قال أبو سعيد ﵀: نَاظَرَنِي رَجُلٌ بِبَغْداد، مُنَافِحًا عن هؤلاءِ الجهمية فَقَال لِي: بأيةِ حُجَّةٍ تُكَفِّرُونَ هؤلاءِ الجَهمية، وقَدْ نُهِىَ عَنْ إِكْفارِ أَهْلِ القِبْلَةِ؟ بِكِتَابٍ نَاطِقٍ تُكَفِّرُونَهُم؟ أَم بِأَثَرٍ، أَمْ بِإجماعٍ؟
فقلت: ما الجَهْمِيَّةُ عِندنَا مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ، ومَا نُكَفِّرُهُم إلا بِكتابٍ مَسْطُورٍ، وأَثَرٍ مَأْثُورٍ، وكُفْرٍ مَشْهُورٍ.
أما الكتابُ؛ فما أخبرَ اللهُ - ﷿ - عن مُشرِكِي قُريش، مِنْ تكذيبهم بالقرآن، فكان مِنْ أَشَد ما أخبر عنهم من التكذيب؛ أنهم قالوا: هو مخلوقٌ، كما قالتِ الجهمية سواء، قال الوحيد وهو الوليدُ بنُ المُغِيْرَةَ المخْزُومِيُّ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥] وهذا قَولُ جَهْم، إن هذا إلا مخلوق، وكذلك قَولُ مَنْ يَقُولُ بِقَوْلِهِ.
وقَوْلُ مَنْ قَال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ [الفرقان: ٤]، و﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾ [الأنعام: ٢٥]، و﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ [ص: ٧]، معناهم في جميع ذلك ومعنَى جَهم في قوله؛ يَرجِعَانِ إلى أَنَّهُ مخلوق، ليس بينهما فيه مِنَ البَوْنِ كَغَرْزِ إِبْرَةٍ، ولا كَقِيسِ شَعْرَةٍ، فَبِهَذا نُكَفِّرُهُم، كما أكفر الله به أَئِمَّتَهُم من قُرَيْشٍ، وقال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ [المدثر: ٢٦] إِذْ قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥]؛ لأنَّ كُلَّ إِفْكٍ، وتَقَوُّلٍ، وسِحْرٍ، واخْتِلاَقٍ، وقولِ البَشَرِ كُله لا شَكَّ في شيءٍ منه أنه مخلوق، فاتَّفَقَ مِنَ الكُفْرِ -بَيْنَ الوليد بن المغيرة، وجهم بن صفوان- الكَلِمة، والمراد في القرآن أنه مخلوق، فهذا الكِتَابُ النَّاطِقُ في إِكْفَارِهِم.
[ ١٧٩ ]
وأما الأثر فيه:
(١٨٧) فما حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، عن حماد بن زَيْدٍ، وجَرِير بن حازِم، عن أَيُّوبَ، عن عِكْرِمَةَ، أَنَّ عَليَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ -، أتَى بِقَوْمٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ فَحَرَّقَهُم، فَبلغَ ذَلك ابنَ عَبَّاسٍ؟ فقال: أَمَّا أَنَا فَلَو كُنْتُ لَقَتَلْتُهُم؛ لقولِ رسولِ اللهِ - ﷺ -:
«مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ، فَاقْتُلُوهُ». ولَمَا حَرَّقْتُهُم؛ لِنَهيِ رَسولِ اللهِ - ﷺ -:
«لاَ تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ» (١).-زاد سليمانُ في حديثِ جَرِيرٍ- فَبَلَغَ عَليًّا ما قال ابنُ عَبَّاسٍ - ﵃ -، فقال: «وَيْحَ ابنِ أُمِّ الفَضْلِ! إنه لَغَوَّاصٌ عَلَى الهَنَاتِ» (٢).
قال أبو سعيد: فَرأَيْنَا هؤلاءِ الجهمية أَفَحَش زَنْدَقَةٍ، وأَظْهَر كُفْرًا، وأقبح تأويلا لكتاب الله وَرَدَّ صِفَاتِهِ- فيما بلغنا- عَن هؤلاءِ الزنادقة الذين قَتَلَهُم عَلِيٌّ - ﵇ - وحَرَّقَهُم.
فَمَضَتِ السُّنةُ مِن عَليٍّ وابنِ عبَّاسٍ؟ فِي قَتْلِ الزنادقة؛ لِمَا أَنها كُفْرٌ عندهما، وأنهم عندهما ممن بَدَّلَ دِينَ اللهِ، وتَأَوَّلا في ذلك قَولَ رسولِ اللهِ - ﷺ -، ولا يجبُ على رَجلٍ قَتْلٌ في قول يقوله، حتَّى يكونَ قَوْلُه ذلك كفرًا، لا يجب فيما دون الكفر قَتْلٌ، إلا عُقُوبَة فقط، فذاك الكِتَابُ في إكفارهم، وهذا الأَثَرُ.
ونُكفرهُم أيضًا بكفر مشهور؛ وهو تكذيبهم بنص الكتابِ، أخبرَ
اللهُ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٠١٧)، وأبو داود (٤٣٥٣)، والترمذي (١٤٥٨)، والنسائي (٧/ ١٠٤)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٠٢)، وغيرهم من طرق عن أيوب، به، دون الزيادة.
(٢) أخرجه بهذه الزيادة الفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٢٨١)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٠٢).
[ ١٨٠ ]
﵎ أَنَّ القرآنَ كلامه، وادَّعت الجهمية أنه خَلْقُه، وأخبر الله ﵎ أَنَّه كَلَّمَ موسَى تَكليمًا (١)، وقال هؤلاء لم يُكَلِّمْهُ اللهُ بنفسه، ولم يسمع موسى نَفْسَ كلامِ اللهِ، إنما سمع كلامًا خرج إليه من مخلوق، ففي دعواهم؛ دعَا مخلوقٌ مُوسَى إلى ربوبيته فقال: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] فقال له موسى -في دعواهم-: صدقت، ثم أَتَى فِرْعَوْنَ يَدعُوهُ أن يجيبَ إلى ربوبيةِ مَخْلُوقٍ، كما أجاب موسى-في دعواهم- فما فَرْقُ بين موسى وفرعونَ في مذهبهم في الكفر؟ إذًا فَأَيُّ كُفْرٍ بِأَوْضَح (٢) مِن هَذَا؟!.
وقال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠] وقال هؤلاء: ما قال لشيءٍ قَط قَولا وكلامًا كُن فكان، ولا يقوله أبدًا، ولم يخرج منه كلامٌ قط، ولا يخرج، ولا هُو يَقْدِرُ على الكَلامِ -في دعواهم- فَالصَّنَمُ -في دعواهم- والرَّحمَنُ بمنزلةٍ واحدةٍ في الكلام، فَأَيُّ كُفْرٍ بأوضح من هذا؟!.
وقال الله ﵎: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] و﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] و﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦] وقال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠].
قال هؤلاء: ليس لله يَد، وما خلق آدمَ بيديه، إنما يَدَاهُ نِعْمَتَاهُ ورِزْقَاهُ، فادَّعوا في يدي الله أَوْحَشَ مما ادَّعَتْه اليَهُودُ ﴿قَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] وقالت الجهمية: يد الله مخلوقة؛ لأن النعم والأرزاق مخلوقة لا شك فيها، وذاك محالٌ في كلام العرب، فضلا أن يكون كفرًا؛ لأنه يستحيلُ أَنْ يُقال: خلق
_________________
(١) سقط حرف اللام من الناسخ في الأصل، فكتبها «تكيما».
(٢) كذا في الأصل.
[ ١٨١ ]
آدم بنعمته ويستحيل أن [يقال] (١) في قول الله ﵎: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾، بنعمتك الخير؛ لأن الخيرَ نَفْسَه، هو النِّعَمُ نَفْسُهَا، ومستحيلٌ أن يقال في قول الله - ﷿ -: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾؛ نعمةُ اللهِ فوق أيديهم، وإنما ذكرنا ها هنا اليد، مع ذكر الأيدي في المبايعة بالأيدي فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠]، ويستحيل أن يقال ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] نعمتاه، فكأن ليس له إلا نعمتان مبسوطتان، لا تُحْصَى نِعَمُهُ ولا تُسْتَدْرَك، فلذلك قلنا: إن هذا التأويل؛ محالٌ من الكَلامِ فضلًا أن يكون كفرًا.
ونكفرهم أيضا بالمشهور مِنْ كفرهم، أنهم لا يُثْبِتُونَ لله ﵎ وجهًا ولا سمعًا ولا بصرًا ولا عِلْمًا ولا كلامًا ولا صِفَةً، إلا بِتَأْويِلِ ضُلاَّلٍ افْتَضَحُوا وتَبَيَّنَتْ عَوَرَاتُهُم، يقولون: سمعُهُ، وبَصَرُهُ، وعِلْمُهُ، وكَلاَمُهُ؛ بمعنًى واحدٍ، وهو بنفسه في كل مكان، وفي كل بيت مغلق، وصُنْدُوقٍ مُقْفَل، قد أحاطتْ بِهِ -في دعواهُم- حِيطَانُها وَأَغْلاقُهَا وأَقْفَالهُا، فإِلَى اللهِ نَبْرَأُ مِن إلهٍ هِذِه صِفَتُهُ، وهَذَا أيضًا مَذْهَبٌ واضِحٌ في إِكْفَارِهِم.
ونُكَفِّرُهُم أيضًا؛ أنهم لا يدرون أين الله، ولا يصفونه بِأَيْنَ الله، واللهُ قد وصَفَ نَفْسَه بأين، ووصفه به الرَّسُولُ - ﷺ -.
فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] و﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] و﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك:١٦]،ونحو هذا، فهذا كُلُّه وصفٌ بِأَيْنَ.
_________________
(١) ما بين معقوفين زيادة ليست في الأصل اقتضاها السياق.
[ ١٨٢ ]
ووصَفَه رسولُ اللهِ - ﷺ - بأين، فقال للأمة السوداء: «أين الله؟» قالت: في السماء، قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها؛ فإنها مؤمنة» (١).
والجَهميةُ تَكْفُرُ بِهِ، وهذا أيضًا مِن واضِحِ كُفْرِهِم، والقُرآنُ كُلُّهُ يَنْطِقُ بِالرَّدِّ عَليهم، وهم يعلمون ذلك أو بعضهم، ولكن يُكَابِرونَ، ويُغَالِطُونَ الضُّعفاءَ، وقد علموا أنه ليس مِنْ حُجَّةٍ أَنْقَضُ لِدعوَاهُم مِنَ القُرآنِ، غيرَ أَنهم لا يجدون إلى رَفْعِ الأصلِ سَبيلا؛ مخافةَ القَتْلِ والفَضيحة، وهم عند أنفسهم، بما وصَفَ اللهُ بِهِ فِيه نَفْسَهُ، جَاحِدونَ، قَدْ نَاظَرْنَا بَعضَ كُبَرائِهِم، وسمعنَا ذلك مِنْهُم مَنصوصًا مُفَسَّرًا.
ويقصدون أيضًا بعبادتهم إِلَى إِلَهٍ تحتَ الأَرضِ السُّفْلى، وعلى ظَهْرِ الأرضِ العُلْيَا، ودون السماء السابعة العُليَا، وإِلَهُ المُصَلِّينَ مِنَ المؤمنينَ الذين يَقْصِدُونَ إليه بعبادتهم؛ الرَّحمن الذي فوق السماء السابعة العُليَا، وعلى عرشه العظيمِ استوى، وله الأسماءُ الحُسْنَى، تبارك اسمه وتعالى، فَأَيُّ كُفْرٍ أوضحَ مما حَكَيْنَاهُ عَنْهُم، من سُوءِ مذاهبهم، ما زاد مَانِي، وشمعلةُ (٢)؛ الزنديقان.
قال أبو سعيد: فقالَ لي المُنَاظِرُ الذي ناظرنِي: أَرَدتُ إِرَادة مَنصوصة في إِكفارِ الجهمية باسمهم، وهذا الذي رَوَيت عن علي - ﵁ -؛ في الزنادقة!
فقلت: الزنادقةُ والجهميةُ أَمرُهما واحِدٌ، ويرجعانِ إلى معنَى واحد، ومرادٍ واحد، وليس قَوْمٌ أشبه بقوم منهم، بعضهم ببعض، وإنما يُشَبَّهُ كُلُّ
_________________
(١) تقدم مسندًا برقم (١٨، ١٩، ٢٠).
(٢) ماني وشمعلة: شخصان، الأول هو: ماني بن فاتك كان مجوسيا، ثم أحدث دينا بين المجوسية والنصرانية، وإليه تنسب ملة المانوية، وأما شمعلة؛ فهو: اسم أحد رؤوس الزنادقة وقد قتله الخليفة المهدي.
[ ١٨٣ ]
صِنْفٍ وجِنْسٍ بجنسهم وصِنْفِهِم، فقد كان يَنْزِلُ بعضُ القُرآنِ خاصًا في شيءٍ فَيكونُ عامًا في مِثْلِهِ، وما أَشْبَهَهُ، فلم يَظْهَرْ جَهْمٌ وأَصحَابُ جَهْمٍ في زمنِ أصحابِ رسولِ اللهِ - ﷺ - وكِبَارِ التَّابعين؛ فَيُروى عَنْهُم فِيهَا أَثَرٌ منصوص مُسمَّى، ولو كانوا بَيْن أَظْهُرِهِم مظهرين آرَاءَهُم لَقُتِلُوا كما قَتَلَ عَلِيٌ - ﵁ - الزنادقة التِي ظَهَرتْ في عصره، ولَقُتِلوا كما قُتِلَ أَهلُ الرِّدَّة، ألا ترى أَنَّ الجَعْدَ بنَ دِرْهَم أظهرَ بعضَ رأيِهِ في زَمنِ خَالد القَسْرِي، فزعم أن الله ﵎ لم يَتَّخِذْ إِبراهيمَ خَليلًا، ولم يُكَلِّم موسى تكليمًا، فَذَبحهُ خالدٌ بِوَاسِط يَومَ الأَضْحَى على رُؤوسِ مَن حَضَرهُ من المسلمين، لم يَعِبْه به عَائِبٌ، ولم يَطْعَنْ عَليه طَاعِنٌ، بل استحسنوا ذلك مِنْ فِعْلِهِ وصَوَّبُوه، وكذلك لو ظَهَر هؤلاءِ في زَمَنِ أصحابِ رسولِ الله - ﷺ -، وكبارِ التابعين، ما كان سَبِيلُهُم عند القَوْمِ إِلا القَتْل، كسبيل أهلِ الزندقة، وكما قَتَلَ عليٌ - ﵁ - مَنْ ظَهَرَ مِنْهُم في عَصْرِهِ، وأَحْرَقَهُ، وظَهَرَ بَعْضُهُم بالمدينةِ في عهد سَعد بنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ - ﵁ -؛ فأشاروا عَلَى والِي المدينة يومئذ بِقَتْلِه.
ويكفي العَاقِل مِن الحُجَجِ في إكفارهم ما تَأَوَّلنَا فيه من كتاب الله، وَرَوَيْنَا فيه عَنْ عَليٍّ وابنِ عَبَّاس؟،ومَا فَسَّرنا مِنْ واضِحِ كُفرِهِم وفُحْشِ مَذَاهِبِهِم شيئًا شَيئًا، فَأَمَّا إِذْ أَبَيْتُم أَن تَقْبَلُوا إلا المنصوصَ فيهم، المقصودَ بها إليهم بِجُلاهم وأسمائهم، فسنروي ذلك عن بعض من ظهر ذلك بين أَظْهُرِهِم من العلماء.
(١٨٨) حدثَنِي محمدُ بنُ المُعْتَمِر السَّجِسْتَانِيُّ أبو سَهْلٍ -وكان مِنْ أَوثَقِ أَهلِ سَجِسْتَان وأَصْدَقِهِم-، عن زُهَيْر بنِ نُعَيم البَابِي، أَنَّهُ سَمِعَ سَلاَّمَ ابنَ أَبِي
[ ١٨٤ ]
مُطيع يقول: «الجَهْمِيَّةُ كُفَّارٌ» (١).
(١٨٩) وسَمِعْتُ محمدَ بنَ المُعْتَمِر يقول: سمعتُ زُهَيرَ بْنَ نُعيمٍ يقول: سُئِل حمَّادُ بنُ زيدٍ وأَنَا مَعَهُ في سُوقِ البَصْرَةِ عَن بِشْر المَرِيسِي؟ فقال: ذَاكَ كَافِرٌ (٢).
(١٩٠) قال أبو سعيد: وبَلَغَنِي عَنْ يَزِيدَ بنِ هَارون أَنَّهُ قال: «الجَهْمِيَّةُ كُفَّار، وقال حَرَّضْتُ غَيرَ مَرةٍ أَهلَ بَغداد عَلَى قَتْلِ المَريِسِي» (٣).
(١٩١) حدثنا يحيَى الحِمَّانِي، حدثنا الحسنُ بنُ الرَّبِيع قال: سمعتُ ابنَ المبَارَكِ يقول: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَولَهُ؛ ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه: ١٤]، مخلوق فهو كَافِرٌ» (٤).
(١٩٢) سَمِعتُ محبوبَ بنَ موسى الأَنْطَاكِي يَذْكُر أَنّهُ سمع وَكِيعًا يُكَفِّرُ الجَهْمِيَّةَ (٥).
_________________
(١) صحيح، أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٩)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٥١٧)، من طريق أحمد بن إبراهيم الدورقي، عن نعيم، به، ونعيم حسن الحديث ما لم يخالف. وقد قال محقق المطبوعة «زهير بن محمد ذكره ابن حجر في التهذيب ولم يورد له موثقا ولا مجرحا، فهو بذلك مجهول»!!، قلت: أما ابن حجر نفسه فلم يصفه بالجهالة، وقد روى عنه الفلاس، والدَّوْرقي، وعارم، وعبد الله بن محمد بن أبى الأسود أبو بكر الحافظ، ومحمد بن يحيى القطان، وغيرهم من الحفاظ، أفلا ترتفع جهالته بكل هؤلاء، وأزيدك توثيقا له؛ قال عبد الله بن أحمد في السنة (٩)، عنه: «ثقة».
(٢) صحيح، كسابقه وأخرجه المصنف أيضا في نقض المريسي (١٦١).
(٣) ضعيف لانقطاعه بين المصنف ويزيد بن هارون، وقد رواه موصولا الخطيب في التاريخ (٧/ ٥٤٠)، من طريق محمد بن يزيد، عن يزيد بن هارون، به.
(٤) إسناده ضعيف لأجل الحماني؛ متهم، وقد صح هذا المعنى عن ابن المبارك، وينظر السنة لعبد الله بن أحمد (١٩)، والثقات لابن حبان (٩/ ٦٥).
(٥) حسن، الأنطاكي صدوق، وقد ورد هذا المعنى عن وكيع من غير ما طريق وينظر السنة = = لعبد الله بن أحمد (١/ ١١٥، ١١٦).
[ ١٨٥ ]
قال أبو سعيد:
(١٩٣) وحُدِّثْتُ عن سُفْيانَ الثَّوْري، عن حمَّاد بنِ أَبِي سُليمان، أنهُ كَفَّرَ مَنْ زَعَم أَنَّ القرآنَ مخلوق (١).
(١٩٤) وسمعتُ يحيَى بنَ يحيَى يَقُولُ: القُرآنُ كَلامُ اللهِ، مَنْ شَكَّ فيه أَوْ زَعَمَ أَنَّهُ مخلوقٌ؛ فهو كَافِرٌ (٢).
(١٩٥) وسمعتُ الرَّبيعَ بنَ نَافِعٍ أَبَا تَوْبَةَ، يُكَفِّرُ الجهميةَ.
قال أبو سعيد: فَهؤلاءِ الذين أَكْفَرُوهُم في آخِرِ الزَّمَان، وعليُّ بنُ أَبِي طَالبٍ، وابنُ عَبَّاسٍ؟ في أَوْلِ الزَّمانِ، وأَنْزَلاهُم مَنْزِلةَ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ، فَاسْتَحَقُّوا القَتْلَ بِتَبْدِيلِهِ.
(١٩٦) حدثنا الحِمَّانِيُّ، حدثنا إِبرَاهِيمُ بنُ مَنصورٍ العَلاَّف -وأَثْنَى عَليه هُو وَمَنْ حَضَرَ المجلِسَ خيرًا- قال: لمَّا كَانَ أَيَّام المحنة فَأُخْرِجَ النَّفَرُ إلى المأمون، فَامْتُحِنُوا وَرُدُّوا؛ لَقِيتُ أَعْرابيًّا فقال لِي: أَلا أُحَدِّثُكَ عَجَبًا، قلت: ما ذَاَكَ؟ قال: رَأَيْتُ في المَنَامِ كَأَنَّ نَفَرًا؛ ثَلاثِينَ أو أَكْثَر، جِيءَ بهم مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ أو المَغْرِبِ، فَنَظَرتُ إِليهم، فَإِذَا بُطُونهم مُشَقَّقَة ليسَ في أَجوافِهِم شَيءٌ، فقيل: هَؤلاءِ الذين كَفَرُوا بِالقُرآنِ، والأَعَرَابِيُّ لا يَدرِي مَا المِحْنَة، ومَا سَبَبهم.
_________________
(١) ضعيف لانقطاعه بين المصنف، والثوري، وأخرجه موصولا البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٢٧)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٢٣٩)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٣٩٣).
(٢) تابع المصنف على معناه؛ محمودُ بنُ غيلان، كما أخرجه اللالكائي في شر أصول الاعتقاد (٤٤٧).
[ ١٨٦ ]
(١٩٧) حدَّثَنا الزَّهْرانِي أَبُو الرَّبِيع قال: كَانَ مِنْ هَؤلاءِ الجهمية رَجَلٌ وَكَانَ الذي يَظْهَرُ مِنْ رَأْيِهِ التَّرَفُّضُ، وانتِحَالُ حُبِّ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ -، فَقَال رَجَلٌ ممن يخَالِطُهُ ويَعْرِفُ مَذْهَبَهُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُم لا تَرْجِعُون إلى دِينِ الإسلامِ ولا تَعْتَقِدُونَهُ، فما الذي سَنَّنَكُم (١)
عَلَى التَّرَفُّضِ وانْتِحَالِ حُبِّ عَلِيٍّ؟ قَال: إذًا أَصْدُقُكَ، إِنَّا إِنْ أَظْهَرْنَا رَأْيَنَا الذي نعتقده؛ رُمِينَا بِالكُفْرِ والزندقة، وقد وجدنا أقوامًا ينتحلونَ حُبَّ عَلِيٍّ ويُظهِرونَه، ثم يَقَعُونَ بمن شَاءُوا، ويعتقدون ما شَاءوا، ويقولون ما شاءوا، فَنُسِبُوا بذلك إِلَى التَّرَفضِ والتَّشَيُّعِ، فلم نَر لمذهبنا أمرًا أَلْطَفَ مِنَ انتحَالِ حُبِّ هَذا الرَّجُل، ثم نقولُ ما شِئْنا، ونعتقدُ ما شئنا، ونَقَعُ بمن شِئْنا، فَلأَنْ يُقَالُ لنَا رَافِضَة أو شِيعَة أَحَبُ إِلينَا مِنْ أَن يُقال زَنَادِقة كُفَّار، ومَا عَلِيٌّ عندنا أَحْسَنَ حالًا مِن غَيرِهِ، ممن نَقَعُ بهم.
قال أبو سعيد ﵀: وصَدَقَ هَذَا الرجُلُ فيما عَبَّر عَنْ نَفسهِ، ولم يُرَاوِغ، وقد استبان ذلك من بعض كُبَرائِهِم وبُصَرائِهم أنهم يستَتِرونَ بالتَّشيُّع يجعلونه تَشْبِيثًا لكلامهم وخَبْطِهِم، وسُلَّمًا وذَرِيعَةً لاصطيادِ الضُّعفاءِ وأَهْلِ الغَفْلَةِ، ثم يَبْذُرُونَ بَيْن ظَهْرَانَي خُطَبِهِم بَذْرَ كُفْرِهِم وزندقَتِهم؛ لِيكونَ أَنجعُ في
_________________
(١) كذا بالأصل، وضبب فوقها، وهي كلمة صحيحة متوجهة في هذا السياق، ومعناها قواكم، وشهاكم، قال الزبيدي في تاج العروس «يقال: هذا مما يسنك على الطعام، أي يشحذك على أكله ويشهيه» ويراجع التاج (٣٥/ ٢٤١). قلت: وقع في المطبوعة أمران ينبغي التنبيه عليهما، الأول: غَيَّر الكلمة إلى «حملكم» وهذا تدخل غير محمود، لاسيما والكلمة التي غيرها عربية فصيحة. الثاني: قال «وفي الأصل فوق هذه الكلمة صح»، قلت: يقصد علامة التضبيب، وشكلها هكذا (صـ) فهذه ليست صح إنما هي ضبة ومعناه أن الناسخ يريد أن يقول: هي هكذا في الأصل الذي أنقل منه، وإن كانت غير واضحة له.
[ ١٨٧ ]
قُلوبِ الجُهَّالِ، وَأَبْلغُ فيهم، ولَئِنْ كَانَ أَهلُ الجهل في شَكٍّ مِنْ أَمرِهِم، إنَّ أهلَ العِلْمِ مِنْهُم لَعَلى يَقِين، ولا حَوْلَ ولا قَوَّةَ إلا بِاللهِ.
* * *
[ ١٨٨ ]