالح، حدثنا ابنُ لَهِيْعَةَ، حدثنا الحَارِثُ بنُ يَزِيدَ، عنْ عَلِيِّ بنِ رَبَاحٍ، عن رَجُلٍ سمع عُبَادَةَ بنَ الصَّامِت يقول: إن النَّبِي - ﷺ - خَرَجَ فقال:
«إِنَّ جِبْرِيلَ أتانِي فقال: أُخْرُجْ فَحَدِّثْ بِنِعْمَةِ اللهِ التِي أَنْعَمَ بها عَلَيْكَ، فَبَشَّرَنِي بَعَشْرٍ لم يُؤْتَهَا نَبِيٌّ قَبْلِي؛ بَعَثَنِي إلى النَّاسِ جميعًا، وأَمَرنِي أن أُنْذِرَ الجِنَّ، ولَقَّانِي كَلاَمَهُ وأنا أُمِّيٌّ، قد أُوتِي داودُ الزَّبُورَ، وموسى الأَلْوَاحَ، وعيسى الإنجيلَ» (٢).
(١٤٧) حدثنا عبدُ اللهِ بن صَالِحٍ المِصْرِيُّ، أن مُعَاوِيَةَ بن صالح حدَّثَهُ،
_________________
(١) حسن، وتقدم تخريجه رقم (٨٨).
(٢) ضعيف، أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره معلقًا (١٤٤٦٧)، قال: ذكر عن زيد بن الحباب، حدثنا ابن لهيعة، به، وهذا إسناد ضعيف؛ فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف وقد بسطت القول فيه عند تعليقي على حديث رقم (٤٦)، وثمة علة أخرى، وهي إبهام الراوي عن عبادة بن الصامت.
[ ١٤٩ ]
عن أبي بكرٍ يعني ابن أبي مَرْيَم، عن عَطِيَّةَ وهو ابنِ قَيْسٍ، أَنَّ النبِيَّ - ﷺ - قال:
«مَا مِنْ كَلاَمٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ مِن كَلاَمِهِ، مَا رَدَّ العِبَادُ إِلَى اللهِ كلامًا أَحَبَّ إليه مِنْ كَلاَمِهِ» (١).
(١٤٨) حدثنا سَلاَّمُ بنُ سُلَيْمَان المَدَائِنِي، حدثنا المَسْعُودِيُّ، عن أَبِي عُمَرَ، عن عُبَيْدِ بنِ الحَسْحَاس، عن أبي ذَرٍّ - ﵁ - قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وهو في المسجد، فَجَلَسْتُ إليه، فَقُلْتُ: أَيُّ الأنبياءِ كان أولًا؟ قال:
«آدمُ، قُلْتُ: ونَبِيًّا كان؟ قال؟ نعم، نَبِيًّا مُكَلَّمًا» (٢).
(١٤٩) حدثنا الرَّبِيعُ بنُ نَافِعٍ، حدثنا مُعَاويةُ -يعني ابن سَلاَّم-، عن زيد -وهو ابن سلام- أنه سمع أبا سَلاَّم يقول: حدثني أبو أُمَامةَ، أَنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ - ﷺ - فقال: يا نَبِيَّ الله! أَنَبِيًّا كان آَدَمُ؟ قال:
«نَعَم مُكَلَّمًا، قال: كَمْ بَيْنَه وبَيْنَ نُوح؟ قال: عَشْرَةُ قُرُون» (٣).
_________________
(١) مرسل ضعيف، أخرجه الدارمي أبو محمد في سننه (٣٣٥٣)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٥٣٣)، من طريق ابن أبي مريم، به، ضعفه غير واحد من أهل العلم، وتركه الدارقطني، ثم الحديث مرسل، عطية بن قيس؛ تابعي ثقة.
(٢) ضعيف جدًا، أخرجه النسائي (٨/ ٢٧٥)، وأحمد (٢١٥٤٦)، وابن أبي شيبة (٣٧٠٨٣)، والطيالسي (٤٨٠)، والبزار (٤٠٢٣٤)، وهناد في الزهد (١٠٦٥)، وغيرهم، من طريق المسعودي، به، وهذا إسناد ضعيف جدًا؛ عبيد بن الحسحاس، -ويقال الخشخاش- مجهول، والراوي عنه أبو عمر الدمشقي، قال الدارقطني: متروك، وفيما بعده غنية عنه.
(٣) صحيح، أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٦٢)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٤٤٦)، كلاهما من طريق المصنف، به، وأخرجه ابن حبان (٦١٩٠)، والطبراني في الكبير (٧٥٤٥)، وابن أبي حاتم في التفسير (١٥١٨٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٧/ ٤٤٥)، وغيرهم، من طريق أبي توبة الربيع بن نافع، به، وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقد أورده الحافظ ابن كثير بسند ابن حبان في البداية والنهاية (١/ ١١٣)، وقال: «وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه». قلت: وفي سماع أبي سلام من أبي أمامة مقال، لكنه قد صرح هنا بالتحديث، = = فانتفت شبهة إرساله عنه. تنبيه: قال محقق صحيح ابن حبان (طبعة الرسالة): «أبو سلام: هو الأسود بن هلال المحاربي»، قلت: وفي هذا مجازفة، إنما الحديث من رواية معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن جده أبي سلام، وهو أسود أيضًا! لكن اسمه ممطور الحبشي ويقال النوبي، وقد صرح الحافظ ابن عساكر بنسبته حين روى الحديث في تاريخه، فقال: «عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام الحبشي».
[ ١٥٠ ]
(١٥٠) حدثنا عَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ، أخبرنا سُفْيانُ، حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ -مولى آل طلحة-، عن كُرَيْبٍ، عن ابن عباس، عن جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ بنِ أَبِي ضِرَارٍ، أن النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ عِنْدِهَا، فَخَرَجَ وهِيَ في المسجدِ، ثم رَجَعَ بَعدمَا تَعَالَى النَّهارُ، فقال:
«مَا زِلْتِ في مَجْلِسِكِ هذا مُنْذُ خَرَجْتُ بَعد، قُلْتُ: نعم، فقال: لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ لَوْ وُزِنَّ بِكَلِمَاتِك وَزَنَتْهُنَّ؛ سُبْحَانَ اللهِ وبحمدهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» (١).
(١٥١) حدثنا نُعَيمُ بنُ حماد، حدثنا ابنُ المباركِ، أخبرنا يُونُس، عن الزُّهْرِي قال: أخبرني سَعِيدُ بنُ المسَيَّب، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -
_________________
(١) صحيح، أخرجه مسلم (٢٧٢٦)، وأبو داود (١٥٠٥)، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (٤٠٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٤٧)، والحميدي (٤٩٦)، وابن خزيمة في صحيحه (٧٥٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣١٠٨)، وغيرهم. جميعًا من طريق سفيان-هو ابن عيينة-، به. وأخرجه الترمذي (٣٥٥٥)، والنسائي (٣/ ٧٧)، وابن ماجه (٣٨٠٨)، وأحمد (٢٣٣٤، ٣٣٠٨)، وابن حبان (٨٢٨)، وغيرهم. من طرق عن محمد بن عبد الرحمن، به. وقد جعله بعضهم من مسند ابن عباس، لا من مسند جويرية، قال البخاري ﵀ في الأدب المفرد بعد رواية الحديث: «حدثنا عليٌّ، قال: حدثنا به سفيان غير مرة، قال: حدثنا محمد، عن كريب، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - خرج من عند جويرية، ولم يقل جويرية إلا مرة».
[ ١٥١ ]
قال: «يَقْبِضُ اللهُ الأرضَ يومَ القِيامَةِ، ويَطْوِي السَّماءَ بِيَمِينِهِ، ثم يقول: أَنا المَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟» (١).
(١٥٢) حدثنا أبو عُمَرَ الحَوْضِيُّ، حدثنا شُعْبَةُ، عن عَلِيِّ بنِ مُدْرِك، عن أَبِي زُرْعَةَ بنِ عَمرو بنِ جَرَيرٍ، عن خَرَشَةَ بْنِ الحُرِّ، عن أبِي ذَرٍّ - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال:
«ثَلاثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامةِ، ولا يُزَكِّيهِم، ولا يَنْظُرُ إِلَيْهِم، ولهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ، قال قلت: مَنْ هُمْ؟ خَابُوا وخَسِرُوا! قال: فَأَعَادَها ثَلاثًا، فقلت: مَنْ هُم؟ خَابُوا وخَسِرُوا! قال: المُسْبِلُ، والمَنَّانُ، والمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالحَلِفِ الكَاذِبِ أو الفَاجِرِ» (٢).
(١٥٣) حدثنا محبُوبُ بنُ موسى الأَنْطَاكِيُّ، أخبرنا أبو إِسْحَاقَ، عن أبِي حماد -يعني الحنفي، قال أبو إسحاق: وكَانَ مِنْ أَوْثَقِ أَهْلِ زَمَانِهِ-، عن ابنِ عَقِيل-وهو عبد الله بن محمد بن عَقِيل- قال: سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ عِبْدِ اللهِ؟ قال: صَلَّى رَسْولُ اللهِ - ﷺ - على الشُّهَدَاءِ كُلِّهِم يَوْمَ أُحُدٍ، فَرَجَعْتُ وأنا مُثْقَلٌ، قَدْ تَرَكَ أَبِي عَلَيَّ دَيْنًا وَعِيَالًا، فَلَمَّا كان عندَ اللَّيلِ أَرْسَلَ إِلَيَّ رسولُ اللهِ - ﷺ - فقال:
«يا جابر! إِنَّ اللهَ قَدْ أَحْيَا أَبَاكَ، وكَلَّمَهُ، قال قُلْتُ: وكَلَّمَهُ كَلامًا؟ فَقَالَ
_________________
(١) صحيح، أخرجه البخاري (٦٥١٩، ٧٣٨٢)، ومسلم (٢٧٨٧)، وابن ماجه (١٩٢)، وأحمد (٨٨٦٣)، والنسائي في الكبرى (٧٦٤٥)، وغيرهم، من طريق يونس _هو ابن يزيد الأيلي_، به.
(٢) صحيح، أخرجه مسلم (١٠٦)، وأبو داود (٤٠٨٩)، والترمذي (١٢١١)، والنسائي (٥/ ٨١، ٧/ ٢٤٥)، وأحمد (٢١٣١٨، ٢١٤٣٦)، وأبو محمد الدارمي (٢٦٠٥)، وابن حبان (٤٩٠٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٢٦٤٠)، وغيرهم، من طرق، عن شعبة، به. وللحديث طرق أخرى، عن خرشة بن الحر، به، أرى في ذكرها إطالة، وقد اكتفيت بطريق المصنف.
[ ١٥٢ ]
قال: وَكَلَّمَهُ كَلاَمًا، فقال له: تَمَنَّ، قَالَ: أَتَمَنَّى أَنْ تَرْدَّ رُوحِي، وتَنْشُرَ خَلْقِي كما كان، وتُرْجِعَنِي إلى نَبِيِّكَ؛ فَأُقَاتِل في سَبِيلِكَ فَأُقْتَل مَرَّةً أُخْرَى» (١).
(١٥٤) حدثنا عُثمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ، حدثنا جَرِيرٌ، عن لَيْثٍ، عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ، عن أبِي الزَّعْرَاء قال: قال عمر - ﵁ -: «إن هذا القرآنَ كَلاَمُ اللهِ، فَلا أَعْرِفَنَّكُم مَا عَطَفْتُمُوهُ على أَهْوَائِكُم إِلاَّ أَنْ يَكْفُرَ بِهِ عَبْدٌ (٢) عَمْدَ عَيْنٍ» (٣).
_________________
(١) حسن، وإسناد المصنف ضعيف، أبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السبيعي، مدلس ولم يصرح بالسماع، وشيخه أبو حماد الحنفي هو المفضل بن صدقة، قال أبو حاتم الرازي: ليس بالقوي، يُكْتب حديثه، لكن للحديث طريق آخر أخرجه أحمد (١٤٨١٨)، والحميدي (١٢٦٥)، وعبد ين حميد (١٠٣٩ - منتخب)، وأبو يعلى (٢٠٠٢)، وابن أبي الدنيا في المتمنين (٢)، من طريق سفيان بن عيينة، عن محمد بن علي بن ربيعة السلمي، عن ابن عقيل، به. قلت وهذا إسناد حسن؛ رجاله ثقات غير عبد الله بن محمد بن عقيل؛ تكلم فيه غير واحد من أهل العلم من قِبَل سوء حفظه، قال الترمذي -كما في ترتيب علل الترمذي لأبي طالب القاضي ص ٢٢ -: «سألت محمدًا -يعني البخاري- عن عبد الله بن محمد بن عقيل؟ قال: رأيت أحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، والحميدي، يحتجون بحديثه، وهو مقارب الحديث». وقال أبو حاتم الرازي: لين الحديث ليس بالقوي، ولا ممن يحتج بحديثه، يكتب حديثه، فمثله يحسن حديثه في الشواهد والمتابعات إن شاء الله، هذا وقد تابعه طلحة بن خراش وهو صدوق، كما مر في حديث (٥٢، وتكرر برقم ١٣٩)، فينظر تخريجه هناك.
(٢) كلمة «عبد» سقطت من المطبوعة وأثبتناها من الأصل.
(٣) ضعيف، أخرجه الدارمي في سننه (٣٣٥٥)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١١٧)، والخلال في السنة (١٩٥٦)، والآجري في الشريعة (١٦٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٥٢٧)، جميعًا من طريق ليث هو ابن أبي سليم، به، وليث ضعيف سيء الحفظ، قال ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة: ليث لا يشتغل به وهو مضطرب الحديث، وضعفه يحيى بن معين، وغيره، فضلا عن اختلاطه، وللأثر شاهد عند الآجري في الشريعة (١٦٧)، من طريق أبي عبد الرحمن السلمي، عن عمر، بنحوه، وإسناد الآجري، فيه محمد بن عبد المجيد التميمي؛ ضعيف، ضعفه تمتام محمد بن غالب كما في تاريخ بغداد للخطيب (١١٧١)، فالأثر لا يثبت عن عمر، والله تعالى أعلم.
[ ١٥٣ ]
(١٥٥) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حمَّادٌ، عن عَطَاء بنِ السَّائِب، عن أبِي الأَحْوَص، عن ابن مسعود - ﵁ - قال: «هَدْىٌ وكَلاَمٌ؛ فَخَيْرُ الكَلاَمِ كَلاَمُ اللهِ، وأَحْسَنُ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ - ﷺ -» (١).
(١٥٦) حدثنا يحيَى بنُ سُليمانَ الجُعْفِي أبو سَعِيد، حدثنا أحمدُ بنُ بَشيرٍ، حدثنا مُجَالِدٌ، عن الشَّعْبِيِّ، عن مَسْرُوقٍ، أَنَّ عبدَ اللهِ قال: «القُرْآنُ كلامُ اللهِ، فَمَنْ قَالَ فِيهِ، فَلْيَعْلَم ما يَقُولُ، فَإِنمَا يَقُولُ عَلَى اللهِ» (٢).
(١٥٧) حدثنا أحمدُ بنُ صَالحٍ المِصريُّ، حدثنا ابنُ وَهْبٍ قال: أخبرنِي يُونُسُ، عن ابنِ شِهَابٍ قال: أخبرنِي عَلِيُّ بنُ حُسَيْنٍ، أن ابن عباس قال: أَخْبَرَنِي
_________________
(١) صحيح لغيره، أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٠٠٧٦)، والطبراني في الكبير (٨٥١٨)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٨٤)، وغيرهم من طريق أبي الأحوص، به وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، غير عطاء بن السائب؛ فقد اختلط في آخره، وحماد بن سلمة ممن روى عنه قبل الاختلاط، وبعده. وقد سئل أبو زرعة الرازي عن حديثٍ، رواه حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب، عن أبي الأحوص، عن عَبد الله، قال: «خير الكلام كلام الله وأحسن الهدي هدي محمد»، ورواه جرير عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري، عن عَبد الله. قيل لأَبي زُرْعَةَ أيهما أصح؟ قال: حديث جرير أصح (علل ابن أبي حاتم: ١٧٤٦). قلت: لعل السبب في ذلك هو اختلاط عطاء بن السائب، وحماد قد روى عنه قبل الاختلاط وبعده، لكن جريرا أيضا ممن روى عنه قبل الاختلاط، فلا أدري ما وجه تقديم رواية جرير على رواية حماد. وعلى كل فالحديث صحيح، وقد روي من وجه آخر عن ابن مسعود، أخرجه هناد في الزهد (٤٩٨)، وعنه النسائي في مجلس من إملائه (٢٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٥٢٢) من حديث الأسود بن هلال، عن ابن مسعود، به، وإسناده صحيح، رجاله ثقات.
(٢) ضعيف، أخرجه عبد الله في السنة (١١٩)، وابن سمعون في أماليه (٣٢٢)، والبيهقي في الأسماء (٥٢٣)، من طريق مجالد، به، ومجالد ضعيف. وقد سئل أبو حاتم الرازي عنه، يحتج بحديثه؟ قال: لا، وقال ابن معين: ضعيف، واهي الحديث، لا يحتج بحديثه.
[ ١٥٤ ]
رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِي - ﷺ - من الأنصار؛ أنهم بَيْنَا هُمْ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ، فقال لهم رسولُ اللهِ - ﷺ -:
«مَاذَا كُنْتُم تَقُولُون في الجَاهِلِيَّةِ إذا رُمِيَ بمثلِ هذا؟ قَالوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَم، كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ عَظِيمٌ، ومَاتَ عَظِيمٌ، فَقَالَ رَسولُ اللهِ - ﷺ -: فَإِنها لا يُرْمَى بها لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ حَيَاةِ أَحَدٍ، ولَكِنَّمَا رَبُّنَا إِذَا قَضَى أَمرًا؛ سَبَّحَ حَمَلةُ العَرْشِ، ثُمَّ يُسَبِّحُ أَهْلُ السَّماءِ الذين يَلُونَهُم، ثم يسبح الذين يلونهم، حتَّى بَلغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ السَّماءِ الدُّنْيَا، ثم قال [الذين] (١) يَلُونَ حملة العَرْشِ: ما قال رَبُّكُم؟ فَيُخْبِرُونَهُم بِتَسْبِيحِ أَهْلِ السَّماواتِ، حتَّى يَبْلُغَ الخَبَرُ أَهْلَ هذهِ السماءِ الدنيا، يَتَخَطَّفُ الجِنُّ السَّمْعَ، فيذهبون به إلى أَوْلِيَائِهم، فَإِذَا جَاءُوا به على وجهه؛ فَهو حَقٌّ، وَلَكِنَّهُم يَرْقُونَ فِيِهِ -يعني يقذفون (٢) -» (٣).
(١٥٨) حدثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ العَبْدِيُّ، حدثنا ابنُ أَبِي عَدِيٍّ، عن شُعْبَةَ، عن سُلَيمانَ الأَعْمَشِ، عن أبِي الضُّحَى، عن مَسْروق، عن عبدِ اللهِ - ﵁ - قال: «إِذَا تَكَلَّمَ اللهُ بِالوَحي؛ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاواتِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السَّلْسِلَة على الصَّفْوَان.
قال: فَيَفْزَعُونَ، يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَمْرِ السَّاعةِ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ [سبأ: ٢٣]» (٤).
_________________
(١) ما بين معقوفين زيادة ليست في الأصل، وأثبتناها من مصادر التخريج.
(٢) في المطبوعة «يقرفون» والمثبت من الأصل وكلاهما بمعنى، وقد ذكرهما مسلم في صحيحه.
(٣) صحيح، أخرجه مسلم (٢٢٢٩)، والترمذي (٣٢٢٤)، وأحمد (١٨٨٢، ١٨٨٣)، وابن حبان (٦١٢٩)، وأبو يعلى (٢٦٠٩)، وغيرهم من طرق عن الزهري، به.
(٤) صحيح، أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٥٣٧)، وابن خزيمة في التوحيد (٢٠٨)، والطبري في التفسير (٢٠/ ٣٩٦)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٤٣٨)، والخطيب في التاريخ (١٣/ ٣٣٠)، من طرق عن سليمان الأعمش، به، موقوفًا، وإسناده صحيح، = = رجاله ثقات، وهذا الأثر له حكم الرفع، فمثله لا يقال من قبل الرأي، لاسيما وقد روي في سبب نزول آية من كتاب الله، ومعلوم أن تفسير الصحابي في أسباب النزول له حكم الرفع، ثم إن هذه الرواية الموقوفة هي المحفوظة دون المرفوعة. وقد استغرب الخطيب البغدادي كما في تاريخه (١٣/ ٣٣٠) الرواية المرفوعة، وذكر أن هذه الرواية الموقوفة هي المحفوظة، ومن قبله الدارقطني، رجح هذه الموقوفة وقال إنها المحفوظة، كما في العلل له (٨٥٢).
[ ١٥٥ ]
(١٥٩) حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، حدثنا جَرِيرُ بنُ عبدِ الحمِيد، عن يَزِيدَ بنِ أَبِي زِيادٍ، عن عبد الله بن الحَارِث، عن ابن عباس؟ قال: «إِنَّ الله - ﷿ - إِذَا تَكَلَّمَ بِالْوَحْي سَمِعُوا مِثْلَ سِلْسِلَةِ الحَدِيدِ عَلَى الصَّفْوَان، فَخَرُّوا سُجَّدًا، فَـ ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ [سبأ: ٢٣]، ثم يَنْزِلُ الشَّيطانُ إِلَى الأَرْضِ فَيَزِيدُ فيها سَبْعِينَ كَذِبَة» (١).
(١٦٠) حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جَريرٌ، عن مَنْصُورٍ، عن هِلالِ بنِ يَسَافٍ، عن فَرْوَةَ بنِ نَوْفَل قال: كُنْتُ جَارًا لخَبَّابٍ - ﵁ -، فَخَرجْنَا مَعَهُ يومًا إِلَى الجُمُعَةِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فقال: «يَا هَنَاهُ! (٢) تَقَرَّبْ إِلَى الله ما اسْتَطَعْتَ فَإِنَّكَ لَنْ تَقَرَّبَ إِلَى اللهِ بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ كَلاَمِهِ» (٣).
_________________
(١) ضعيف، أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٥٣٨)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢١٩)، وأبو زرعة الرازي كما في العلو للذهبي (٢٩٤)، من طريق جرير بن عبد الحميد، به. وهذا إسناد ضعيف؛ لأجل يزيد بن أبي زياد، قال أبو زرعة: لين يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالقوي، وكذلك قال ابن معين كما نقله عنه المصنف.
(٢) قال الجوهري: «هذه اللفظة تختص بالنداء»، ومعناها؛ يا هذا، والمؤنث منها يا هنْتَاه، وينظر النهاية في غريب الحديث (٥/ ٦٥١).
(٣) صحيح، أخرجه أحمد في الزهد (ص ٣٥، ٢٠٢)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١١١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٠٧٢٢)، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (٥٢٠)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٤١)، وغيرهم من طرق عن منصور بن المعتمر،= = به، وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وفروة بن نوفل، وثقه ابن حبان، وأخرج له مسلم حديثًا.
[ ١٥٦ ]
(١٦١) حدثنا عبد الله بن صالح قال: حَدَثنِي اللَّيْثُ قال: حدثنِي يُونُسُ، عن ابن شِهابٍ قال: أَخبَرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ وسَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ وعَلْقَمَةُ بنُ وَقَّاصٍ وعُبَيْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ اللهِ، عن حَدِيثِ عَائِشَةَ حين قاَلَ لهَا أَهلُ الإفْكِ مَا قَالوا فَبَرَّأَهَا اللهُ مِنْهُ، وبَعْضُ حَديثِهِم يُصَدِّقُ بَعْضًا، وإن كان بَعْضُهُم أَوْعَى مِنْ بَعْضٍ، زَعَمُوا أَنَّ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «لَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ في نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسْولُ اللهِ - ﷺ - رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللهُ بهَا» (١).
(١٦٢) حدثنا نُعَيْمُ بنُ حمَّادٍ، حدثنا ابنُ المُبَارَكِ، أخبرنا يُونُسُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن طارق بن مُحَاسِن (٢)، عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النبِي - ﷺ - أُتِيَ بِلَدِيغٍ، فَقَالَ: «لَوْ قَالَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ؛ لمَ تَضُرُّهُ» (٣).
_________________
(١) صحيح، أخرجه البخاري (٤١٤١، ٤٧٥٠، ٧٥٠٠)، ومسلم (٢٧٧٠)، وأبو داود (٤٧٣٧)، وأحمد (٢٥٦٢٣)، وابن حبان (٤٢١٢)، وغيرهم، من طرق عن الزهري، به وفي إسناد المصنف، عبد الله بن صالح، ضُعِّف، لكن تابعه يحيى بن بكير، كما عند البخاري (٤٧٥٠).
(٢) كذا في الأصل بالحاء والسين المهملتين، وقد وضع الناسخ علامة الإهمال على السين، ثم ذكره في الحديث الذي بعده «مخاشن» بالخاء والشين المعجمتين، وفي ذلك إشارة منه أن الاختلاف في اسمه معروف، وينظر تقريب التهذيب (٣٠٠٥).
(٣) حسن لغيره، أخرجه أبو داود (٣٩٠١)، والنسائي قي الكبرى (١٠٣٥٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٠٢٣)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٢١٣)، والطبراني في الشاميين (١٨١٤)، والطحاوي في شرح المشكل (٣٤)، وغيرهم من طرق عن الزهري، به، وقد تابع نعيمَ بن حماد؛ عبد الله بن عثمان المعروف بعبدان، كما عند الفسوي، وطارق بن مخاشن مقبول كما قال الحافظ في التقريب، -ولم أجد من وثقه سوى ابن حبان كعادته في توثيق أمثاله من المجاهيل- فهو لين إن لم يتابع، وقد توبع؛ تابعه ذكوان السمان= = أبو صالح، كما أخرجه مسلم في صحيحه (٢٧٠٩)، وأحمد (٨٨٨٠)، وغيرهما.
[ ١٥٧ ]
(١٦٣) حدثنا الجُرْجُسِي يَزِيدُ بنُ عَبْدِ رَبِّهِ، حدثنا بَقِيَّةٌ، عن الزُّبَيْدِيِّ، عن الزُّهرِي، عن طَارِق بنِ مُخَاشِن، عن أبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قال: أُتِيَ رسولُ اللهِ - ﷺ - بِلَدِيغٍ، لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ، فقال:
«لَوْ قَالَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ؛ لَمْ يُلْدَغْ، أَو لم تَضُرُّهُ» (١).
(١٦٤) حدثنا مُوسى بنُ إِسماعِيلَ، حدثنا حمَّادٌ، عن محمد بن إِسحاقَ، عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ، أن رسول الله - ﷺ - كان يُعَلِّمَهُم مِنَ الفَزَعِ:
«أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ، ومِنْ شَرِّ عِبَادِهِ، ومِنْ همَزَاتِ الشَّياطِينَ، وأن يَحْضُرُونَ» (٢).
_________________
(١) إسناده ضعيف، أخرجه أبو داود (٣٩٠١)، والدولابِي في الكنَى (١٧٣١)، وغيرهما من طريق بقية بن الوليد، به، وبقية مدلس، وقد عنعن، نعم صرح بالتحديث عند أبي داود كما ذكر محقق المطبوعة، لكن هذا التصريح لا يغني عنا شيئا؛ فمثل بقية تحتاج منه فوق تصريحه بالسماع أن يسمي لك شيخه، قال ابن رجب في شرح علل الترمذي (٢/ ٨٢٤): «وكان ربما روى عن سعيد بن عبد الجبار الزبيدي، أو زرعة بن عمرو الزبيدي، وكلاهما ضعيف الحديث فيقول: ثنا الزبيدي، فيظن أنه محمد بن الوليد الزبيدي صاحب الزهري» وفي هذا الحديث لم يصرح قط باسم الزبيدي الراوي عن الزهري، حتى وإن صرح بالسماع، وأمر آخر؛ أن بقية قد وصف أيضا بتدليس التسوية، والذي لا تقبل روايته حتى يصرح لك بالسماع في جميع طبقات الإسناد، فهذا أمر لا بد أن يتفطن له في قبول ورد خبر المدلس، ولكن متن الحديث قد صح والحمد لله.
(٢) ضعيف، أخرجه أبو داود (٣٨٩٥)، والطبراني في الدعاء (١٠٨٦)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١١٠)، من طريق محمد بن إسحاق بن يسار، به، ومحمد بن إسحاق؛ مختلف في الاحتجاج به وله غرائب في سعة ما روى تستنكر كما قال الذهبي، وقال الترمذي عقب روايته للحديث: «هذا حديث حسن غريب»، ثم ابن إسحاق مدلس، ولم يصرح بالسماع.
[ ١٥٨ ]
(١٦٥) حدثنا عُثمانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، حدَّثَنا جَرِيرٌ، عن محمدِ بنِ إِسْحَاقَ، بإسناده، إلا أَنَّهُ قال:
«مِنْ غَضَبِهِ وعِقَابِهِ وشَرِّ عِبَادِهِ» (١).
(١٦٦) حدثنا عُثْمانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، حدثنا جَرِيرٌ، عن مَنْصُور بن المُعْتَمِر، عن المِنْهَالِ بنِ عمرٍو، عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابن عَبَّاسٍ؟ قال: كَانَ رَسولُ اللهِ - ﷺ - يُعَوِّذُ حَسَنًا وَحُسَيْنًا:
«أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْطَانٍ وهَامَّةٍ، ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ، وكان يَقولُ: كان أَبُوكُمَا يُعَوِّذُ بها إِسمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ» (٢).
(١٦٧) حدثنا هِشَامُ بنُ عَمَّارٍ الدِّمَشْقِيُّ، حدثنا محمدُ بنُ شُعَيْبٍ، عن عُثْمَانَ بن أَبِي العَاتِكَة، عن عَلِيِّ بنِ يَزِيدَ، عن القَاسِم، عن أَبِي أُمَامَةَ، عن أَبِي ذَرٍّ؟ قال: قُلْتُ: أَيُّ النَّبِيِّينَ أَولًا يا رسول الله؟ قال:
«آَدَمُ، قُلْتُ: أَوَ نَبِيًّا كان؟ قَالَ نعم، مُكَلَّمًا، خَلَقَهُ اللهُ بِيَدِهِ وَكَلَّمَهُ قِبَلًا، فقال: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]» (٣).
_________________
(١) ضعيف، أخرجه الترمذي (٣٥٢٨)، وأحمد (٦٦٩٦)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٨)، والنسائي في الكبرى (١٠٥٣٣)، وغيرهم من طريق محمد بن إسحاق، به، وينظر التعليق السابق.
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٧١)، وأبو داود (٤٧٣٩) كلاهما تابع المصنف، وأخرجه ابن ماجه (٣٥٢٥)، وأحمد (٢١١٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٠١١١)، والبزار (٥٠٩٩)، وغيرهم من طرق عن منصور، به.
(٣) منكر، أخرجه أحمد (٢٢٢٨٨)، والطبراني في الكبير (٧٨٧١)، كلاهما مطولا من حديث علي بن يزيد هو الألهاني، به، وعلي هذا قال البخاري، منكر الحديث، وتركه النسائي، والدارقطني، والبرقاني، وغيرهم، والراوي عنه، نقل المصنف عن شيخه ابن معين أنه قال عنه: ليس بشيء، وضعفه أبو حاتم الرازي وقال: بليته من كثرة روايته عن علي بن يزيد،= = وقد تابع عليَّ بن زيد؛ جعفرُ بن الزبير كما عند أبي الشيخ في العظمة (٥/ ١٥٥٣)، والطبري في التاريخ (١/ ١٥١)، كلاهما من طريق ابن إسحاق، عن جعفر، عن القاسم، به، وهذه متابعة لا تسمن ولا تغني من جوع؛ فإن جعفر بن الزبير حاله كحال متابعه؛ متروك الحديث، تركه أبو حاتم، والفلاس، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم، وقال ابن حبان: يروي عن القاسم وغيره أشياء موضوعة، وقد صح موضع الشاهد من حديث أبي أمامة أيضا كما مر برقم (١٤٩)، والله الموفق.
[ ١٥٩ ]
(١٦٨) حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ، أخبرنا [أبو] (١) مُعَاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن خَيْثَمَةَ، عن عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:
«مَا مِنكُم مِنْ أَحَدٍ إِلا سَيُكَلِّمُهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ» (٢).
(١٦٩) حدثنا أبو عُمَرَ الحَوْضِيُّ، حدثنا شُعْبَةُ، عن عَلِيِّ بنِ مُدْرِك، عن أَبِي زُرْعَةَ بنِ عَمرو بنِ جَرَيرٍ، عن خَرَشَةَ بْنِ الحُرِّ، عن أبِي ذَرٍّ - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال:
«ثَلاَثَةٌ؛ لا يُكَلِّمُهُم اللهُ يومَ القِيامَةِ، وَلا يُزَكِّيهِم، ولهم عَذَابٌ أَلِيمٌ؛ المُسْبِلُ، والمَنَّانُ والمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بالحَلِفِ الكَاذِب، أو الفَاجِر» (٣).
(١٧٠) حدثنا إِبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِر الحِزَامِيُّ، حدثنا مَعْنٌ، حدثنا عبدُ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ أَبو أُوَيْسٍ، عن قَرْثَع (٤) الغَطَفَانِي، عن عُقْبَةَ بنِ بَشِير بنِ المُغِيرَة بنِ بَشِيرٍ
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل، وأثبتناه من مصادر التخريج، وأبو معاوية الراوي عن الأعمش؛ هو محمد بن خازم بالخاء المعجمة الكوفي الضرير، من أوثق الناس في الأعمش.
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٣٩، ٧٤٤٣، ٧٥١٢)، ومسلم (١٠١٦)، والترمذي (٢٤١٥)، وابن ماجه (١٨٥)، وأحمد (١٨٢٤٦)، وغيرهم، من طرق عن الأعمش، به.
(٣) صحيح، تقدم برقم (١٥٢).
(٤) كذا في الأصل، ويبدو أنه تصحيف، فالمشهور بالرواية عن عقبة بن بشير؛ الربيع بن قزيع أبو الجارود أحد بني غطفان، ينظر ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري (٣/ ٢٧٠) وقد رواه ابن سعد في الطبقات (١/ ٣٣)، على الصواب.
[ ١٦٠ ]
الأَسَدِيِّ قال: «سألتُ محمدَ بنَ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ الهاشميَّ قال: قلت: يا أبا جعفر! مَنْ أَوْلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ؟ قال: إِسماعِيلُ بنُ إِبْراهِيمَ النَّبِيُّ، وهو يَوْمَئِذٍ ابنُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَة، قُلتُ: فَمَا كانَ كَلامُ النَّاسِ قَبْلَ ذَلِك؟ قال: العَبْرَانِيَّة، قلتُ: فما كان كلامُ اللهِ الذي أَنْزَلَهُ على رُسُلِهِ وَعِبَادِهِ ذَلِكَ الزَّمَان؟ قال: العَبْرَانِيَّةُ» (١).
(١٧١) قَرَأْتُ عَلَى أَبِي اليَمَانِ، قلت: أَخْبَرَكُم شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ قال: أَخْبَرنِي أبو بِكْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحمنِ بنِ الحَارِث بنِ هِشَامٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ جَرْمُ (٢) بنُ جَابرِ الخَثْعَمِيُّ، أنه سمع كَعْبَ الأَحْبَارِ يَقُولُ: «لمَّا كَلَّمَ اللهُ موسى بالألسنة كُلِّهَا قَبْلَ لِسَانِهِ، طَفِقَ موسَى يَقُولُ: أَيْ رَبِّ! مَا أَفْقَهُ هذا، حَتَّى إذا كَلَّمَهُ آَخِر الأَلْسِنَةِ بِلسَانِهِ بِمِثْلِ صَوْتِهِ، يَعنِي بمثل لِسَانِ موسى، وبمثل صَوْتِ مُوسَى» (٣).
(١٧٢) حدثنا محمدُ بنُ عُثمَانَ التَنُّوخيُّ أبو الجُمَاهِر، حدثنا سَعِيدُ
بنُ
_________________
(١) ضعيف، أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٣٣)، وفيه عقبة بن بشير، قال الذهبي في الميزان (٥٦٨٢): مجهول.
(٢) كذا في الأصل، وفي المطبوعة جزء، وفي اسمه اختلاف معروف، قال ابن ناصر الدين: «جرن بن جابر الخثعمي سمع كعبا، قاله البخاري في تاريخه، وهو أحد الأقوال في اسمه وبه صَدَّرها البخاري وقيل: جرير، وقيل: جزء، وقيل: جرو، والله أعلم» توضيح المشتبه (٣/ ٢٢١).
(٣) ضعيف، أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٥٤١)، وابن أبي حاتم في التفسير (٦٢٨٧)، والطبري في التفسير (١٠٨٤٣، ١٠٨٤٥)، وعبد الرزاق في التفسير (١/ ٢٣٨)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٢٢٧)، وغيرهم من طريق الزهري، به، وفيه جرم أو جرير أو جزء أو جرز، كما ذكرنا الاختلاف في اسمه، وهو مجهول، لم يرو عنه غير أبي بكر بن عبد الرحمن ولم يوثقه أحد سوى ابن حبان كعادته، والله أعلم.
[ ١٦١ ]
بَشِيرٍ، عن قَتَادَةَ، «في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ بالقُرآنِ ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١)﴾ أَعَزَّهُ اللهُ؛ لأنَّهُ كَلامُهُ ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢] وهُو إِبْلِيسُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْهُ حقًّا، أو يَزِيدَ فِيِهِ بَاطِلًا» (١).
قال أبو سعيد ﵀: فَهَذِه الأحاديثُ قد رُوِيَتْ وأَكْثَرُ منها ما يُشْبِهُهَا، كُلُّهَا موافِقَةٌ لكتاب الله، في الإيمان بكلام الله، ولولا ما اخْتَرعَ هؤلاءِ الزَّائِغة من هذه الأُغْلُوطَاتِ والمعانِي، يَرُدُّونَ بها صِفَاتِ اللهِ، ويُبَدِّلُونَ بها كَلاَمَه؛ لكَانَ مَا ذَكَرَ اللهُ من ذلك في كتابه كَافِيًا لجميع الأمة، مَعَ أَنَّهُ كَمِلٌ (٢) شَافٍ، إلا لمتأولِ ضَلاَلٍ، أو مُتَّبِع رِيبَةٍ، فحين رَأَيْنَا ذلك أَلَّفْنَا هذه الآثار عن رسول الله - ﷺ -، وأصحابه، والتابعين مِنْ بَعْدِهِم؛ لِيَعْلَمَ مَنْ بَقِيَ مِنْ النَّاسِ أَنَّ [مَنْ] (٣) مَضَى مِنَ الأُمَّةِ لم يَزالوا يقولون في ذلك كما قال الله - ﷿ -، لا يَعْرِفُونَ له تَأْوِيلا غَيْرَ مَا يُتْلَى مِنْ ظاهره أنه كلامُ الرَّحمنِ ﵎، حتَّى نَبَغَ هؤلاءِ الذين اقتربوا (٤) لرد كتاب الله - ﷿ -، وتَعْطِيلِ كَلامِهِ وصفاته المقدسة بهذه
_________________
(١) هذا إسناد حسن، سعيد بن بشير، وإن كان تكلم فيه بعض أهل العلم، لكنا نعتمد ما نقله المصنف عن دحيم، حيث قال: «كان مشيختنا يقولون: هو ثقة، لم يكن قدريا»، وقال البخاري: «يتكلمون في حفظه، وهو يحتمل»، وقال ابن عدي: «الغالب على حديثه الاستقامة، والغالب عليه الصدق» وقال شعبة أيضا: صدوق، هذا وقد توبع؛ تابعه أوثق الناس في قتادة، ألا وهو سعيد بن أبي عروبة، كما أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير (٢١/ ٤٧٩)، عن بشر بن معاذ العقدي، عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، به، وهذا إسناد حسن أيضا، بشر العقدي صدوق كما قال أبو حاتم الرازي.
(٢) كذا في الأصل.
(٣) ما بين معقوفين ليس في الأصل وكُتِب في الحاشية، وكُتِبَ فوقه لعله.
(٤) كذا في الأصل، والذي يبدوا لي أنها «افتروا» لاسيما وقد يظهر أن الناسخ قد ضرب على إحدى نقطتي القاف، وكذلك كلمة اقتربوا لا ألفيها ذات معنى جيد في هذا السياق، على عكس الكلمة التي نظنها، والله أعلم.
[ ١٦٢ ]
الأغلوطات، التِي لو ظَهَرَتْ على عَهْدِ رسولِ الله - ﷺ - وأصحابه؛ ما كان سَبِيلُ مَنْ يُظْهِرُهَا بَيْنَهُم إلا كسبيلِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، أَولُهَا هذه الكلمة الملعونة، التِي فارقوا بها جميعَ أهلِ الصلاة فقالوا: كلامُ اللهِ مخلوقٌ، والحُجَجُ عليهم، مِنْ رَدِّ ما أَتَوْا به، ما ذكرنا من كتاب الله، وَرَوَيْنَا مِن آثارِ رسولِ الله - ﷺ -، فَمَنْ بَعْدَهُ.
ثم عليهم حججٌ كثيرةٌ من الكلام والنظر، لا نُحِبُّ ذِكْرَ كَثِيرٍ منها تخوفًا (١) أن لا تحتملها قُلُوبُ ضُعفَاءِ النَّاسِ، ولكن يَكْفِي مَنْ نَظَرَ فيما ذكرنا من كتاب الله - ﷿ - وروينا من هذه الآثار؛ أَنْ يَعْلَمَ أنَّ مخالفةَ هؤلاء لِلأُمةِ قَديمًا وحَدِيثًا، فيقول لهم: وجَدنا اللهَ تعالى، ورسوله - ﷺ -، والأمةَ بَعدَهُ؛ سَمُّوهُ كلامَ اللهِ، وزعمتم أنتم أنه خَلْقُ اللهِ، فكفى بهذا مخالفة لله ولرسوله ولِلْأُمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ.
أَوَ آثارٌ تُوَافِيهِ (٢)؟ بِكِتَابٍ نَاطِقٍ، أو أَثَرٍ عَنْ رسولِ الله - ﷺ -، أو أَحَدٍ من أهل العلم، أنه مخلوق، ولنْ تأتوا به أبدًا، وكيف تَأثُرُونَ الكُفْرَ عن رسول الله - ﷺ - وأصحاب رسول الله - ﷺ - وأهل الإسلام بعدهم؟!
فَذَهبَ بَعْضُهُم يحتج بتفاسيرٍ مقلوبة، وبمعانٍ لا أصلَ لها مِنْ كِتَابٍ ولا سُنَّةٍ، ولا إِجماعٍ، إلا الكفر يَقِينًا.
قُلتُ لبعضهم: دَعُوا هذه الأغلوطات، التِي نحنُ بها أَعْلَمُ مِنْكُم، ولن يُنْزِلَكُم اللهُ من كتابه بالمنزلةِ التِي يُعْتَمَدُ فيها على تَفْسِيرِكُم، أو يُقْبلُ فيها شيءٌ من آرائكم، وقد أتيناكم به مَنْصُوصًا عن الله، وعن رسوله، وعن الأمة بأجمعها؛ أنه كلامُ اللهِ حقًّا، فَهَاتُوا عن أَحَدٍ مِنهُم منصوصًا، أَنَّهُ خَلْقُ اللهِ كما
_________________
(١) زاد هنا في المطبوعة كلمة «من» ثم علق قائلا زيادة يقتضيها السياق! ولا أدري أي سياق الذي اقتضى هذه الكلمة التي ليست من الأصل، والسياق كما ترى لاحب لا لبس فيه.
(٢) قوله «أَوَ آثارٌ توافيه» في المطبوعة «أو أئتوا فيه» وما أثبتناه من الأصل، والفرق بين الأسلوبين واضح!
[ ١٦٣ ]
ادَّعَيْتُم، وإلا فَأَنْتُم المفَارِقُونَ لجماعةِ المسلمينَ قديمًا وحديثًا، الملحِدُونَ في آيات الله، المُفْتَرونَ على اللهِ، وعَلَى كِتَابِهِ، ورسولِهِ، ولَنْ تَأتُوا عن أَحدٍ مِنْهُم.
أَرَأَيْتُم قَوْلَكُم إنه مخلوق، فَمَا بَدْءُ خَلْقِهِ؟ قَالَ اللهُ لَهُ: كُنْ؛ فَكَانَ كلامًا قَائِمًا بنفسه بِلا مُتَكَلِّم به، فقد عَلِمَ النَّاسُ -إلا من شاء الله منهم- أن الله - ﷿ - لم يَخْلُقْ كَلامًا يُرَى ويُسْمَعُ بلا متكلم به، فَلابُد أن تقولوا في دعواكم: اللهُ المُتَكَلِّمُ بالقرآن، فَأَضَفْتُمُوهُ إلى الله، فهذا أَجْوَرُ الجَوْرِ، وأَكْذَبُ الكَذِبِ؛ أَنْ تُضِيفُوا كَلاَمَ المَخْلُوقِ إلى الخَالِقِ، ولو لم يَكُنْ كُفْرًا، كان كَذِبًا لا شك فيه، فكيف وهو كُفْرٌ لا شَكَّ فيه، لا يحقُّ لمخلوقٍ يُؤْمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ أن يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ، ويدعو الخَلْقَ إلى عِبَادَتِهِ، فيقول ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢] ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ [طه: ١٣] ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢)﴾ [طه: ٤١ - ٤٢] ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦] ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [يس: ٦٠ - ٦١].
قَد عَلِمَ الخَلْقُ -إلا مَنْ أَضَلَّهُ الله- أنه لا حَقَّ لأَحَدٍ أن يَقولَ هذَا، وما أَشْبَهَهُ، غَيْرُ الخَالِقِ، بَلِ القَائِلُ بِهِ والدَّاعِي إِلَى عِبَادَتِهِ -غَيْرُ اللهِ- كَافِرٌ كَفِرْعَوْنَ، الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤] والمجيبُ لهُ، والمؤمِنُ بِدَعْوَاه، أَكْفَرُ وأَكْذَبُ.
وإن قُلتُم إنه تَكَلَّمَ بِهِ مخلوقٌ، فَأَضَفْنَاهُ إلى الله؛ لأنَّ الخَلْقَ كُلَّهُم بِصِفَاتِهِم وكلامهم لله، فهذا المُحَالُ الذي ليسَ ورَاءه محال، فَضْلًا على أن يكون كُفْرًا؛
[ ١٦٤ ]
لأن الله - ﷿ - لم يَنْسِبْ شَيْئًا من الكلامِ كُلِّهِ إلى نفسه أنه كَلاَمُهُ غَيْرَ القُرآنِ، وما أنزل على رسله، فإن قَد تَمَّ كَلاَمُكُم ولزمتموه؛ لَزِمَكُم أنْ تُسَمُّوا شِعرًا، وجميعِ الغِنَاءِ والنَّوْحِ وكَلاَمِ السِّبَاعِ والطَّيْرِ والبَهَائِم؛ كلامَ اللهِ، فهذا ما لا يختلفُ المُصَلُّونَ في بُطُولِهِ واستِحَالَتِهِ، فَمَا فَضْلُ القرآنِ إذًا عِنْدَكُم علَى الغِناءِ والنوحِ والشعرِ، إِذْ كَانَ كُلُّه -في دعواكم- كَلامَ اللهِ؟!
فكيف خُصَّ القُرآنُ بِأَنَّهُ كلام الله، ونُسِبَ كُلُّ كلامٍ سِوَاهُ إلى قَائِلِه، فَكَفَى بِقَوْمٍ ضَلالًا؛ أن يَدَّعُوا دَعْوَى لا يَشُكُّونَ (١) الموحِّدُونَ في بطوله واستحالته.
ومما يزيدُ دعواكُم تكذيبًا واستحالةً، ويزيدُ المؤمنينَ بِكلامِ الله إيمانًا وتصديقًا؛ أن الله - ﷿ - قد مَيَّزَ بَيْنَ مَنْ كَلَّمَ مِنْ رُسُلِهِ (٢) وبين مَنْ لم يُكَلِّم، ومَنْ يُكَلِّمُ مِنْ خَلْقِهِ في الآخرة، ومَنْ لم يُكَلِّم، فقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فَمَيَّزَ بين من اختصَّهُ بكلامِهِ، وبين مَنْ لم يُكَلِّمْهُ، ثم سَمَّى ممن كَلَّمَ؛ موسى فقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤]، فلو لم يكلمه بنفسه إِلا عَلى تَأْوِيلِ ما ادَّعَيْتُم، فما فَضْلُ ما ذَكَرَ اللهُ مِنْ تَكْلِيمِهِ إِيَّاهُ على غيره ممن لم يكلمه؟! إِذْ كُلُّ الرُّسُلِ في تكليم الله إياهم مثل موسى، وكُلٌّ عندكم لم يسمع كلام الله.
فهذا محالٌ مِنَ الحُجَجِ، فضلا أن يكون ردًّا لكلام الله، وتكذيبًا لكتابه،
_________________
(١) الأشهر «يشك» والمثبت من الأصل؛ صحيح شائع، وهو على لغة «يتعاقبون فيكم ملائكة» أو «أكلوني البراغيث».
(٢) زاد هنا في المطبوعة «في الدنيا»؛ أوَ يُفهم غير ذلك، أم أن القيامة قد قامت وما عندنا بذلك خبر!
[ ١٦٥ ]
ولم يقل ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾، إلا وأن حالتيهما مختلفتان في تكليم الله إياهم، فمما يزيد ذلك تحقيقًا قوله: ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧٧] يعنى يوم القيامة.
ففي هذا بَيَانٌ بَيِّنٌ أنه لا يُعَاقِبُ قومًا يومَ القيامةِ بِصَرْفِ كَلامِهِ عَنْهُم، إلا وأَنَّهُ مُثِيبٌ بِتَكْلِيمِهِ قَوْمًا آخَرينَ.
ثم قد مَيَّزَ رسولُ الله - ﷺ - من يُكَلِّمُهُ الله يوم القيامة، وبين من لا يكلمه، فمن ذلك ما روينا في هذا الباب عن عَدِيِّ بنِ حَاتم عن النبي - ﷺ - قال: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة».
والحديث الآخر ما روينا عن أَبِي ذَرٍّ - ﵁ - قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة».
ففي هذين الحديثين أيضًا بيان بَيِّن على نفس كلام الله - ﷿ -، أنه يُكَلِّمُ أقوامًا، ولا يُكَلِّمُ آخرين، ولو كان كما ادَّعيتُم؛ كان المُثابُ بكلامِ الله، والمُعَاقَبُ بهِ المصروف عنه سواءٌ عندكم، ألا ترى أن أبا ذَرٍّ سَأَلَ رسولَ اللهِ - ﷺ - عن آدمَ صلوات الله عليه، أَنَبِيًّا كان؟ قال: نعم مُكَلَّمًا، فهذا يُنْبِئُكَ أَنَّهُ أرادَ نَفْسَ كلامِ الله، لا كلام من سِواه.
ولو كان مُكَلَّمًا بكلامِ المخلوقِينَ في دعواكم، لم يكن فيه كَبِيرُ فَضِيلةٍ لآدمَ على غيره من الخلق؛ لأن عَامَّةَ الخَلْقِ يُكَلِّمُ بَعْضُهُم بَعضًا فهم مُكَلَّمُونَ، فما فضلُ آدم في هذا عندكم على من سواه من ذريته؟! وقد قال ﵎: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧].
* * *
[ ١٦٦ ]