قال أبو سعيد ﵀: فَمِنْ ذَلِكَ؛ ما أَخْبَرَ اللهُ تعالى في كتابِهِ عن زَعِيمِ هؤلاءِ الأَكْبرِ وإِمَامِهِم الأَكْفَرِ، الذي ادَّعَى أولًا أَنَّهُ مخلوقٌ؛ وهو الوحيد، واسمهُ الوليد بن المُغِيرَة، فَأَخبرَ اللهُ عن الكافِر دعواه فيه، ثم أَنكرَ عَليهِ دَعْواه، وردَّها عليه، وَوَعَده النَّارَ؛ أَنِ ادَّعَى أَنَّ قَولَ اللهِ قَوْلُ البَشَرِ.
وقوله: إِنْ هذا إلا قَولُ البَشَرِ، وقَولُ هؤلاءِ الجَهْمِيَّةِ: هو مخلوق؛ واحِدٌ، لا فَرْقَ بينهُمَا، فَبِئْسَ التَّابِعُ وبِئْسَ المَتْبُوعُ.
قال الله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ [المدثر: ١١ - ٢٦]، يَعنِي أنه ليس بقولِ البَشَرِ كمَا ادَّعى الوَلِيدُ، ولَكِنَّهُ قَوْلُ اللهِ - ﷿ -.
(١٧٣) فَحَدَّثنا أبو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، حدَّثَنا ابنُ نُمَيْرٍ، حدثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بنِ المُهَاجِر قال: سمعتُ أَبِي يَذْكُرُ، عَن مُجَاهِدٍ في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)﴾ قال: «ذلك الوليدُ بنُ المغيرة المَخْزُومِيُّ، والمالُ الممدود؛ أَلْفُ دِينَار، والبَنِينُ الشهود؛ عَشْرَةُ بنين، قال: فلم يَزَلِ النُقْصَانُ في ماله، وَوَلَدِهِ حِينَ تَكَلَّمَ بما تَكلم حَتَّى مَات» (١).
_________________
(١) ضعيف، أخرجه الطبري مفرقا (٢٣/ ٢٠، ٢١)، دون الفقرة الأخيرة منه، من طريق إسماعيل بن إبراهيم، به. وإسماعيل؛ ضعفه ابن معين وغيره، وقال الحافظ ضعيف. وأما الفقرة الأولى، وهي قوله: «ذلك الوليد بن المغيرة المخزومي» فصحيحة؛ فقد أخرجها الطبري (٢٣/ ١٩)، من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، به. = = وابن أبي نجيح وإن لم يكن سمع من مجاهد التفسير كما نقل ذلك ابن حبان في الثقات (٧/ ٥)، عن يحيى القطان، إلا أن أبا حاتم الرازي قال: ابن أبي نجيح، وابن جريج نظرا في كتاب القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، قلت: والقاسم ثقة، وقد قال وكيع: كان سفيان يصحح تفسير ابن أبي نجيح.
[ ١٦٧ ]
قال أبو سعيد: وكَذلِكَ صار لأتباعه (١) الذين تَلَقَّفُوا منه هذه الكلمة، خِزي وتَبَاب في كُلِّ شيءٍ مِنْ أَمرِهِم.
ومما يُحْتَجُّ به أيضًا عليهم من كتاب الله - ﷿ -؛ قول الله - ﷿ -: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨].
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤] تثبيتًا أنهم لا يفعلونه أبدًا.
وقوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود: ١٣].
ففي هذا بَيَانٌ بَيِّنٌ أَنَّ القُرآنَ خَرجَ مِنَ الخَالِقِ، لا مِنَ المخلوقينَ، وأَنَّهُ كلامُ الخَالِقِ لا كَلامَ المخلوقينَ، ولو كانَ كلام المخلوقين ومنهم؛ لقدر المخلوقُ الآخَر أن يَأتِي بمثله، أو بأحسن منه؛ لأنه لم يتكلم مخلوقٌ بحقٍّ وباطلٍ من الشِّعرِ، أو الخُطَبِ، أو المواعِظِ، أو من كلام الحِكْمَةِ، أو غَيْرِ ذلك، إلا وقد أَتَى بمثلهِ أو بأحسن منه نُظَرَاؤُهُ ممَّنْ هُم في عصره، أو ممن بَعْدَهُ.
فهذا قد ثَبَّتَ اللهُ عليه الشَّهادة أنه لا يَأْتِي بمثله جِنٌّ ولا إِنْسٌ؛ لأنه منه،
_________________
(١) في الأصل «أتباعه» ولعل حرف اللام سقط من الناسخ، فبدونه لا أرى المعنى يستقيم.
[ ١٦٨ ]
وصَدَق اللهُ وبَلَّغَ رَسولُهُ، لم يَأْتُوا بمثله مُنْذُ مائَتَيّ وخمسين سنة، ولا يأتون بمثله إلى خمسين ألف سنة، فكيف يَفْعَلُونَهُ؟! وقد قال الله - ﷿ - لن يفعلوا، و﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨] فلا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.
ففي هذا بيانٌ بيِّنٌ أنه كلامُ الخالقِ نفسه، وأنه غَيْرُ مخلوقٍ.
ومما نحتجُّ به عليهم أنه غَيْرُ مخلُوقٍ، مِنْ قَوْلِ رسولِ الله - ﷺ -: فَضْلُ القُرآنِ على سَائِرِ الكَلاَمِ؛ كَفَضْلِ اللهِ على خَلْقِهِ.
(١٧٤) حدثنا به شِهَابُ بنُ عَبَّادٍ العَبْدِيُّ الكُوفِيُّ، حدثنا محمد بن الحسن بن أبِي يزيدَ الهَمْدانِيُّ، عن عمرِو بنِ قَيْسٍ، عن عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:
«مَنْ شَغَلَهُ قِرَاءَةُ القرآنِ عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي؛ أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَائِلِينَ، وفَضْلُ كَلامِ اللهِ على سَائِرِ الكَلامِ؛ كَفَضْلِ اللهِ على خَلْقِهِ» (١).
(١٧٥) حدثناه عُقْبَةُ بنُ مُكْرَمٍ البصريُّ، حدثنا مُعَلَّى بن أسد، حدثنا محمد بن سَوَاءٍ، حدثنا سعيد بن أبِي عَرُوبَةَ، عن أَشْعَثَ الحُدَّانِيِّ، عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -:
«فَضْلُ القُرآنِ على سَائِرِ الكلامِ، كَفَضْلِ الرَّحْمَنِ على سَائِرِ خَلْقِهِ» (٢).
(١٧٦) وحَدَّثَنِي محمدُ بنُ حميدٍ الرَّازِيُّ، حدثنا إسحاقُ بنُ سُلَيْمَانَ الرَّازيُّ، حدثنا الجَرَّاحُ بنُ الضَّحَّاك الكِنْدِيُّ، عن عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عن أَبِي عبد
_________________
(١) ضعيف جدًا، وتقدم تخريجه برقم (١٣٦).
(٢) ضعيف، وتقدم تخريجه برقم (١٣٨).
[ ١٦٩ ]
الرَّحمنِ، عن عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:
«أَفْضَلُكُم مَنْ تَعَلَّمَ القُرآنَ وَعَلَّمَهُ» (١).
قال أبو عبد الرحمن: «فَهَذَا الذِي أَجْلَسَنِي هذا المجلس، وَفَضْلُ القُرآنِ على سَائِر الكَلامِ؛ كَفَضْلِ الخَالِقِ عَلى المَخْلُوقِ، وذَلِكَ أَنَّهُ مِنْهُ» (٢).
قال أبو سعيد: ففي هذه الأحاديث بَيَانٌ أَنَّ القرآنَ غَيرُ مخلوق؛ لأنه ليس شَيءٌ مِنَ المَخْلُوقِينَ من التَّفَاوُتِ في فضل ما بينهما، كما بَيْن اللهِ وبَيْن خَلْقِهِ في الفضل؛ لأن فَضْلَ مَا بَيْن المخلوقين يُسْتَدْرَكُ، ولا يُسْتَدرَك فَضْلُ اللهِ على خلقه، ولا يحصيه أحد.
_________________
(١) صحيح، رواه علقمة بن مرثد، واختلف عنه؛ فرواه سفيان الثوري، والجراح بن الضحاك، وغيرهما، عن أبي عبد الرحمن، به، أخرجه البخاري (٥٠٢٨)، والترمذي (٢٩٠٨)، وابن ماجه (٢١٢)، وأحمد (٤٠٥)، وعبد الرزاق في مصنفه (٥٩٩٥)، والنسائي في الكبرى (٧٩٨٤)، وغيرهم، ورواه شعبة، وغيره عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، به، أخرجه البخاري (٥٠٢٧)، وأبو داود (١٤٥٤)، والترمذي (٢٩٠٧)، وابن ماجه (٢١١)، وغيرهم، هكذا بزيادة سعد بن عبيدة في الإسناد، ورواية سفيان ومن تابعه، بدون ذكر سعد بن عبيدة هي الأرجح. قال الترمذي في السنن عقب حديث (٢٩٠٨): «وقد زاد شعبة في إسناد هذا الحديث سعد بن عبيدة وكأن حديث سفيان أصح، قال علي بن عبد الله _يعني ابن المديني_: قال يحيى بن سعيد: ما أحد يعدل عندي شعبة وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان. قال أبو عيسى: سمعت أبا عمار يذكر عن وكيع قال: قال شعبة: سفيان أحفظ منِّي وما حدثني سفيان عن أحد بشيء فسألته إلا وجدته كما حدثنِي». وقد اعترض الدارقطني على إخراج البخاري هذا الحديث وذكر الاختلاف الواقع فيه، فرد عليه الحافظ في الفتح (١/ ٣٧٤) بكلام مفاده؛ أن هذا من قبيل المزيد في متصل الأسانيد، فيحتمل أن يكون علقمة سمعه مرة من سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، ثم لقي أبا عبد الرحمن بعد ذلك فسمعه منه مباشرة دون الواسطة.
(٢) هذا القدر الموقوف على أبي عبد الرحمن، أخرجه أحمد (٤١٢)، والطيالسي (٧٣)، وابن حبان (١١٨)، وغيرهم.
[ ١٧٠ ]
وكذلك فَضْلُ كَلامِهِ على كلامِ المخلوقين، ولو كان كلامًا مخلوقًا؛ لم يكن فَضل ما بينه وبين سائِرِ الكلام كفَضلِ اللهِ على خلقِهِ، ولا كَعُشْرِ عُشْرِ جُزءٍ من أَلفِ أَلف جُزء، ولا قريبًا ولا قريبًا، فَافْهَمُوُه، فإنه ليس كمثله شيء، فليس كَكَلامِهِ كَلامٌ، ولن يُؤْتَى بمثلهِ أبدًا.
(١٧٧) حدثنا سَعِيدُ بنُ أَبِي مَريمَ المِصْرِيُّ، حدثنا ابنُ لَهِيعَةَ، عن خالد بن يزيد، عن سَعِيد بنِ أَبِي هِلال، عن ثَابِت بن عبد الله، عن عبد الله بن عمرو بن العاص؟ قال: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَرْجِعَ القُرآنُ مِنْ حَيْثُ نَزَلَ، له دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يقول يا رب! مِنْكَ خَرَجْتُ، وإِلَيْكَ أَعُودُ، أُتْلَى ولا يُعْمَلُ بِي، أُتلى ولا يُعمل بِي» (١).
(١٧٨) سَمِعْتُ إِسحاقَ بنَ إِبراهيمَ الحَنْظَلِيَّ، يقول: قال سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ: قال عمرُو بنُ دِينَارٍ: «أَدْرَكتُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَمَنْ دُونهم مُنذُ سَبْعِينَ سنة، يقولون: اللهُ الخَالِقُ ومَا سِواهُ مخلوق، والقُرآنُ كلامُ اللهِ، مِنْهُ خَرجَ وإِليْهِ يَعُودُ» (٢).
(١٧٩) حدثنا عَلِيُّ بنُ المَدِينِيُّ، حدثنا مُوسى بنُ دَاوُدَ، حدثنا مَعْبَدُ -قال: قال عَليٌّ: وهو ابنُ رَاشِدٍ-، عن مُعَاِويَةَ بنِ عَمَّارٍ قال: قيل لجَعْفَر بنِ محمدٍ:
_________________
(١) ضعيف، ذكره السيوطي في الدر المنثور (٩/ ٤٣٩) وعزاه لمحمد بن نصر في كتاب الصلاة، قلت: فيه ابن لهيعة، ضعيف، وثابت بن عبد الله؛ قال الذهبي في الميزان (١٣٦٥): «لا يُدرى من ذا».
(٢) صحيح، أخرجه البيهقي في السنن (١٠/ ٢٠٥)، من طريق المصنف، به، وأخرجه الخلال في السنة (١٨٦٠)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١٨٦) كلاهما من طريق ابن راهويه، به، وأخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٣٨١)، من طريق الحكم بن محمد الآمُلي، عن سفيان بن عيينة، به.
[ ١٧١ ]
القُرآنُ خَالِقٌ أو مخلوق؟ قال: «ليس بخَالِقٍ ولاَ مخلُوق، ولَكِنَّهُ كلامُ اللهِ» (١).
(١٨٠) حدثنا محمدُ بنُ مَنْصُورٍ الذي يُقالُ له الطُّوسِيُ من أهل بغداد وكان ثقة قال: حَدثنِي عَليُّ بنُ مَضَّاءٍ مولى خالد القَسْرِي قال: سمعت ابنَ المُبَارَكِ بِالمِصِّيصَةِ سأله رِجالٌ عنِ القُرآنِ؟ فقال: «هو كَلامُ اللهِ، غَيْرَ مخلُوقٍ» (٢).
(١٨١) وحدثنا محمدُ بنُ منصورٍ قال: حدثنِي عَلِيُّ بنُ المَضاءِ قال: سمعت بَقِيَّةَ بنَ الوَلِيدِ يَقول: «القُرآنُ كَلامُ اللهِ غَيْرُ مخلُوقٍ» (٣).
(١٨٢) وحدثنا محمدُ بنُ منصور، حدثنا عَليُّ بنُ المضاء قال: سمعتُ عِيسَى بنَ يُونُسَ يقول: «القُرآنُ كَلامُ اللهِ غَيْرُ مخلُوقٍ» (٤).
(١٨٣) حدثنا محمدُ بنُ مَنْصُور، حدثنا عَلِيٌّ (٥) قال: سمعت القَاسِمَ
_________________
(١) حسن، أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (٩٥)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١٣٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٥٤٣)، من طريق معبد بن راشد، به، وإسناده حسن، ومعبد بن راشد؛ قال الحافظ مقبول يعني حيث يتابع، وقد توبع، تابعه سويد بن سعيد كما عند البيهقي في الأسماء والصفات (٥٤٢)، ويحيى بن عبد الحميد الحماني كما عند اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٤٠٢).
(٢) إسناده صحيح إلى ابن المبارك، إن كان علي بن مضاء؛ هو علي بن محمد بن علي بن أبي المضاء المصيصي، وإلا فلم أقف له على ترجمة، والمذكور وثقه النسائي، ثم إني لم أجد من أخرج هذا القول بهذا الإسناد، وإلا فهو صحيح عن ابن المبارك من أوجه أخر، وينظر الأسماء والصفات للبيهقي (٥٤٩)، وشرح أصول الاعتقاد للالكائي (٤٢٦)، والسنة لعبد الله بن أحمد (١٤٤).
(٣) إسناده صحيح كسابقه، ولم أقف على من أخرجه بهذا الإسناد سوى المصنف.
(٤) إسناده صحيح كسابقه، ولم أقف على من أخرجه بهذا الإسناد سوى المصنف.
(٥) زاد هنا في الأصل «بن المضاء» وضرب عليها.
[ ١٧٢ ]
الجَزَرِيَّ يَقُول: «القرآن كلامٌ (١) غير مخلوق» (٢).
(١٨٤) حدثنا محمد بن منصور، حدثنا علي بن المضاء، حدثنا هِشَامُ بنُ بَهْرَامَ قال: سمعتُ المُعَافَى بنَ عِمْرَانَ يقول: «القُرآنُ كَلامُ اللهِ غَيْرُ مخلُوقٍ» قَالَ هِشَامٌ: وأَنَا أَقُولُ كَمَا قَال المُعَافَى، قَالَ عَلِيٌّ: وأنا أَقولُ كما قال هِشَام، قَال محمدُ بنُ منصور: وأنا كما قَالوا، خمسينَ مَرَّة (٣). قال أبو سعيد: وأَنَا أقولُ كما قالوا سَبعيِنَ مَرة، قال القُرَشِي (٤): وأنا أقول كما قالوا.
قَال الأَزْدِي (٥): وأنا أقولُ كما قَالوُا عَدَدَ أَياَّمِ الدَّهْرِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِه، وَبِه أَلْقَى اللهَ - ﷿ - ورسولَه - ﷺ -.
قاَلَ أَبو رَوْحٍ (٦): وأنا أقول بِعَدد مَنْ يُبْصِرُ ومَنْ لا يُبْصِر.
وقَال شَيْخُنَا أبو عبد الله (٧): وأنا أَقولُ بِعَدد جميعِ الخَلائِقِ.
(١٨٥) سَمِعْتُ محمدَ بنَ مَنصُورٍ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - في المنام- حِدثَان ما اسْتُخْلِفَ جَعْفَرُ- (٨) فَقُلْتُ له: إِنَّ ناسًا يقولون: القُرآنُ مخلوقٌ، فقال بِوَجْهِهِ
_________________
(١) كتب فوقها في الأصل، «كذا».
(٢) إسناده صحيح كسابقه، ولم أقف على من أخرجه بهذا الإسناد سوى المصنف.
(٣) إسناده صحيح، كسابقه، وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٥١٢)، عن الطوسي به، دون ذكر قول الطوسي «خمسين مرة».
(٤) القرشي: هو أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن إبراهيم، راوي هذا الكتاب عن أبي سعيد الدارمي.
(٥) الأزدي: هو أبو محمد محمد بن أحمد بن محمد بن الفضل، الراوي عن القرشي.
(٦) أبو روح: هو ثابت بن أبي محمد الأزدي، والراوي عنه.
(٧) أبو عبد الله: هو محمد بن عبد الله بن محمد المُذَكِّر الهروي، الراوي عن أبي روح.
(٨) جعفر: هو ابن المعتصم بن الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور العباسي، المتوكل على الله، الخليفة العباسي الذي أنهى الله على يديه محنة خلق القرآن، توفي سنة ٢٤٧ هـ.
[ ١٧٣ ]
هكذا، كَأَنَّه أَعْرَضَ، فقلتُ: أَلَيْسَ كلام اللهِ غير مخلوق؟ قال: نعم، ثم قُلْتُ لَه مَرةً أُخرى، فَقَالَ: نَعَم (١).
(١٨٦) حدثنا عبدُ اللهِ بنُ صَالِحٍ المِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا يحْيَى بنُ أَيُّوبَ، عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ أَبِي جَعْفَر، عَنْ رَجُلٍ مِنْ شُيُوخِ أَهْلِ مِصْرَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عمرِو بنِ العَاص، عن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أنَّه قال: «القُرآنُ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ السَّماواتِ والأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ» (٢).
قال أبو سعيد: فهذا يُنْبِئُك أنه نَفْسَ كَلامِ اللهِ، وأنه غير مخلوق؛ لأن اللهَ - ﷿ - لم يَخْلُقْ كَلامًا إلا عَلَى لِسَانِ مخلوق، فلو كان القرآنُ مخلوقًا -كما يَزْعُم هؤلاءِ المُعَطِّلُون- كان إذًا مِنْ كلامِ المَخْلُوقِين، وكُلُّ هذهِ الرِّوايات والحكايات والشواهد والدلائل، قد جاءت وأكثر منها؛ في أنهُ غَيْرُ مخلوقٍ، ثم إِحَاطَةُ عِلْمِ العُلَمَاءِ وعقولِ العُقَلاءِ بِأَنَّ كلامَ الخَالِقِ لا يَكُونُ مخلوقًا أبدًا، إِذًا كان فِي دَعْوَاهُم قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الكَلامَ مَنْقُوصًا مُضطرًا إِلَى الكلامِ، حتَّى خَلَقَهُ، وكَمُلَتْ رُبُوبِيَّتُهُ وتمَّتْ وَحْدَانِيَتُهُ بمخلوقٍ -في دعواهم-!!!
* * *
_________________
(١) روى هذه الحكاية عن الطوسي؛ عبد الله بن أحمد في كتاب السنة (٥١٣).
(٢) ضعيف، أخرجه الدارمي في سننه (٣٣٥٨)، عن عبد الله بن صالح المصري، به. قلت: عبد الله بن صالح المصري كاتب الليث، ضعيف، وأيضا إبهام الراوي عن عبد الله بن عمرو، وقد أخرجه أبو الفضل الرازي في فضائل القرآن (ص ٩) من طريق يحيى بن أيوب الغافقي، عن واهب بن عبد الله المعافري، عن عبد الله بن عمرو، به، إلا أن إسناده ضعيف جدًا، فيه أبو الهيثم المدائني خالد بن القاسم، قال البخاري: «متروك تركه عَليٌّ والناس».
[ ١٧٤ ]