قال الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١].
(٥٢) حدثنا عليُّ بن المَدِيِنيِّ، حدثنا موسى بن إبراهيم بن كَثِيرِ بنِ بَشِيرِ بنِ الفَاكِهِ الأنصاريُّ ثم السُّلَمِيُّ، قال: سمعتُ طَلْحَةَ بنَ خِرَاشِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ خِرَاشِ بنِ الصِّمَّة الأنصاري ثم السُّلَمِي يقول: سمعتُ جابرَ بنَ عبد الله؟ يقول: نظر إِلَيَّ رسولُ الله - ﷺ - فقال:
«يا جابر! ما لي أراك مُهْتَمًّا قال قلت: اسْتُشْهِدَ أبي، وتَرَكَ دَيْنًا عليه وعِيَالًا، فقال: ألا أخبرك، ما كَلَّمَ اللهُ أحدًا قَطُّ إِلا من وَرَاءِ حجاب، وكلَّم أباك كِفَاحًا، فقال يا عبدي! تَمَنَّ عليَّ أُعْطِك،» (١). وسَاقَ عَلِيٌّ الحَدِيثَ.
(٥٣) حدثنا عَمرُو بنُ عون الوَاسِطِيُّ، أخبرنا هُشَيْمٌ، عن داودَ، عن الشَّعْبِيِّ قال: حدثنا مَسْرُوقٌ قال: «بَيْنَا أنا عند عائِشَةَ أمِّ المؤمنين فقالت: يا أبا عائشة! من زَعَمَ أن محمدًا رأى ربَّه فقد أَعْظَمَ على الله الفِرْيَةَ، وتلت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١]» (٢).
_________________
(١) حسن، أخرجه الترمذي (٣٠١٠) وقال حسن غريب، وابن ماجه (١٩٠)، والحاكم (٣/ ٢٠٤) وصححه، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٩٦)، وفي السنة (٦٠٢)، وغيرهم، من طريق موسى بن إبراهيم بن كثير، به. وموسى صدوق كما ذكر الحافظ، وذكره ابن حبان في الثقات وقال «كان ممن يخطئ»، فحديثه حسن إن شاء الله تعالى، لاسيما وقد رواه عنه غير واحد من كبار أهل الحديث كما ذكر الترمذي ﵀، وسيأتي الحديث بتمامه رقم (١٣٩).
(٢) صحيح، رجاله ثقات، غير أن هشيم بن بشير على جلالته كان مدلسًا، لكن تابعه عليه الثقة الحافظ إسماعيل بن علية؛ أخرجه مسلم (١٧٧)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٥٤٨)،= = ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (٩٣٢)، وتابعه أيضا الثقة الحافظ عبد ربه بن سعيد، كما عند ابن حبان (٦٠)، والثقة المتقن يزيد بن هارون، كما عند ابن منده في الإيمان (٧٦٣)، وإسحاق بن يوسف بن مرداس، كما عند الترمذي (٣٠٦٨).
[ ٧٣ ]
(٥٤) حدثنا عثمان بن أبي شَيْبَةَ، حدثنا جَرِيرٌ، عن الأَعْمَشِ، عن عَمرو بن مُرَّةَ، عن أبي عُبَيْدَةَ، عن أبي موسى - ﵁ - قال: قِامِ فِينَا رسولُ اللهِ - ﷺ - بِأَرْبَع كَلِمَات، فقال:
«إِنَّ اللهَ لا يَنَامُ، ولا ينبغِي له أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ القِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِليهِ عَمَلُ الليلِ قَبْلَ النَّهارِ، وعملُ النهار قبلَ الليل حِجَابُهُ النُّورُ، لو كَشَفَهَا؛ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كلَّ شيءٍ أَدْرَكَه بَصَرُهُ» (١).
(٥٥) حدثنا محبُوبُ بنُ موسى الأَنْطَاكِيُّ، أخبرنا أبو إسحاق الفَزَارِي، عن سُفْيَان، عن عُبَيْدٍ المُكْتِب، عن مجاهد، عن ابن عمر؟ قال: «احْتَجَبَ الله مِنْ خَلْقِهِ بأربع، بنارٍ وظُلْمَة، ونورٍ وظُلمة» (٢).
(٥٦) حدثنا موسى بن إسماعيل أبو سَلَمَةَ، حدثنا حماد وهو ابن سلمة، قال: أخبرنا أبو عمران الجَوْنِي، عن زُرَارَةَ بنِ أَوْفَى، أن النبيَّ - ﷺ -:
«سأل جبريل، هل رأيت ربك؟ فانتفض جبريل، وقال: يا محمد! إن بيني وبينه سَبعِين حِجَابًا مِنْ نُورٍ، لو دَنَوتُ من أَدنَاهَا حِجَابًا (٣) لاحْتَرَقْتُ» (٤).
_________________
(١) صحيح، تقدم برقم (٤٧).
(٢) صحيح لغيره، محبوب بن موسى قال الدارقطني: «صويلح ليس بالقوي» كما نقل ذلك الحافظ في التهذيب، لكن للأثر طرق أخرى في غاية القوة، فقد أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٢٠)،والبيهقي في الأسماء والصفات (٦٩٩)، من طريق يزيد بن هارون، وابن أبي زمنين في السنة (٤٢)، من طريق وكيع بن الجراح، وأبو الشيخ في العظمة (٢٦٨)، وابن بطة في الإبانة (٣/ ٣٠١)، من طريق عبد الرحمن بن مهدي، ثلاثتهم، عن سفيان الثوري، به.
(٣) حذفها في المطبوعة من المتن وذكرها في الحاشية!!
(٤) مرسل، أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٢/ ٦٧٧)، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة = = في العرش (٧٧)، وابن أبي زمنين في السنة (٤٠)، وله شاهد موصول من حديث أنس عند الطبراني في الأوسط (٦٤٠٧)، إلا أنه ضعيف.
[ ٧٤ ]
قال أبو سعيد: من يُقَدِّر قَدْرَ هذه الحُجُب التي احْتَجَبَ الجَبَّارُ بها، ومن يَعْلمُ كَيْفَ هي غَيرُ الذي أَحَاطَ بِكلِّ شيءٍ عِلمًا، وأَحْصَى كُلَّ شيءٍ عددًا.
ففي هذا أيضًا دَلِيلٌ أنَّهُ بائِنٌ من خَلْقِهِ، مُحْتَجِبٌ عنهم، لا يَسْتَطِيعُ جِبْرِيلُ -مع قُرْبِهِ إِلَيْهِ- الدُّنوَّ مِنْ تِلْكَ الحُجُبِ، وليس كما يقول هؤلاء الزائغة: إنه معهم في كل مكان، ولو كان كذلك ما كان للحُجُبِ هُناكَ معنى؛ لأَنَّ الذي هو في كل مكان، لا يَحْتَجِبُ بِشَيءٍ مِنْ شَيءٍ، فَكَيْفَ يَحْتَجِبُ مَنْ هو خَارِجُ الحِجَابِ كما هو مِنْ وَرَائِهِ!
فليس لقول الله - ﷿ - ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] عند القوم مِصْدَاق، والآثارُ التي جَاءَتْ عن رسُولِ الله - ﷺ - في نزولِ الربِّ -﵎- تَدُلُّ على أن الله - ﷿ - فوق السماواتِ على عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ.
* * *
[ ٧٥ ]