قال أبو سعيد ﵀: قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]،وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ [المطففون: ١٥ - ١٧]
ففي هذا دليلٌ أن الكُفَّارَ كُلَّهم محجوبون عن النظر إلى الرحمن عَزَّ وعلا، وأن أهلَ الجنةِ غير محجوبين عنه.
قال رسول الله - ﷺ -:
«أَيُّما والدٌ جَحَدَ وَلَدَهُ؛ احْتَجَبَ اللهُ منه، وَفَضَحَهُ على رُؤوسِ الأَوَّلينَ والآخِرِينَ».
(٧٩) حدثناه يحيى الحِمَّانِيُّ، حدثنا عبد العزيز يعني الدَّرَاوَرْدِي، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الله بن يونس، سمع المَقْبُريَّ يحدث قال: حدثني أبو هريرة، أنه سمع النبيَّ - ﷺ - يقوله (١).
قال أبو سعيد: ففي هذا الحديث دليلٌ أنه إذا احتجب عن بعضهم لم يحتجب من بعض، وقال رسول الله: سَتَرَوْنَ ربَّكُم - ﷿ - كما تَرَوْنَ الشَّمْسَ والقَمَرَ، فَلَمْ يَدَعْ لمتأول فيه مَقَالًا.
(٨٠) حدثنا أحمدُ بنُ يُونُسَ، حدثنا أبو شهاب وهو الحَنَّاط، قال: أخبرني إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جَرِيرٍ قال: كُنَّا
_________________
(١) ضعيف، أخرجه أبو داود (٢٢٦٥)، والنسائي (٣٤٨١)، والدارمي (٢٢٣٨)، وابن حبان (٤١٠٨)، والبيهقي (٧/ ٣٠٤)، وغيرهم، من طريق يزيد بن الهاد، عن عبد الله بن يونس، به، وعبد الله بن يونس هو الحجازي، مجهول.
[ ٩٨ ]
جلوسًا عند رسول الله - ﷺ -، فرفع رأسه إلى السماء ليلةَ البَدْرِ، فَنَظَرَ إلى القَمَرِ فقال:
«أَمَا إِنَّكم سَتَرَوْنَ ربَّكم عَيَانًا كمَا ترون هذا، لا تُضَامُون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغْلَبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا» (١)
(٨١) حدثنا بنحوه ابنُ المَديِنِي، عن سُفْيَانَ بن عُيَيْنَةَ، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير، عن النبي - ﷺ - (٢).
قال علي بن المديني: هي عندنا صلاة العصر وصلاة الصبح إن شاء الله تعالى.
قال: حدثنا به سِتَّةٌ عن إسماعيل؛ سفيانُ وهُشَيْمٌ ووَكِيعٌ والمُعْتَمِرُ وغَيرُهُم، قال عليٌّ: لا يكون الإسناد أَجْوَدَ مِنْ ذَا.
(٨٢) حدثنا محمد بن عبد الله الخُزَاعيُّ أبو عبد الله البصري، وأبو سَلَمَةَ، واللفظُ لفظ محمدٍ، قالا: حدثنا حمادُ بنُ سَلَمَةَ، عن ثابتٍ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صُهَيْبٍ - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - تلا هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، قال:
«إذا دخل أهلُ الجنَّةِ الجَنَّةَ ودخل أهلُ النَّارِ النَّارَ؛ نادى منادٍ! يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدًا يُريدُ أن يُنْجِزْكُمُوهُ، قال: فيقال ما هو؟ ألم يُبَيِّض
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٤٤، ٤٨٥١، ٧٤٣٤، ٧٤٣٦)، مسلم (٦٣٣)، وأبو داود (٤٧٣١)، والترمذي (٢٥٥١)، وابن ماجه (١٧٧)، وأحمد (١٩١٩٠)، وغيرهم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، به.
(٢) أخرجه الحميدي (٧٩٩)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٤٧)، والطبراني في الكبير (٢٢٣٢)، من طريق ابن عيينة، به.
[ ٩٩ ]
وجُوهَنَا، ويُثَقِّل موازيننا، وأدخلنا الجنةَ، وأجارنا من النار، قال فَيُكْشَفُ الحِجَابُ، فيتجلَّى لهم ﵎، قال رسول الله - ﷺ -: والذي نفسي بيده ما أعطاهم شيئًا هو أحب إليهم، ولا أقر لأعْيُنِهِم من النظر إلى وجه الله ﵎» (١).
(٨٣) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد يعني ابن سلمة، حدثنا يَعْلَى بن عطاء، عن وَكِيعِ بنِ حُدُسٍ، عن أبي رَزِين العُقَيْليِّ قال: قلت يا رسول الله: أَكُلُّنَا يرى ربَّهُ يوم القيامة؟ وما آيَةُ ذلك في خَلْقِهِ؟ قال: قال رسول الله - ﷺ -:
«يا أبا رَزِيِن! أليس كلكم يرى القمر مُخْلِيًا به؟ قلتُ بَلَى، قال فالله أعظم» (٢).
(٨٤) حدثنا نُعَيمُ بنُ حمَّادٍ، حدثنا إبراهيم وهو ابن سعد، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد اللَّيْثِي، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قَال النَّاسُ يا رسول الله! هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله - ﷺ -:
«هل تُضَارُّونَ في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال فهل تضارون في القمر ليلة البدر، ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا، قال: فكذلك تَرَوْنَ ربَّكُم يوم القيامة، إن الله يجمعُ النَّاسَ يوم القيامة، فيقول: من كان يَعْبُدُ شيئًا فليتبعه، فيتبعُ من كان يَعبدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، ومن كان يعبدُ القمرَ القمرَ،
_________________
(١) صحيح، أخرجه الترمذي (٢٥٥٢)، وأحمد (٢٣٩٢٥)، والنسائي في الكبرى (١١١٧٠)، والبزار (٢٠٨٧)، والطبراني في الأوسط (٧٥٦)، وابن أبي حاتم في التفسير (٦/ ١٩٤٥)، وغيرهم من طرق، عن حماد بن سلمة، به، وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.
(٢) ضعيف، أخرجه أبو داود (٤٧٣٣)، وأحمد (١٦١٩٢)، والحاكم (٤/ ٥٦٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٥٩)، وغيرهم جميعًا من حديث وكيع بن حدس، به ووكيع مجهول، قال الذهبي: لا يعرف، وقال ابن القطان: مجهول الحال.
[ ١٠٠ ]
ومن كان يعبدُ الطواغِيتَ الطواغيتَ، وتَبقَى هذه الأمةُ، فيها منافقوها.
وساق الحديث إلى قوله: هذا مَكَانُنَا حتَّى يَأْتِيَنَا ربُّنا، فإذا جاء ربُّنَا عرفناه، فَيَأتِيهمُ اللهُ في الصورة التِّي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه».
قال عطاء بن يزيد في آخر الحديث: قال أبو سعيد يعني الخُدْرِيُّ وهو مع أبي هريرة؟حين حدَّثَ بهذا الحديث لا يَرُدُّ عليه شيئًا من حديثه، حتى إذا قال: ذَلِكَ لهُ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قال أبو سعيد: أشهد لحفظته من رسول الله - ﷺ -؛ ذلك له وعَشْرَةُ أَمْثَالِهِ (١).
(٨٥) حدثنا نُعَيم بن حماد، حدثنا ابنُ المباركِ، حدثنا مَعْمَرُ، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد الخدري؟، عن النبي - ﷺ -، بنحوه (٢).
(٨٦) وحدثنا عبد الله بن صالح المصري، قال: حدثني الليثُ قال: حدثني هشامُ بنُ سعدٍ، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسَارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدري - ﵁ - قال: قلنا يا رسول الله! هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله - ﷺ -:
«هل تُضَارون في الشمس في الظَّهيرة صَحْوًا ليس فيها سَحابٌ؟ قال: قلنا لا، قال رسول الله - ﷺ -: فهل تُضَارون في رؤيةِ القمرِ ليلةَ البَدْرِ صحوًا ليس
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٤٣٧)، ومسلم (١٨٢)، وأحمد (٧٧١٧)، والبزار (٨٢٦٥)، وغيرهم من حديث عطاء الليثي، عن أبي هريرة، به، وقد تقدم برقم (٦٩).
(٢) صحيح، أخرجه البزار (٨٢٦٥).
[ ١٠١ ]
فيها سحاب؟ قال: فقلنا لا، فقال رسول الله - ﷺ -: فما تُضارون في رؤيتِهِ يوم القيامة، إلا كَهيئةِ ما تضارون في رؤيةِ أحدِهِمَا» (١).
(٨٧) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حمَّادٌ يعني ابن سلمة، عن علي بن زيد، عن عمارة القُرَشي، أنَّهُ كان عندَ عمرَ بْنِ عبدِ العزيزِ، فأتَاهُ أبو بُرْدَةَ بنُ أبِي موسى الأَشْعَري - ﵁ -، فقضى له حوائِجَه، فلمَّا قَضَى (٢) رَجَعَ، فقالَ عُمَرُ: أَذْكُرُ الشَّيخَ، فقال له عمر: ما ردَّك ألم تُقْض (٣) حَوَائِجُكَ؟ قال بلى، ولكن ذكرتُ حديثًا حَدَّثناهُ أبو موسى الأشعري، أن رسول الله - ﷺ - قال: «يجمعُ اللهُ الأُمَمَ يومَ القيامةِ في صعيدٍ واحد، فإذا بدا له أن يَصْدَعَ بَيْن خَلْقِهِ؛ مَثَّلَ لِكُلِّ قومٍ ما كانوا يعبدون، فَيُدْرِجُونَهُم حتى يُقْحِمُوهُم النار، ثم يأتينا ربُّنا ونحن في مكان، فيقول: من أنتم؟ فنقول: نحن المؤمنون، فيقول: ما تنتظرون؟ فنقول: ننتظر ربَّنا، فيقولُ: مِنْ أين تعلمون أنه ربُّكُم؟ فيقولون: حدَّثَتْنَا الرسلُ، أو جاءتنا، أو ما أشبه معناه، فيقول: هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: نعم، فيقول: كيف تعرفونه ولم تَرَوْهُ؟ فيقولون: نعم، إِنَّه لا عِدْلَ له، فَيَتَجَلَّى لنا ضاحِكًا، ثم يقول ﵎: أبشروا معشر المسلمين! فإنه ليس منكم أحدٌ إلا قد جَعَلْتُ مكانه في النار يهوديًا أو نصرانيًا، فقال عمرُ لأبي بردة: والله لَقَد سَمِعْتَ أبا موسى يحدثُ بهذا الحديث عن رسول الله - ﷺ -؟ قال نعم» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٥٨١)، ومسلم (١٨٢)، والحاكم (٤/ ٥٨٢)،وابن أبي عاصم في السنة (٤٥٧، ٦٣٥)،والطيالسي (٢٢٩٣)، وغيرهم، مطولًا ومختصرًا من طريق زيد بن أسلم، به.
(٢) كذا في الأصل وقد غيرها في المطبوعة إلى «خرج» ولا أدري وجها للتغيير!!
(٣) في الأصل زاد فيها «ا» للتسهيل.
(٤) ضعيف، أخرجه أحمد (١٩٦٥٥)، وعبد بن حميد (٥٤٠)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة (١/ ٢٧٠)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٢٧٧)، والدارقطني في الصفات (٣٤)، = = وغيرهم، من طريق حماد بن سلمة، عن، علي بن زيد بن جدعان، به، وعليٌ؛ ضعفه أحمد وغيره، وقال الدارقطني فيه لين، وشيخه عمارة القرشي؛ ذكره الذهبي في الميزان وقال: قال الأزدي: ضعيف جدًا، روى عنه علي بن زيد بن جدعان وحده. وأما قول الله في الحديث: «ليس منكم أحدٌ إلا قد جَعَلْتُ مكانه في النار يهوديًا أو نصرانيًا» فصحيح ثابت من طرق أخرى عن أبي بردة، أخرجه مسلم (٢٧٦٧)، وغيره.
[ ١٠٢ ]
(٨٨) حدثنا إِسْحَاقُ بنُ إبراهيمَ الحَنْظَلِيُّ، حدثنا النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ، حدثنا أبو نَعَامَةَ العَدَوِيُّ قال: حدثنا أبو هُنَيْدَةَ البَرَاءُ بنُ نَوْفَل، عن وَالاَن العدوي، عن حُذيفةَ، عن أبي بكر الصديق - ﵁ -، في حديث الشفاعة قال: قال رسول الله - ﷺ -:وساق إسحاقُ الحديثَ إلى قولهِ: «فَيَخِرُّ ساجدًا قَدْرَ جُمُعَةٍ، فيقولُ اللهُ ﵎: يا محمد! ارفع رأسَكَ، وقُل يُسْمَعُ، واشْفَعْ تُشَفَّعُ، فَيرفَعُ رَأْسَهُ، فإذا نَظَرَ إلى ربهِ؛ خَرَّ ساجدًا قَدْرَ جمعة أخرى» (١).
(٨٩) حدثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ الحِمْصِيُّ، حدثنا بَقِيَّةُ، حدثنا بَحِيرٌ وهو ابن سعد، عن خَالِدٍ وهو ابن مَعْدَان، عن عمرو بن الأسود، عن جُنَادَةَ بنِ أَبِي أُمَيَّةَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُم، عن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِت - ﵁ -، أَنَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ:
_________________
(١) إسناده حسن، أخرجه أحمد (١٥)، وابن حبان (٦٤٧٦)، وأبو يعلى (٥٦)، والبزار (٧٦)، وأبو عوانة (٤٤٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٨١٢)، وغيرهم من حديث النضر بن شميل، به، وهذا إسناد حسن؛ أبو نعامة العدوي وثقه ابن معين، وابن حبان، وقال أبو حاتم لا بأس به، وشيخه أبو هنيدة؛ وثقه ابن معين كما في الجرح والتعديل، وشيخه والان؛ وثقه ابن معين، وابن حبان، وابن شاهين، فالحديث حسن إن شاء الله تعالى، هذا وقد سئل عنه الدارقطني كما في العلل (١٤)، فقال: والان غير مشهور إلا في هذا الحديث، والحديث غير ثابت، ا. هـ. لكن نقل ابن حبان في صحيحه، عقب روايته للحديث، عن إسحاق بن راهويه أحد رواة الحديث، أنه قال: «هذا من أشرف الحديث، وقد روى هذا الحديث عِدةٌ عن النبي - ﷺ - نحو هذا منهم: حذيفة وابن مسعود وأبو هريرة وغيرهم»، وقال البزار أيضا: «رواه جماعة من جلة أهل العلم بالنقل واحتملوه» كما في مسنده (١/ ١٥٢).
[ ١٠٣ ]
«إِنَّكُم لَنْ تَرَوْا رَبَّكُم حتَّى تمُوتُوا» (١).
(٩٠) حدثنا نُعيمُ بنُ حماد، عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن علي بن الحسين، أن رجلا من أهل العلم أخبره، أن رسول الله - ﷺ - قال:
«تُمَدُّ الأرضُ يومَ القيامةِ مَدَّ الأَديمِ، فأكونُ أولَ مَن أُدْعَى فَأَخِرُّ سَاجِدًا حتى يأذنَ اللهُ لي بِرَفْعِ رأسي، فأرفعُ، ثم أقومُ وجبريلُ عن يمينِ الرَّحمنِ، لم ير الرَّحْمَنَ تَبَاركَ اسمُهُ قبل ذلك» (٢).
(٩١) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حمادُ يعني ابن سلمة، عن عَلِيِّ بنِ زَيدٍ، عن أَبِي نَضْرَةَ قال: خَطَبَنَا ابنُ عبَّاسٍ على هذا المِنْبَرِ بِالبَصْرَةِ فقال: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:
«ما نَبِيٌّ إلا له دعوةٌ تَعَجَّلَهَا في الدنيا، وإنِّي اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمتي
_________________
(١) حسن، أخرجه أحمد (٢٢٨٦٤)، والنسائي في الكبرى (٧٧١٦)، والطبراني في الشاميين (١١٥٧)، والبزار (٢٦٨١)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٥٧، ٢٢١)، وغيرهم، من طرق عن بقية بن الوليد، به. وهذا إسناد رجاله ثقات، غير بقية، قال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به. قلت: يحمل كلامه على روايته عن غير الثقات، فقد قال أبو زرعة الرازي: «ما لبقية عَيْبٌ إلا كثرة روايته عن المجهولين، فأما الصدق فلا يؤتى من الصدق، وإذا حدث عن الثقات فهو ثقة». قلت: وقد روى هنا عن الثقة، وقال الذهبي في الكاشف: «وثقه الجمهور فيما سمعه من الثقات، وقال النسائي: إذا قال حدثنا وأخبرنا؛ فهو ثقة».
(٢) مرسل، أخرجه نعيم بن حماد في زوائده على الزهد لابن المبارك (٣٧٥)، هكذا، بواسطة بين علي بن الحسين، والنبي - ﷺ -. وأخرجه الطبري في التفسير (١٧/ ٥٣٠)، وعبد الرزاق في التفسير (١/ ٣٨٧)، وابن أبي الدنيا في الأهوال (١٤٤)، هؤلاء جميعًا دون ذكر الرجل بين علي بن الحسين، والنبي - ﷺ -، وفي الحالتين فهو مرسل مع صحة الإسناد، فقد يكون الرجل المبهم تابعيًا أيضًا، لاسيما وعلي بن الحسين لم يَنُصْ على كونه صحابيًا، كأن يقول مثلا: أن رجلا من أصحاب النبي - ﷺ -، أو كلمة نحوها، والله أعلم.
[ ١٠٤ ]
يومَ القيامةِ، وأنا سَيَّدُ ولدِ آدمَ ولا فخر، وأولُ من تنشقُّ عنه الأرضُ ولا فخر، وبيدي لواءُ الحمدِ ولا فخر، وآدمُ ومَنْ دونه تحت لوائي ولا فخر، قال رسول الله - ﷺ -: فيطول ذلك اليومُ على النَّاسِ فيقول بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى آدمَ أبِي البشرِ فليشفع لنا إلى ربِّنا، وساقَ الحديثَ إلى قوله: فآتِي بابَ الجنَّةِ؛ فآخذُ بحلقةِ البَابِ، فأَقْرَعُ البابَ؛ فَيُقَالُ: مَنْ أنت؟ فأقول: أنا محمد، فَيُفْتَحُ البَابُ، فآتي ربِّي وهو على كُرْسِيِّهِ أو على سريره، فَيَتَجَلَّى لي ربِّي؛ فأخر له ساجدًا» (١).
وساق أبو سَلَمَةَ الحديثَ بطوله إلى آخره.
(٩٢) حدثنا عبدُ الغَفَّار بنُ داودَ الحرَّانِيُّ أبو صالح، حدثنا ابن لَهِيْعَةَ، عن أبي الزُّبَيْرِ قال: سألتُ جابرًا - ﵁ - عن الوُرُودِ، فأخبرني أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول:
«نحنُ يومَ القيامةِ على كومٍ فوقَ النَّاسِ، فَتُدْعَى الأُمَمُ بأوثانها، وما كانت تعبد، الأولُ فالأول، ثم يأتينا ربُّنا بعد ذلك، فيقول: ما تنتظرون؟ فيقولون: تنتظرُ ربَّنا، فيقول: أنا ربُّكُم، فيقولون حتى نَنْظُرُ إليك، فيتجَلَّى لهم يَضْحَكُ، فَيَتْبَعُونَهُ» (٢).
_________________
(١) ضعيف، أخرجه أحمد (٢٥٤٦)، والطيالسي (٢٧١١)، وعبد بن حميد (٦٩٥)، وأبو يعلى (٢٣٢٨)، وغيرهم من طرق عن علي بن زيد بن جدعان، به. وآفته علي بن زيد، وقد تقدم الكلام عليه عند حديث (٨٧).
(٢) صحيح، رجاله ثقات غير ابن لهيعة؛ فإنه ضعيف كما حققنا القول فيه عند حديث (٤٦)، لكنه توبع في هذه الرواية، تابعه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أخرجه مسلم (١٩١)، وأحمد (١٥١١٥)، وأبو عوانة (٣٦٤)، وغيرهم من حديث ابن جريج، عن أبي الزبير، به.
[ ١٠٥ ]
(٩٣) حدثنا هشامُ بنُ خالدٍ الدِّمَشْقِيُّ، حدثنا محمدُ بن شُعَيْبٍ وهو ابن شابور، حدثنا عُمَرُ بنُ عبدِ اللهِ مولى غفرة قال: سمعت أنسَ بن مالكٍ - ﵁ - يقول: قال رسول الله - ﷺ -:
«أَتاني جِبريلُ وفي يَدِهِ كهيئة المِرْآةِ البَيْضاءِ، وفيها نُكْتَةٌ سوداء، قلت: ما هذه يا جبريل؟ قال هذه الجُمُعَةُ، بَعَثَ بها إليك رَبُّكَ تكونُ عِيدًا لك ولأُمَّتِك مِنْ بعدِك، قلت: وما لنا فيها؟ قال لكم فيها خيرٌ كَثِير، أنتم الآخِرون السَّابِقون يوم القيامة، وفيها ساعةٌ لا يُوافِقُهَا عبدٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا إِلا أَعْطَاه.
قلت: ما هذه النُكْتَةُ السوداء؟ قال هذه الساعة، تكون يوم الجمعة، وهو سَيَّدُ الأيامِ، ونحن نُسَمِّيهِ عندنا؛ يَوْمُ المَزِيدِ، قلت: وما المَزِيدُ يا جبريل؟ قال ذلك بأن رَبَّكَ اتخذ في الجنةِ واديًا أَفْيَحَ مِنْ مِسْكٍ أَبْيَضَ، فإذا كان يومُ الجُمُعَةِ من أيام الآخِرة؛ هَبَطَ الرَّبُّ ﵎ عن عَرْشِهِ إلى كُرْسِيِّه، وحَفَّ الكُرسِيَّ بمنابرَ من نورٍ، فَيَجْلِسُ عليها النَّبيوُن، وحفَّ المنَابِرَ بكراسيَ من ذَهَبٍ، [فيجلسُ] (١) عليها الصِّديقُون والشُّهداءُ، ويَهْبِطُ أهلُ الغُرَفِ من غُرَفِهِم، فَيَجْلِسُونَ على كُثْبَانِ المِسْكِ لا يَرَوْنَ لأهل المنابر والكراسي عليهم فضلًا في المجلس، ثم يَتَبَدَّى لهم ذو الجلال والإكرامِ، فيقول: سَلُونِي، فيقولون بِأَجمَعِهِم: نسألُكَ الرِّضَا فَيُشْهِدُهُم على الرضا، ثم يسألونه حتى تنتهي نُهْيَةُ كلِّ عبدٍ مِنْهُم، ثم يُسْعَى عليهم بما لا عينٌ رَأَتْ، ولا أذنٌ سمعت، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ، ثم يرتفع الربُّ عن كرسيه إلى عرشه، ويرتفعُ أهلُ الغُرَفِ إلى غرفهم، وهي غُرْفَةٌ من لؤلؤة بيضاء، أو زَبَرْجَدَةٍ خضراء، أو ياقوتةٍ حمراء ليس
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل، وأثبتناه من الحديث رقم (٧٥).
[ ١٠٦ ]
فيها فَصَمٌ ولا وصَمٌ، مُطَّرِدَةٌ أَنهَارُهَا، مُتَدَلِّيَةٌ فِيهَا ثمارُها، فيها أزواجُهَا وخَدَمُهَا ومَسَاكِنُها، فليس أهلُ الجنةِ إلى شيءٍ أَشْوَقَ مِنهم إلى يوم الجمعة؛ ليزدادوا قُربًا مِن اللهِ ورِضْوَانًا» (١).
(٩٤) حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن عبد الله بن عمر؟، أن رسول الله - ﷺ - قام للناس فَأَثْنَى على اللهِ بما هو أَهْلُهُ، ثم ذَكَرَ الدَّجَالَ فقال:
«لا أدري، أَتُدْرِكُونَهُ، ما من نَبِيٍّ إلا وقد أَنْذَرَهُ قومَهُ، لقد أنذره نوحٌ قومَهُ، ولكني أقول لكم قولا لم يَقُلْهُ نَبِيٌّ لقومه، تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور، قال الزهري وأخبرني عمر بن ثابت الأنصاري أنه أخبره بعض أصحاب النبي - ﷺ - أن رسول الله - ﷺ - قال يوم حذر الناس: إنه مكتوبٌ بين عينيه كافر، يَقْرَأُهُ مَنْ كَرِهَ عَمَلَه، أو يَقْرأُهُ كُلُّ مؤمنٍ، وقال تَعْلَمُنَّ أنه لن يرى أَحَدُكُم ربَّه حتَّى يموت» (٢).
(٩٥) حدثنا سُلَيمانُ بن حَرْبٍ، حدثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن عطاء بن السَّائِب، عن أبيه، أن عَمَّارَ بنَ ياسِرٍ - ﵁ - صَلَّى بأصحابهِ صلاةً أوجَزَ فيها، فقيل له خَفَّفْتَ، فقال: أما إِنِّي قد دعوتُ فيها بدعاءٍ سمعته من رسول الله - ﷺ -، ومضى، فَتَبِعَهُ رجلٌ فسأله عن الدعاء، ثم رجع إلى القوم فأخبرهم، فقال:
«اللهم إني أسألُكَ، بِعِلْمِكَ الغَيْبَ، وقُدْرَتِكَ على الخَلْقِ أَحْيِنِي، ما عَلِمْتَ الحياةَ خيرًا لي، وتَوَفَّنِي إذا كانت الوفَاةُ خيرًا لي، وأسألك خَشْيَتَكَ في
_________________
(١) صحيح، وقد تقدم تخريجه برقم (٧٥).
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٣٧، ٧١٢٧)، ومسلم (٢٩٣١)، وأبو داود (٤٧٥٩)، والترمذي (٢٢٣٥)، وأحمد (٦٣٦٥)، وغيرهم، من طرق عن الزهري، به.
[ ١٠٧ ]
الغيبِ والشَّهَادَةِ، وأسألك كَلِمَةَ الحقِّ في الغَضَبِ والرِّضَا، وأسألك القَصْدَ في الفَقْرِ والغِنَى، وأسألك نَعِيمًا لا يَنْفَدُ، وأسألك قُرَّةَ عَيْنٍ لا تنقطعُ، وأسألك الرِّضَا بعد القَضَاءِ، وأَسْأَلُكَ بَرْدَ العَيْشِ بعد الموتِ، وأسأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إلى وَجْهِكَ، وأسألُكَ الشوقَ إلى لِقَائِك، في غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، ولا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللهم زَيِّنَّا بزينةِ الإيمان، واجعلنا هُداةً مُهتَدِينَ» (١).
(٩٦) حدثنا أحمدُ بن يُونُسَ، حدثنا أبو شِهَابٍ وهو الحنَّاطُ قال: أخبرني خالد بن دِينَارٍ النِّيلِيُّ، عن حماد بن جعفر، عن ابن عمر؟، قال: «ألا أخبرُكَ بأسفلِ أهلِ الجنةِ»، وساق أحمدُ الحديثَ بطولِهِ، قال: «حتَّى إذا بلغ النَّعِيمُ مِنْهُم كُلَّ مَبْلَغٍ، وظَنُّوا أن لا نَعِيمَ أفضلَ منه، تَجَلَّى لهم الربُّ، فنظروا إلى وَجْهِ الرَّحمَنِ».
قال أحمد: قلت لأبي [شهاب] (٢) حديث خالد بن دينار هذا في ذكر الجنة، رَفَعَهُ؟ قال نعم (٣).
(٩٧) حدثنا يحيى الحِمَّانِي، وأبو بكر بن أبي شيبة قالا: حدثنا شَرِيكٌ، عن
_________________
(١) صحيح، أخرجه النسائي (٣/ ٥٤)، وفي الكبرى (١٢٢٨)، وابن حبان (١٩٧١)، وابن أبي عاصم في السنة (١٢٩، ٤٢٥)، والبزار (١٣٩٣)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٢٧٩)، وغيرهم، من طريق حماد بن زيد، به، وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات، غير أن عطاء بن السائب كان قد اختلط في آخره، لكن حماد بن زيد ممن روى عنه قبل الاختلاط، كما ذكر يحيى بن سعيد القطان.
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل.
(٣) ضعيف، أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٤٢)، والدارقطني في الرؤية (١٩٣)، من طريق أبي شهاب الحناط، به وهذا إسناد ضعيف ومنقطع؛ فإن حماد بن جعفر إن كان هو البصري، فهو لين الحديث، كما قال الحافظ، وقال ابن عدي: منكر الحديث، فضلا عن الانقطاع فإنه لم يسمع من ابن عمر، وإن كان غيره فهو مجهول، والله تعالى أعلم.
[ ١٠٨ ]
أبي إسحاق، عن سعيد بن نِمْرَان، عن أبي بكر الصديق - ﵁ -، في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال: النَّظَرُ إلى وَجْهِ اللهِ - ﷿ - (١).
(٩٨) حدثنا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حدثنا وَكِيعٌ، عَن سُفْيَانَ، عن أَبِي إِسْحَاقَ، عَن عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عن مُسْلِمِ بنِ يَزِيدَ، عن حُذَيْفَةَ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال: النَّظَرُ إِلى وَجْهِ اللهِ - ﷿ - (٢).
(٩٩) حدثنا يحيى الحِمَّانِيُّ، وسُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قالا: حدثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال: «الحُسْنَى؛ الجنة، والزيادة؛ النظر إلى وجه الله - ﷿ -، لا يصيبهم بعد النظر إليه قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ» (٣).
_________________
(١) ضعيف، أخرجه الدارقطني في رؤية الله (٢٢١)، والطبري في التفسير (١٥/ ٦٨). وهذا إسناد ضعيف لجهالة سعيد بن نمران، كما قال الحافظ في لسان الميزان، والسبيعي مدلس وقد عنعن. وقد أخرج هذا الأثر من رواية أبي إسحاق عن عامر بن سعد عن أبي بكر، دون ذكر ابن نمران: إسحاق بن راهويه في مسنده (١٤٢٤)، والطبري في التفسير (١٥/ ٦٣)، وهناد في الزهد (١٧٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٧٣)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٤٧١)، وغيرهم وهو ضعيف أيضًا؛ فرواية عامر بن سعد هو البجلي عن أبي بكر مرسلة، وعامر مقبول، ولم يتابعه أحد، وقد أعل الدارقطني الرواية الأولى بتلك الرواية المرسلة وقال وهي المحفوظة، كما في العلل (٧٣).
(٢) ضعيف، أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (١٤٢٤)، وهناد في الزهد (١٧٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٧٣)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٤٦)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٤٥٢)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٧٨٣)، والدارقطني في الرؤية (٢٢٤)، وغيرهم، من طريق أبي إسحاق السبيعي، به، دون ذكر عامر بن سعد، فأخشى أن يكون ذكر عامر هنا خطأ، وعلى كل فأبو إسحاق السبيعي مدلس وقد عنعن، ومسلم بن يزيد ويقال نذير؛ قال الحافظ مقبول.
(٣) صحيح، أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١١٤٤)،وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٤٤٩)، = = واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٧٩٢)، والدارقطني في الرؤية (٢٣٣)، جميعا من حديث ثابت البناني، به، وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
[ ١٠٩ ]
(١٠٠) حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن جُوَيْبِر، عن الضَّحَّاك ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال: «النظر إلى وجه الله - ﷿ -» (١).
(١٠١) حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا فُضَيْلٌ يعني ابن عِيَاضٍ، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦] قال: «الزيادة؛ النظر إلى وجه ربهم - ﷿ -» (٢).
(١٠٢) حدثنا يحيى الحماني، حدثنا وَكِيعٌ، عن أبي بَكْرٍ الهُذَلِيِّ، عن أبي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ، عن أبي موسى - ﵁ - قال: «الزِّيَادَةُ؛ النَّظَرُ إلى وَجْهِ الرَّبِّ» (٣).
_________________
(١) ضعيف جدًا، أخرجه الدارقطني في الرؤية (٢٤٤)، وفيه جويبر بن سعيد متروك الحديث، والضحاك هو ابن مزاحم.
(٢) صحيح، أخرجه الطبري في التفسير (١٥/ ٦٣)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٤٧٢، ١١٤٥)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٤٥٢)، والدارقطني في الرؤية (٢٣٧)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٧٩٢، ٧٩٣)، جميعا من طريق أبي إسحاق، به. وهذا إسناد صحيح إلى عامر بن سعد، والسبيعي وإن كان مدلسًا، فقد روى عنه شعبة، كما عند عبد الله بن أحمد، وشعبة لا يروي عن مثل أبي إسحاق إلا ما كان متحققا فيه من سماعه، كما تقدم في تخريج الحديث رقم (٥٧).
(٣) ضعيف جدًا، أخرجه إسحاق في مسنده (١٤٢٥)، ونعيم بن حماد في زوائده على الزهد لابن المبارك (٤١٩)، وهناد في الزهد (١٦٩)، والطبري (١٥/ ٦٤)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٧٨٦)، والدارقطني في الرؤية (٥٤)، من حديث أبي بكر الهذلي، به. وهذا إسناد ضعيف جدًا؛ لأجل أبي بكر الهذلي، قال الذهبي: واه، وقال الحافظ: متروك الحديث. قلت: وقد توبع؛ تابعه أبان بن أبي عياش، كما عند اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٧٨٢)، والدارقطني في الرؤية (٥٣)، ولكن أبان بن أبي عياش، متروك الحديث هو الآخر، فلم تغن عنا متابعته شيئًا، والله تعالى أعلم.
[ ١١٠ ]
(١٠٣) حدثنا محمد بن المِنْهَال البصري، حدثنا يزيد بن زُرَيْعٍ، عن سليمان التَّيْمي، عن أسلم، عن أبي مُرَيَّةَ، عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: رآهم أبو موسى وهم ينظرون إلى الهلال، فقال: كَيْفَ رَبُّكُم إذا رأيتموه جَهْرَةً؟ (١)
(١٠٤) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد يعني ابن سلمة، عن عطاء بن السَّائِب، عن أبيه، عن عمار بن ياسر - ﵁ -، أنه كان يقول في دعائه: «الَّلهُمَّ إِني أَسأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلى وَجْهِكَ، وشَوْقًا إلى لِقَائِكَ» (٢).
(١٠٥) حدثنا شَيْخٌ من أهل بغداد، حدثنا شَرِيكٌ، عن عثمان أبي اليقظان (٣)، عن أنس بن مالك ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] قال: «يَتَجَلَّى لهم كُلَّ جُمُعَةٍ» (٤).
(١٠٦) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن جُوَيْبِرَ، عن الضحاك قال: «إن الملائكة إذا أخذوا بأصوات من تحميد وتقديس وثناء على
_________________
(١) ضعيف، أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٤٦٥)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٤٤٢)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٨٦٢)، وابن عساكر في التاريخ (٣٢/ ٦٨)، من طريق سليمان التيمي، به. وهذا إسناد ضعيف لجهالة حال أبي مُرَيَّة.
(٢) صحيح، تقدم تخريجه رقم (٩٥).
(٣) في الأصل «عثمان بن أبي اليقظان»، وقد وافق محقق المطبوعة الأصل هنا! وما أثبتناه هو الصواب، ينظر تقريب التهذيب (٤٥٠٧).
(٤) ضعيف، أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١٢٢٦)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٩٤)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٨١٣). وهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة عين شيخ المصنف، وعثمان أبو اليقظان، قال الحافظ: ضعيف واختلط وكان يدلس ويغلو في التشيع.
[ ١١١ ]
الله - ﷿ -، فليس شيء أطرب منه ليس (١) النظر إلى الله» (٢).
(١٠٧) حدثنا محمدُ بنُ منصورٍ الذي يُقالُ له الطُّوسِي من أهل بغداد، حدثنا عَليُّ بنُ شَقِيقٍ، أخبرنا حُسَيْنُ بنُ واقِدٍ، عن يَزِيدَ النحوي، عن عكرمة، «﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] قال: ينظرون إلى الله نَظَرًا» (٣).
(١٠٨) حدثنا الزَّهْرَانِيُّ أبو الربيع، حدثنا جَرِيرُ بنُ عبدِ الحميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن كعب قال: «ما نَظَرَ اللهُ - ﷿ - إلى الجنةِ إلا قال: طِيبِي لأهلك، فزادت طِيبًا على ما كانت، وما مَرَّ يومٌ كان لهم عيدًا في الدنيا؛ إلا يخرجون في مقداره في رياض الجنة، ويبرز لهم الربٌّ ينظرون إليه، وتُسْفِي عليهم الريحُ بالطِّيبِ والمسكِ، فلا يسألون ربهم شيئًا إلا أعطاهم، فيرجعون إلى أَهْلِيهِم وقد ازدادوا على ما كانوا عليه من الحُسْنِ والجمال سَبعينَ ضِعْفًا» (٤).
(١٠٩) حدثنا سعيد بن أبي مريم المصري، أخبرنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري، قال: كَتَبَ عمرُ بنُ عبد العزيزِ إلى بَعضِ أُمرَاءِ الأَجْنادِ أما بعد: «فإني أُوصِيكَ بتقوى الله، وطاعتِهِ، والتَّمَسُّكِ بأمره،
_________________
(١) في المطبوعة غيَّرها إلى «إلا» والمثبت من الأصل، ولعله ظن أن «ليس» ليست من أدوات الاستثناء، وهذا خطأ فإن «ليس» من أدوات الاستثناء المشهورة.
(٢) إسناده ضعيف جدًا، لأجل جويبر فإنه متروك الحديث، والأثر لم أقف له على تخريج.
(٣) صحيح، أخرجه الطبري في التفسير (٢٤/ ٧٢)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٤٨١)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٨٠٣)، وغيرهم من طريق علي بن الحسن بن شقيق، به، وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وقد صححه الحافظ في الفتح (١٣/ ٤٢٤).
(٤) ضعيف، والأثر أخرجه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٧٩)، وفي صفة الجنة (٢١)، والآجري في الشريعة (٦١٤) وغيرهما، من طريق زياد بن أبي زياد، وهو ضعيف الحديث، رديء الحفظ.
[ ١١٢ ]
والمعاهدة على ما حملك الله من دينه، واسْتَحْفَظَكَ من كتابه، فإن بتقوى الله؛ نجا أولياؤُهُ من سخطه، وبها يَحِقُّ لهم ولايته، وبها وافقوا أنبياءَهُ، وبها نُضِّرَت وُجُوهُهُم، ونظروا إلى خالقِهِم» (١).
قال أبو سعيد ﵀: فهذه الأحاديث كلها وأكثر منها قد رويت في الرؤية، على تصديقِهَا، والإيمانِ بها، أدركنا أهلَ الفِقهِ والبَصَرِ من مشايخنا، ولم يزل المسلمون قديمًا وحديثًا يَرْوُونهَا، ويؤمنون بها، لا يستنكرونها، ولا يُنْكِرُونها، ومن أنكرها من أهل الزَّيْغِ؛ نسبوه إلى الضلال، بل كان من أكبر رجائِهم، وأجزل ثواب الله في أنفسهم؛ النَّظَرُ إلى وجه خالقهم، حتى ما يَعْدِلُونَ به شيئًا من نعيم الجنةِ.
وقد كَلَّمتُ بعضَ أولئك المُعطِّلة وحدثته ببعض هذه الأحاديث، وكان ممن يَتَزَيَّنُ بالحديثِ في الظاهر، ويدَّعِي مَعْرِفَتُهَا، فأنكر بعضًا وردَّ ردًّا عنيفًا.
قلت: قد صَحَّت الآثارُ عن رسول الله - ﷺ - فَمَنْ بعده من أهل العلم، وكِتَابُ الله الناطق به، فإذا اجتمع الكتابُ وقولُ الرسولِ وإجماعُ الأُمةِ؛ لم يَبْق لِمُتَأَوِّلٍ عندها تَأَوُّلٌ، إلا لمكابرٍ، أو جاحدٍ، أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففون: ١٥] ولم يقل للكفار محجوبون، إلا وأن المؤمنين لا يُحْجَبُون عنه، فإن كان المؤمنون عندكم محجوبين عن الله كالكفار؛ فَأَيُّ تَوْبِيخٍ للكفار في هذه الآية، إذا كانوا هم والمؤمنون جميعًا عن الله يومئذ محجوبون؟!
وأَمَّا قولُ الرسولِ - ﷺ -؛ فقوله: لا تضامون في رؤيته، كما لا تضامون في
_________________
(١) ضعيف، أخرجه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٧٨)، وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري، قال الحافظ ضعيف، وقال البخاري منكر.
[ ١١٣ ]
رؤية الشمس والقمر في الصحو، ثم ما رَوَيْنَا عن هذه الجماعة من أصحاب محمد - ﷺ -، والتابعين، فهل عندكم ما رد ذلك من كتاب أو سنة أو إجماع من الأمة؟
فَاحْتَجَّ بحديث أبي ذَرٍّ عن النبي - ﷺ -، نُورٌ أَنَّى أراه، فقلت: هذا في الدنيا، وكِلاهُما قد قاله رسولُ الله - ﷺ -، وتفسيرهما بَيَّنٌ في الحديثين جميعًا، فقالت عائشة - ﵂ -: من زعم أن محمدًا رأى ربه - ﷿ - فقد أعظم على اللهِ الفِرْيَة، وتَلَتْ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٣].
(١١٠) حدثناه عمرو بن عون، عن هشيم، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة (١).
قال أبو سعيد: وأنتم وجميعُ الأُمَّةِ تقول به، إنه لم ير ولا يُرَى في الدنيا، فأما في الآخرة، فما أكبر نعيم أهل الجنة إلا النظر إلى وجهه، والخَيْبَةُ لمن حُرِمَه، وما تعجبون من أن كان الله ولا شيء من خلقه، ثم خَلَق الخَلْقَ، ثم استوى على عرشه فوق سماواته، واحتجب من خلقه بِحُجُب النَّارِ والظُّلْمةِ كما جاءت به الآثار، ثم أرسل إليهم رُسُلَه يُعَرِّفُهُم نَفْسَه بصفاته المقَدَّس، لِيَبْلُوا بِذلك إيمانهم، أَيُّهُم يؤمن به، ويعرفه بالغيب ولم يره، وإنما يجزى العباد على إيمانهم بالله بالغيب؛ لأن الله - ﷿ - لو تَبَدَّى لخلقه، وتجلى لهم في الدنيا، لم يكن لإيمان الغَيْبِ هناك معنى، كما أنه لم يكفر به عندها كافر، ولا عصاه عاصٍ، ولكنه احتجب عنهم في الدنيا، ودعاهم إلى الإيمان به بالغيب، وإلى معرفته، والإقرار
_________________
(١) صحيح، تقدم تخريجه رقم (٥٣).
[ ١١٤ ]
بربوبيته؛ ليؤمن به من قد سبقت له منه السعادة، ويحق القول على الكافرين، ولو قد تجلى لهم لآمن به من في الأرض كلهم جميعًا بغير رسل، ولا كُتُبٍ، ولا دُعاة، ولم يعصوه طرفةَ عين، فإذا كان يوم القيامة، تجلى لمن آمن به، وصدَّق رسله وكتبه، وآمن برؤيته، وأقرَّ بصفاته التِي وصف بها نفسه حتى يروه عيانًا، مَثُوبة منهم لهم، وإكرامًا، ليزدادوا -بالنظر إلى من عبدوه بالغيب- نَعيمًا وبرؤيته فرحًا واغتباطًا، ولم يُحْرَمُوا رؤيتَه في الدنيا والآخرة جميعًا، وحجب عنه الكفار يومئِذٍ، إذ حُرِمُوا رؤيتَه كما حُرِمُوهَا في الدنيا؛ ليزدادوا حسرةً وثُبُورًا.
فَاحْتَجَّ مُحْتَجٌ منهم بقول الله تعالى لموسى ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣].
قلنا: هذا لنا عليكم لا لكم، إنما قال لن تراني في الدنيا؛ لأن بَصَر موسى من الأبصارِ التي كتب الله عليها الفناء في الدنيا، فلا تحتمل (١) النظر إلى نور البقاء، فإذا كان يومُ القيامةِ رُكِّبَتِ الأبصارُ والأسماعُ للبقاء، فاحتملت النظر إلى الله - ﷿ - بما طَوَّقَها الله، ألا ترى أنه يقول ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، ولو قد شاء لاستقر الجبلُ ورآه موسى، ولكن سَبَقتْ منه الكَلِمة، أن لا يَراهُ أحدٌ في الدنيا؛ فلذلك قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، فأما في الآخرة، فإن الله تعالى يُنْشِئُ خلقَهُ فَيُرَكِّبُ أَسماعَهُم وأَبْصَارَهُم للبقاء، فيراه أولياؤُه جَهرًا كما قال رسول الله - ﷺ -.
وقال بعضهم: إنا لا نقبل هذه الآثار ولا نحتج بها، قلت: أجل ولا كتاب الله تقبلون، أرأيتم إن لم تقبلوها، أَتَشُكُّونَ أَنها مَرْويَّةٌ عن السَّلفِ مَأْثُورةٌ
_________________
(١) في المطبوعة «تحمل» والمثبت من الأصل.
[ ١١٥ ]
عنهم، مستفيضةٌ فيهم، يَتَوَارَثُونها عن أعلام الناس وفُقَهَائِهِم قَرنًا بعد قرن؟ قالوا: نعم.
قلنا: فحسبنا إقراركم بها عليكم حجة، لدعوانا أنها مشهورة مروية تداولتها العلماء والفقهاء، فهاتوا عنهم مثلها حجة لدعواكم التي كَذَّبَتْها الآثارُ كُلُّهَا، فلا تقدرون أن تأتوا فيها بخبر ولا أثر، وقد علمتم إن شاء الله أنه لا يَسْتَدرِكُ سُنَنَ رسولِ الله - ﷺ - وأصحابهِ وأحكامِهم وقضاياهُم، إلا بهذه الآثار والأسانيد على ما فيها من الاختلاف، وهي السبب إلى ذلك، والنهج الذي دَرَجَ عليه المسلمون، وكانت إمامهم في دينهم بعد كتاب الله - ﷿ -، منها يقتسمون (١) العلم وبها يقضون، وبها يُقِيمُون، وعليها يعتمدون، وبها يتزينون، يرثها الأول منهم الآخر، ويبلغها الشاهد منهم الغائب، احتجاجًا بها، واحتسابًا في أدائها إلى من لم يسمعها، يسمونها السُّنَنَ والآثار والفقه والعلم، ويضربون في طلبها شرقَ الأرضِ وغربها، يُحِلُّونَ بها حلالَ اللهِ ويحرمون بها حرامه، ويميزون بها بين الحقِّ والباطل، والسُّنَنِ والبِدَعِ، ويستدلون بها على تفسير القرآن، ومعانيه، وأحكامه، ويَعْرِفُونَ بها ضَلالةَ مَنْ ضَلَّ عن الهُدَى، فمن رغب عنها؛ فإنما يَرْغَبُ عن آثارِ السَّلَفِ، وهَدْيِهِم ويريد مخالفتهم؛ لِيَتَّخِذَ دينَه هواه، وليتأول كتابَ اللهِ برأيه خلاف ما عنى الله به.
فإن كنتم من المؤمنين، وعلى منهاج أَسْلاَفِهِم؛ فاقْتَبِسُوا العلم من آثارهم، واقتبسوا الهدى في سبيله، وارضوا بهذه الآثار إمامًا كما رضي بها القومُ لأنفسهم إمامًا، فَلَعَمْرِي ما أنتم أَعْلَمُ بكتابِ الله منهم، ولا مثلهم، ولا يمكن الاقتداء بهم إلا باتباع هذه الآثار على ما ترون، فمن لم يقبلها؛ فإنه يريد أن يتبع
_________________
(١) في المطبوعة «يقتبسون» والمثبت من الأصل.
[ ١١٦ ]
غير سبيل المؤمنين، وقال الله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (١) [النساء: ١١٥].
فقال قائل منهم: لا، بل نقول بالمعقول.
قلنا: هاهنا ضللتم عن سواء السبيل، ووقعتم في تِيِهٍ لا مخرجَ لكم منه؛ لأن المعقول ليس لشيءٍ واحدٍ موصوفٌ بحدود عند جميع الناس، فَيُقْتَصَرُ عليه، ولو كان كذلك؛ كان راحة للناس، ولقلنا به، ولم نعد، ولم يكن الله ﵎ قال: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾ [المؤمنون: ٥٣] فوجدنا المعقول عند كل حزب ما هم عليه، والمجهول عندهم ما خالفهم، فوجدنا فِرَقَكُم معشر الجهمية في المعقول مختلفين، كُلُّ فرقةٍ منكم تَدَّعي أن المعقول عندها ما تدعو إليه، والمجهول ما خالفها، فحين رأينا المعقول اختلف منا ومنكم ومن جميع أهل الأهواء ولم نقف له على حد بَيِّنٍ في كل شيء؛ رأينا أرشدَ الوجوهِ وأهداها أن نَرُدَّ المعقولات كُلَّهَا إلى أمر رسول الله - ﷺ - وإلى المعقولِ عند أصحابه المستفيض بين أَظْهُرِهِم؛ لأن الوحيَ كان يَنْزِلُ بين أَظهرهم، فكانوا أعلم بتأويله مِنَّا ومنكم، وكانوا مؤتلفين في أصول الدين لم يفترقوا فيه، ولم يظهر فيهم البدع، والأهواء الحائدة عن الطريق، فالمعقول عندنا ما وافق هَدْيَهُم، والمجهول ما خالفهم، ولا سبيل إلى معرفة هديهم وطريقتهم، إلا هذه الآثار، وقد انسلختم منها وانتفيتم منها بزعمكم، فَأَنَّى تهتدون؟
واحتج محتج منهم بقول مجاهد: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] قال: تنتظر ثواب ربها.
قلنا: نعم تنتظرُ ثوابَ ربِّهَا، ولا ثواب أعظم من النظر إلى وجهه ﵎.
_________________
(١) في الأصل: ومن يتبع غير سبيل المؤمنين، وهو خطأ.
[ ١١٧ ]
فإن أَبَيْتُم إلا تَعَلُّقًا بحديثِ مجاهد هذا، واحتجاجًا به دون ما سواه من الآثار؛ فهذا آيةُ شُذُوذِكُم عن الحق، واتباعكم الباطل؛ لأن دعواكم هذه لو صَحَّت عن مجاهد على المعنى الذي تذهبون إليه؛ كان مَدْحُوضً (١) القَوْلُ إِليه، مع هذه الآثار التي قد صَحَّتْ فيه عن رسولِ اللهِ - ﷺ -، وأصحابه، وجماعة التابعين.
أَوَلَسْتُمْ قد زَعَمْتُم أنكم لا تَقْبَلُونَ هذه الآثارَ، ولا تَحْتَجُّونَ بها، فكيف تحتجون بالأثرِ عن مُجاهد إِذْ وَجَدتُّم سبيلًا إلى التَّعَلُّق به لباطلكم على غير بَيَانٍ؟ وتَركْتُم آثَارَ رسولِ اللهِ - ﷺ -، وأصحابه، والتَّابعين؛ إِذْ خَالَفَتْ مَذْهَبَكُم، فَأمَّا إذ أقررتم بِقَبُولِ الأَثرِ عن مجاهد، فقد حَكَمْتُم على أَنْفُسِكُم بقبولِ آثارِ رسولِ الله - ﷺ -، وأصحابه، والتابعين بعدهم؛ لأنكم لم تسمعوا هذا عن مجاهد، بل تَأْثُرُونَه عنه بإسناد، وتَأْثُرُونَ بأسانيد مثلها، أو أَجْوَدَ منها عن رسولِ اللهِ - ﷺ -، وعن أصحابه، والتابعين، ما هو خلافه عندكم، فكيف أَلْزَمْتُم أَنفسكم اتِّبَاعَ المُشْتَبَهِ مِنَ آثارِ مُجَاهِدٍ وَحْدِهِ، وتَركْتُم الصَّحِيحَ المنصوص من آثارِ رسول الله - ﷺ - وأصحابه، ونُظَرَاءِ مجاهد من التابعين؟ إلا مِنْ رِيبةٍ وشُذُوذٍ عَن الحَقِّ.
إن الذي يُريدُ الشذوذَ عن الحق يتبعُ الشَّاذَ من قول العلماء، ويتعلق بِزلاتهم، والذي يَؤُمُّ الحقَّ في نفسه، يتبعُ المشهورَ من قول جماعتهم، وينقلب مع جمهورهم، فَهُمَا آيتان بَيِّنَتَان يُسْتَدَلُّ بهما على اتباع الرَّجُلِ، وعلى ابتداعه.
* * *
_________________
(١) الجادة «مدحوضًا» والمثبت جائز على لغة ربيعة التى حكاها ابن مالك في «كتابه شواهد التوضيح» (ص ٤٩)، ومفادها جواز الإضراب عن إثبات الألف المبدلة من تنوين النصب.
[ ١١٨ ]