قال أبو سعيد ﵀: فَمِمَّا يُعتَبَرُ به من كتاب الله - ﷿ - في النزول، ويُحْتَجُّ به على مَن أَنكَرَهُ؛ قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].
وهذا يومُ القيامةِ، إذا نزل الله لِيَحكُمَ بين العباد، وهو قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [الفرقان: ٢٥ - ٢٦].
فالذي يَقْدِرُ على النزول يوم القيامة من السماوات كلِّهَا لِيَفْصِلَ بين عباده؛ قَادِرٌ أن ينزلَ كلَّ ليلةٍ من سماء إلى سماء، فإن رَدُّوا قَوْلَ رَسُولِ الله - ﷺ - في النزول، فماذا يصنعون بقول الله - ﷿ - ﵎؟
(٥٧) حدثنا عمرو بن عَوْنٍ الوَاسِطِيُّ، أخبرنا أبو عَوَانَةَ، عن أبي إسحاق، عن الأَغَرِّ أبي مُسْلِمٍ، قال: أَشْهَدُ على أبي سعيد، وأبي هريرة؟، أنهما شَهِدَا على رسول الله - ﷺ -، أنه قال:
«إِنَّ اللهَ يُمْهِلُ حتَّى إذا ذهبَ ثُلُثُ الليلِ، هَبَطَ فقال: مَنْ تَائِبٌ، فَيُتَابُ عليه؟ من دَاعٍ فُيُسْتَجَابُ له؟ مَنْ مُسْتَغفِرٌ مِنْ ذَنبٍ؟ مَنْ سَائِلٌ فَيُعْطَى؟» (١).
_________________
(١) صحيح، أخرجه مسلم (٧٥٨)، وأحمد (٨٩٦٢، ١١٣١٥)، وعبد بن حميد (٨٦١)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٤٨٦)، وابن خزيمة (١١٤٦)، وغيرهم من طرق عن أبي إسحاق السبيعي، به، وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات، غير أن السبيعي مدلس، لكن قد كُفِينَا تدليسه بأمرين؛ أحدهما أنه صرح بالسماع كما في رواية النسائي، والأخرى؛ أن في بعض هذه الطرق كما عند أحمد ومسلم، الراوي عن أبي إسحاق شعبةُ بنُ الحجاج، = = وحين يروي شعبة عن مثل أبي إسحاق فإنك تأمن تدليسه، قال الحافظ في النكت (٢/ ٦٣٠): «فالمعروف عنه أنه كان لا يحمل عن شيوخه المعروفين بالتدليس إلا ما سمعوه » ثم قال «روينا في المعرفة للبيهقي عن شعبة أنه قال: كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبو إسحاق، وقتادة».
[ ٧٦ ]
(٥٨) حدثنا يحيى بن بُكَيرٍ المصري، حدثنا مَالِكٌ وهو ابن أنس، عن ابن شهاب، عن أبي عبد الله الأغر، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:
«يَتنَزَّلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السماء الدُّنيا، حين يبقى ثُلُثُ الليلِ الآخر؛ فيقول: من يدعوني أستجيبُ له، من يسألُنِي فَأُعْطِيَهُ، ومن يستغفرني فأغفر له» (١).
قال أبو سعيد: وزادني فيه أحمد بن صالح، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، بإسناده (٢). قال: وقال هِشَامٌ الدَّسْتُوائِي، عن يحيى وهو [ابن أبي كثير] (٣)، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يَسَارٍ، أن رِفَاعةَ الجُهَنِيَّ حَدَّثَهُ: أن رسول الله - ﷺ - قال:
«إذا مضى ثلث الليل أو شطر الليل أو ثلثا الليل يتنزل الله إلى سماء فيقول لا أسأل عن عبادي أحدا غيري من يستغفرني أغفر له من يدعوني أستجيب له ومن [يسألني] أعطيه حتى ينفجر الصبح» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٧)، وأبو داود (١٣١٧)، وأحمد (١٠٣١٣)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٢)، وفي الأسماء والصفات (٩٥٣)، جميعا من طرق عن مالك، به، والحديث في الموطأ (٤٩٨).
(٢) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد (١/ ٢٩٨)، والدارقطني في النزول (٢٠)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٧٤٣)، كلهم من طريق عبد الله بن وهب، به.
(٣) في الأصل ابن بكير وهو خطأ والصواب ما أثبتناه كما في المصادر.
(٤) صحيح، أخرجه أحمد (١٦٢١٥، ١٦٢١٧، ١٦٢١٨)، وابن حبان (٢١٢)، والطبراني= = في الكبير (٤٥٥٨)، وغيرهم من طرق عن يحيى بن أبي كثير به. وقد أمنا تدليس يحيى بتصريحه بالسماع كما في إحدى روايات أحمد ورواية ابن حبان والطبرانِي.
[ ٧٧ ]
(٥٩) حدثنا سعيدُ بنُ الحَكَمِ بنِ أَبِي مَرْيَمَ المصري، أخبرنا الليث يعنِي ابن سعد، قال: حدثني زِيَادةُ بن محمد، عن محمد بن كعب القُرَظِي، عن فَضَالةَ بن عُبَيْد، عن أبي الدَّرْدَاءِ؟، عن رسول الله - ﷺ - قال:
«إن الله ﵎ في ثلاث ساعات من الليل، يَفْتَحُ الذِّكْرَ، في الساعة الأولى [مِنْهُنَّ ينظر في الكتاب الذي] (١) لم يَرَهُ غيرُهُ، فيمحو ما يشاء ويُثْبِتُ ما يشاء، ثم يَنْزِلُ في الساعة الثانية إلى جَنَّةِ عَدْنٍ، وهي دارُهُ التي لم تَرَها عينٌ، ولم تَخْطُر على قلب بَشَرٍ، وهي مَسْكَنُهُ، ولا يسكنُها معه من بني آدم غيرُ ثلاث: النبيين والصديقين والشهداء، ثم يقول طُوبَى لمن دخلك، ثم يَنْزِل في الساعة الثالثة إلى السماء الدنيا بروحه وملائكته فَتَنْتَفِضُ، فيقولُ قومي بعزتِي، ثم يَطْلُعُ إلى عباده فيقول: هل من مُسْتَغفِرٍ أَغفِرُ له، وهل من داعٍ أُجِيبُ، حتى تكون صلاةُ الفجرِ، ولذلك يقول ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨] يَشْهَدُهُ اللهُ، وملائكةُ الليلِ والنهارِ» (٢).
(٦٠) حدثنا حَفْصُ بن عُمرَ النَّمَرِيُّ أبو عمر الحَوْضِي، حدثنا هشام وهو الدَّسْتُوَائِي، عن يحيى وهو ابن أبي كثير، عن أبي جعفر، عن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال:
«إذا بَقِيَ أو قال مَضَى ثُلُثُ الليلِ؛ يَنْزِلُ اللهُ إلى سماء الدُّنيا، فيقول: مَنْ
_________________
(١) ما بين المعقوفين ليس بالأصل، وأثبتناه من تفسير الطبري ليتم السياق.
(٢) منكر، أخرجه البزار (٤٠٧٩)، والطبري في التفسير (١٦٩٤٣، ٢٠٥٠٢) وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٣٢٢)، وغيرهم جميعًا من طريق زيادة بن محمد، به. وزياد قال فيه البخاري في التاريخ الكبير: «منكر الحديث»، وكذا قال ابن حبان كما في المجروحين (١/ ٣٠٨).
[ ٧٨ ]
يَدعُونِي فأستجيبُ له، من يَسْتَرْزِقُنِي فَأَرْزُقْهُ، من يسألني فَأُعطِيَهُ، من يستكشفُ الضُّرَّ أكشفه عنه، حتَّى ينفجر الصبح» (١).
(٦١) حدثنا عمرو بن عَوْنٍ الوَاسِطِيُّ، أخبرنا خالد يعنِي ابن عبد الله، عن الهَجَرِي، عن [أبي] الأحْوَص، عن عبد الله - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -:
«إن الله يفتحُ أبوابَ السماءِ في ثُلُثِ الليلِ، فَيَهبِطُ إلى السَّماءِ الدنيا، فَيَبْسُطُ يديه، فيقول: ألا عبدٌ يسألُنِي فأعطيه، إلى طلوع الفجر» (٢).
(٦٢) حَدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يُوسُفَ الحرَّانِيُّ أبو الأَصْبَغ، قال: حدثني محمد يعني ابن سَلَمَةَ الحرَّاني، عن محمد بن إِسحاق، عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن عطاء مَوْلى أُمِّ صُبَيَّةَ، عن أبي هُرَيرةَ - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -:
«لَوْلا أنْ أَشُقُّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتهُمْ بِالسَّوَاكِ عند كُلِّ صَلاة، ولأَخَّرْتُ العِشَاءَ الآخرة حتى يَذْهَبَ ثُلُثُ الليلِ، فإنه إذا ذَهَبَ ثُلُثُ الليلِ الأول؛ هَبَطَ اللهُ إلى السَّماءِ الدُّنيا، فلا يزال بها حتى يَطْلَعَ الفَجْرُ، يَقُولُ قَائِلٌ ألا من سَائلٍ فَيُعْطَى، ألا مِنْ دَاعٍ فَيُسْتَجَابُ لَهُ ألا مِنْ مَرِيضٍ فَيُسْتَشْفَى ألا من مُذْنِبٍ
_________________
(١) صحيح لغيره، أخرجه أحمد (٧٥٠٩)، والنسائي في الكبرى (١٠٢٣٧)، والطيالسي (٢٦٣٨)، والدارقطني في النزول (٣٧) من طرق عن هشام به، وفيه أبو جعفر المؤذن الراوي عن أبي هريرة قال الحافظ مقبول، فمثله لين إذا لم يتابع، ولكن للحديث طرق أخرى عن أبي هريرة أنظر حديث رقم (٥٨).
(٢) إسناده ضعيف، ومتنه صحيح، أخرجه أحمد (٤٢٦٨)، من طريق إبراهيم الهجري، به، وهذا إسناد ضعيف لأجل الهجري، قال الحافظ: لين الحديث، وقد تابعه أبو إسحاق السبيعي، أخرجه أحمد (٣٦٧٣)، وأبو يعلى (٥٣١٩)، من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص به، وأبو إسحاق مدلس ولم يصرح بالسماع، لكن الحديث صحيح بشواهده السالفة.
[ ٧٩ ]
يَسْتَغْفِرُ فَيُغْفَرُ له» (١).
(٦٣) حدثنا عمرو بنُ محمد النَّاقِدُ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، بإسناده نحوه (٢).
(٦٤) قال عمرو: وحدثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْراهِيمَ، قال: حدثني أبي، عن محمد بن إِسْحَاقَ قال: وحدثني عمي عبد الرحمن بنِ يَسَارٍ، عن عُبَيْدِ الله بنِ أبي رَافِع، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ -؛ بمثل حديث أبي هريرة - ﵁ - (٣).
_________________
(١) إسناده ضعيف، ومتنه صحيح، أخرجه أحمد (٩٦٧، ١٠٦١٨)، والدارمي (١٤٨٤)، وغيرهما، من طريق محمد بن إسحاق، به، وابن إسحاق، مدلس واختلف في الاحتجاج به كما قال الذهبي، وعطاء مولى أم صبية؛ مجهول. قلت: وقد خالف ابنَ إسحاق، عُبَيدُ الله بن عمر العمري، فرواه عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، مباشرة دون ذكر عطاء المدني مولى أم صبية، وإسناده صحيح، أخرجه أحمد (٩٥٩١)، وابن حبان (١٥٣١)، وعبد الرزاق في المصنف (٢١٠٦)، والبزار (٨٤٥٠)، وابن المبارك في مسنده (٦٣)، والدارقطني في النزول (٢٨، ٣٢)، وفي العلل (١٠/ ٣٥١)، من طريق العمري، به، وهو الصواب، والله أعلم.
(٢) أخرجه أحمد (٩٦٧)، والدارمي (١٤٨٤)، عن يعقوب، به.
(٣) أخرجه أحمد (٩٦٨)، والدارمي (١٤٨٣)، والبزار (٤٧٨)، والطبراني في الأوسط (١٢٣٨)، جميعًا، من طريق ابن إسحاق، به. وهذا إسناد رجاله ثقات غير ابن إسحاق، فقد ذكرنا قبل قليل أنه مختلف في الاحتجاج به، وقد أشار الطبراني في الأوسط عقب روايته لهذا الحديث، إلى تفرد ابن إسحاق به، وأيضا نوَّه البزار على ذلك وقال: لا نعلمه يُروى عن عليٍّ، عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وقد صححه العلامة أحمد شاكر في شرحه للمسند، وفي القلب من تصحيح هذا الإسناد شيء، والله أعلم، وقد صح متنه من طرق أخرى لا مجال للشك فيها، والحمد لله رب العالمين.
[ ٨٠ ]
(٦٥) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عَوَانَةَ، عن طارق، عن سعيد بن جُبَيْرٍ، عن ابن عباس؟، قال: «إن الله يُمْهِلُ حتى إذا مضى ثُلُثُ الليلِ؛ هَبَطَ إلى سماء الدنيا، ثم قال: هل من تائب فيتاب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائِلٍ يُعْطَى؟» (١).
(٦٦) حدثنا الزَّهْرَانِيُّ أبو الرَّبِيعِ، حدثنا حَمَّادٌ يعني ابن زيد، عن عمرو بن دِينارٍ، عن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ قال: «إذا مضى ثلث الليل، أو بَقِيَ نِصْفٌ؛ يَنْزِلُ الله - ﷿ - إلى السماء الدنيا، فيقول: من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟» (٢).
* * *
_________________
(١) حسن، أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٥١٣)، من طريق طارق هو ابن عبد الرحمن البجلي، به، وزاد «ليمهل في شهر رمضان» وإسناده ثقات غير طارق، قال ابن عدي: «أرجو أنه لا بأس به»، والحديث تقدم من حديث أبي سعيد وأبي هريرة مرفوعًا رقم (٥٧).
(٢) إسناده صحيح إلى عبيد بن عمير، وعزاه الذهبي في العلو (٣٢٠)، إلى عبد الله بن أحمد في الرد على الجهمية، من طريق آخر -وفيه مقال- عن عبيد بن عمير.
[ ٨١ ]