(١١١) حدثنا نُعَيمُ بنُ حمَّادٍ، حدثنا ابن أبي حازم يعني عبد العزيز، عن العلاء بن عبد الرحمن الحُرَقِيِّ، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال:
«سَبَقَ عِلْمُ اللهِ في خَلْقِهِ فَهُمْ صَائِرُونَ إِلَى ذَلِك» (١).
(١١٢) حدثنا نُعيم، حدثنا ابن المبارك، حدثنا الأَوْزَاعِي قال: أخبرني رَبيعةُ بنُ يَزيدَ، عن عبد الله بن الدَّيْلَمِي، عن عبد الله بن عمرو - ﵁ - قال: سمعت رسولَ الله - ﷺ - يقول:
«جَفَّ القَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللهِ - ﷿ -» (٢).
قال أبو سعيد: وما لنا نرى أن يَبْلُغَ غَدًا قومٌ في تَعْطِيلِ صفاتِ الله ما بَلَغَ بهذه العِصَابَةِ عَدلهم في تَعْطِيلِهَا، حَتَّى أنكروا سَابِقِ عِلْمِ اللهِ في خَلْقِهِ، وما الخَلْقُ عَامِلُونَ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلُوا.
ثم قالوا: ما نقول إن الله من فوق عرشه، يعلمُ ما في الأرض، ولكن عِلْمُ اللهِ هو اللهُ -بزعمهم- واللهُ -بزعمهم- في كل مكان ليس له عِلْمٌ، به يعلم، ولا هو يَسْمَعُ بِسَمْعٍ، ولا يُبْصِرُ بِبَصَرٍ، إنما سَمْعُهُ وبَصَرُهُ وعِلْمُهُ -بزعمهم- شيءٌ واحدٌ، فلا السَّمْعُ عندهم غَيْرَ البَصَرِ، ولا البَصرُ غَيْرَ السَّمْعِ، ولا العِلمُ
_________________
(١) إسناده محتمل للتحسين، أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٦٧٧)، من طريق المصنف، به، فجميع رجاله خلا عبد الرحمن الحرقي، لا يرقى عن أن يكون صدوقًا.
(٢) صحيح، أخرجه الترمذي (٢٦٤٢)، وأحمد (٦٦٤٤)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١١٧٢)، وابن أبي حاتم في التفسير (١٧٩٣٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٤١، ٢٤٣)، وغيرهم، من طرق عن عبد الله بن فيروز الديلمي، به، وإسناده صحيح رجاله ثقات، غير نعيم بن حماد، فإنه صدوق يخطئ كثيرًا كما ذكر الحافظ، غير أنه توبع؛ تابعه أحمد بن جميل المروزي أبو يوسف، كما عند عبد الله بن أحمد في السنة، وأحمد بن جميل، صدوق.
[ ١١٩ ]
غيرَ البَصَرِ، هو كله -بزعمهم- سَمْعٌ وبَصَرٌ وعِلْمٌ، وهو بكليته في كل مكان إن عَلِمَ؛ بِكُلِّهِ، وإِنْ سَمِعَ؛ سَمِعَ بِكُلِّهِ، وإنْ رَأى؛- رَأَى بِكُلِّهِ.
ويزعمون أن علمَ اللهِ بمنزلةِ النَّظرِ والمشاهدة، لا يعلم بالشيءِ حتَّى يكون، فإذا كان الشيء عَلِمَ به عِلْمَ كينُونَتِهِ، لا بِعِلْمٍ لم يَزَلْ في نفسه قبل كينونته، ولكن إذا حدث الشَّيءُ؛ كان هو عند الشيءِ، ومعه الشيء بنفسه، فإن أراد ذلك الشيءَ؛ كان هو يَدُلُّ الشيءَ -بزعمهم- من مكانه، فَذَلِكَ إحاطة عِلْمِ اللهِ بالأشياء عندهم، لا أن يكون عَلِمَ بشيءٍ منها في نفسه قبل كينونته، فتبارك ربُّ العالمينَ وتَعَالى عمَّا يَصِفُونَ.
هذا هو الردُّ لكتابِ اللهِ، والجحودُ لآياتِ الله، وصاحبُ هذا المذهب؛ يُخْرِجُهُ مَذْهَبُهُ إلى مَذْهَبِ الزَّنْدَقَةِ، حَتَّى لا يُؤْمِنُ بِيَومِ الحِسَابِ؛ لأَنَّ الذي لا يُقِرُّ بالعِلْمِ السَّابِق بالأشياء قبل أن تكون، يَلْزَمُهُ في مَذْهَبِهِ أَنْ لا يؤمنُ بِيَومِ الِحسابِ وبقيامِ السَّاعةِ والبَعْثِ والثَّوابِ والعِقَابِ؛ لأن العِبَادَ إِنَّما لَزِمَهُم الإيمانُ بها لإخبار الله بأن الساعةَ آتيةٌ لا رَيْبَ فيها، وأن الله يَبْعَثُ مَنْ في القُبُورِ، وأنه مُحَاسِبُهُم يومَ الحِسَابِ، مُثِيُبُهم ومُعَاقِبُهُم.
فإذا كان الله -بزعمهم- لا يعلمُ بالشَّيءِ حتى يكون، وكيف (١) عَلِمَ -في مذهبهم- بقيام الساعة، والبعث؟! ولم تقم الساعةُ بعد، ولا تقوم إلا بعد فناءِ الخلقِ، وارتفاعِ الدُّنيَا.
فإن أَقَرُّوا لله بِعِلمِ قِيَامِ السَّاعَةِ والبَعْثِ والحساب؛ لَزِمَهُم أن يُقِرُّوا له بعلم كُلِّ شَيءٍ دُونَها، فإن أنكروا عِلْمَ اللهِ - ﷿ - بما دونها؛ لَزِمَهُم الإنكار بها
_________________
(١) قوله «وكيف» في المطبوعة حذف حرف الواو مع إقراره أنها في الأصل.
[ ١٢٠ ]
وبقيامها وبالبعث والحساب؛ لأن عِلْمَهُ بِالسَّاعَةِ، كَعِلْمِهِ بِالخَلْقِ، وأَعْمَالِهم سواء، لا يزيد ولا ينقص، فمن لم يؤمن بأحدهما؛ لزمه أن لا يؤمن بالآخر، وهي من أوضحِ الحُجَجِ وأَشَدِّها على مَنْ رَدَّ العلم وأنكره.
واعلموا أن الله - ﷿ - لم يَزَلْ عَالِمًا بِالْخَلْقِ وأَعْمَالِهم قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُم، ولا يَزَالُ بِهِم عَالِمًا لم يَزْدَدْ في عِلْمِهِ بِكَيْنُونَةِ الخَلْقِ خَرْدَلَةً واحدةً، ولا أقلَّ منها ولا أكثر، ولكن خَلَقَ الخَلْقَ على ما كان في نفسه قبل أن يَخْلُقَهُم، ومن عنده بدأ العِلْمُ، وهو عَلَّمَ الخلقَ ما لم يعلموا، فقال ﵎: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ٥] وقال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠] فبلغنا في تفسيره عن مجاهد قال: عَلِمَ مِنْ إِبْلِيسَ المعصيةَ، وخَلَقَهُ لها.
(١١٣) حدثناه نُعَيْمُ بنُ حَمَّادٍ، حدثنا ابنُ المباركِ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ (١).
قال أبو سعيد: ولَعَمْرِي ما عَلِمَتِ الملائِكَةُ بِسَفْكِ الدِّماء، والفساد غَيْبًا من قِبَلِ أَنْفُسِهِم، ولَكِنْ عَلَّمَهُم ذلك عَلاَّمُ الغُيُوبِ قَبْلَ أن يقولوا، ولذلك ادَّعَوا مَعْرِفَتَهُ.
_________________
(١) صحيح لغيره، أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (٣٤٤)، والطبري في التفسير (٦٢٨، ٦٣٣، ٦٣٥)، وغيرهم، عن مجاهد، وهذا إسناد ضعيف نعيم بن حماد تقدم الكلام عليه لكنه توبع، تابعه سويد بن نصر كما عند الطبري، وسويد ثقة، وابن جريج كان مدلسًا ولم يصرح بالسماع، وفي سماعه التفسير من مجاهد مقال، لكن قد روي هذا المتن عن مجاهد بإسناد صحيح، أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٩٣٨)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٩٥٩)، من حديث علي بن بذيمة، عن مجاهد، به.
[ ١٢١ ]
وقال أيضًا: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾ [البقرة: ٣١ - ٣٣] فأخبر الله ﵎ أنه هو الذي عَلَّمَ آدمَ والملائكة العِلمَ من غَيْرِ أن يعلموا شيئًا منه، وأَقَرَّتِ الملائِكةُ بذلك وردَّت العِلْمَ كُلَّهُ إلى من بدأ منه فقالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ فهل عَلَّمَهُم إِلا مَا قَد عَلِمَهُ قبل ذلك؟!
وقال فيما أنزله على رسوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ [النساء: ١٧] ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢] ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢] ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧] ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾ [الأنعام: ٣] ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ [طه: ٧] قال: ما لم تحدث به نفسك.
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر: ١٩] فأخبر اللهُ سبحانه أنه كان العَالِمُ قَبْلَ كُلِّ أحدٍ، ومنه بدأ العِلمُ، قال: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾ [الرعد: ٤٣].
وقال: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١] جاءه العلم من الله، وهو القرآن، ثم أخبر بعلمه السابق في عباده قبل أن يعلموا، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ الآية [الجاثية: ٢٣].
وقال: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ
[ ١٢٢ ]
وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾ [سبأ: ٣].
وقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾ [المائدة: ١١٦] ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٥] ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ الآية [المزمل ٢٠].
وما أشبه هذا من كتاب الله كثير، ولو لم يكن منها في كتابِ اللهِ إلا حَرْفٌ واحدٌ لاكْتُفِىَ به حجةٌ بالِغَةٌ، فكيف والكتابُ كُلُّه ينطق بنصه يستغنى فيه بالتنزيل عن التفسير، وتعرفه العامة والخاصة.
فلم تزل عليه الأُمَّةُ، إلى أن نَبَغَتْ هذه النابغة بين أظهر المسلمين، فأعظموا في الله القول، وسبوه بأقبح السِّبَابِ وجَهَّلُوُهُ، ونَفَوا عنه صفاته التي بها يُعرف صِفَةً صفة، حتى نَفَوا عنه العِلْمَ الأول السابق، والكلام، والسمع والبصر، والأمرَ كُلَّهُ، ثم جعلوه كَلاَ شَيْءٍ.
فقالوا في الجملة: ما نعرف إلهًا غير هذا الذي في كل مكان، فإذا باد شيءٌ صار مكانه، فنظرنا في صفة معبودِهِم هذا، فلم نجد بهذه الصفة شيئًا غير هذا الهواء القائِمُ على كلِّ شيءٍ، الداخِلُ في كلِّ مكانٍ، فمن قصد بعبادته إلى إلهٍ بهذه الصفة؛ فإنما يعبدُ غيرَ اللهِ، وليس مَعْبُودُهُ ذاك بإله -كُفْرَانَهُ لا غُفْرَانَهُ-.
فاحذروا هؤلاء القوم على أنفسكم، وأهليكم، وأولادكم؛ أن يفتنوكم أو يكفروا صدوركم بالمغاليط والأضاليل، التِي تشتبه على جُهَّالِكُم فإن الله تعالى قال في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
[ ١٢٣ ]
فإن جَحَدَ منهم جَاحِدٌ وانْتَفَى مِنْ بَعْضِ ما حَكَيْنَا عَنْهُم، فلا تُصَدِّقُوهُم، فإنه دِينُهُم الذي يَعْتَقِدُونَهُ في أنفسهم، لا يَجْحَدُ ذَلِكَ مِنهُم إلا مُتَعَوِّذٌ مُسْتَتِرٌ، أو جاهلٌ بمذاهبهم لا يَتَوَجَّهُ بشيء منها، فقد اعترف لنا بذلك بعضُ كُبَرائِهم أو بما يشبه معناه، وأسندوا بعض ذلك إلى بعضِ المُضِلِّين من أشياخهم، فإلى اللهِ اشْكُوا رَأْيًا هذا تَأْوِيلُهُ، وقَوْمًا هذا إِبْطَالهُم لِعِلْمِ رَبِّنَا.
واللهِ لقد عَلِمَتِ الملائِكَةُ بما عَلَّمَهُمُ اللهُ ما هو كائنٌ من بني آدم من الفساد، وسَفْكِ الدِّمَاءِ قَبْلَ أن يُخْلَقُوا، فكيف خَالِقُهُم الذي عَلَّمَهُم ذلك؟ فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
ووصف الله هذه الأمة في التوراة والإنجيل قبل أن يُخْلَقُوا بصفاتهم، فكيف وصفهم من غير علم له بهم؟ فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ [الفتح: ٢٩]
قال: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧].
فَهَلْ كَانَ هَذا الوَصْفُ مِنَ اللهِ والإِخْبَارُ عَنْهُم، إلا لِعِلْمِهِ السَّابِق فيهم، فما قَدَرُوا أَنْ يَتَعدَّوا هذه الصفات ولا يَقْصُرُوا عن شيء مما وصفهم الله به قبل
[ ١٢٤ ]
أن يكونوا، وقال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء: ١٠٥] فكتب ذلك بعلم قبل أن يرثوها.
وقال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾ [الإسراء: ٤] قضى عليهم في الكتاب الإفساد في الأرض قبل أن يفسدوا، وقوله وقضينا، قال مجاهد: كتبنا.
(١١٤) كذلك حدثنا نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن ابن جريج، عن مجاهد (١).
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١] سبقت لهم الحسنى من الله قبل أن يُخْلَقُوا، لِعِلْمِ الله فيهم فما استطاعوا أن يَتَعَدَّوا شيئًا عَلِمَهُ الله فيهم.
وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣].
وأخبر عن أَعْمَالِ قومٍ قَبْلَ أن يَعْمَلُوهَا، قال: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾ [هود: ٤٨] فأخبر الله تعالى بِتَمْتِيعِهِم، ومَسِّ العذابِ إِيَاهُم قَبْلَ أن يُخْلَقُوا.
قال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] روي في بعض التفسير؛ أنهم الأعاجم، أخبر الله بدخولهم في الإسلام قبل أن يدخلوا.
وقال لأهل بدر حين أخذوا الفداء من المشركين: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال: ٦٨] يقول: لولا ما سبق
_________________
(١) إسناده ضعيف كسابقه، ولم أقف له على تخريج.
[ ١٢٥ ]
لأهل بدر من السعادة؛ لمسهم العذابُ، في أَخْذِهِمُ الفِدَاءَ، فلم يقدر أهلُ بَدْرٍ أن لا يأخذوه، ولو حرصوا على تركه.
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]، وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ [الأنعام: ٢٨]
وقال: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ [الدخان: ١٥ - ١٦].
وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠]، فسبقت لهم منه الرحمة قبل أن يخلقوا، والدعاء لمن سبقهم قبل أن يدعوا.
وقال: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)﴾ [الدخان: ٢٣ - ٢٤] فأخبر الله باتِّبَاعِهِم، وإغراقهم قبل أن يكون.
وقال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] فأخبر باختلافهم قبل أن يختلفوا.
وقال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٨].
وقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)
[ ١٢٦ ]
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٢ - ٢٣] ولكن، عَلِمَ منهم غيرَ ذلك؛ فصاروا إلى ما عَلِمَ منهم.
وأخبر بعلمه في قوم، فقال: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ [يس: ١٠].
وأخبر عن قوم آخرين فقال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾ [المؤمنون: ٧٥].
فَمَنْ آمن بِكتابِ اللهِ وصَدَّقَ رُسُلَ اللهِ؛ اكتفى ببعض ما ذكرنا في علم الله السابق في الخلق، وأعمالهم قبل أن يعملوها، ومن يُحْصِي ما في كتاب الله، وفي آثار رسول الله - ﷺ -، وأصحابه، والتابعين، في إثبات علم الله له والإقرار به، ويكفي في معرفة ذلك أَقَلُّ مما جمعنا، ولكن جمعناها لِيَتَدَبَّرَهَا أهلُ العُقُولِ والأَفْهَامِ؛ فيعرفوا ضلالة هؤلاء الذين أَخْرَجُوا اللهَ من العِلْمِ ونفوه عنه، وجعلوه في العلم والمعرفة كالخلق سواء، فقالوا: كما لا يَعْلَمُ الخَلْقُ بالشيءِ قبل أن يكون، فكذلك الله -بزعمهم- لا يعلمُ قَبْلَ أن يكون، فما فَضْلُ علاَّمِ الغُيُوبِ الذي يَعْلَمُ السِّرَّ وأخفى على المخلوق الذي لا يعلمُ شيئًا، إلا ما عَلَّمَهُ اللهُ.
وهذا المذهب الذي ادعوه في علم الله قد وافقهم على بعضه بعضُ المُعْتَزِلةِ؛ لأنه لا يبقى مذهبُ الفريقينِ جميعًا إلا بِرَدِّ عِلْمِ الله، فكفى به ضلالًا، ولأنهم متى ما أقروا بعلم سابق؛ خُصِمُوا، كذلك قال عمر بن عبد العزيز.
(١١٥) حدثنا نُعَيمُ بنُ حمَّادٍ، عن ابن المبارك، عن مَعْمَرٍ، عن زيد بن رُفَيْعٍ الجَزَرِي، عن عُمرَ بنِ عبد العَزِيزِ قال: «مَنْ أَقَرَّ بِالعِلمِ فَقَدْ خُصِم» (١).
_________________
(١) حسن، نعيم بن حماد فيه مقال كما تقدم، والأثر أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٩٤٨) = = واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١٣٢٥)، وابن عساكر في التاريخ (٤٨/ ٢٠٨)، من طريق أبي جعفر عمير بن يزيد الخطمي، عن عمر بن عبد العزيز، بنحوه، وإسناد الخطمي لا بأس به، فالأثر بهذا الطريق حسن إن شاء الله.
[ ١٢٧ ]
قال أبو سعيد ﵀: فتأويلُ قَولِهِم ومَذْهَبِهِم أنه كُلَّمَا حدث لله خَلْقٌ، حَدَثَ له علمٌ بِكَينُونَتِه، عِلْمٌ لم يَكُنْ عَلِمَهُ، ففي تأويلهم هذا، كان اللهُ ولا علم له -بزعمهم- حتى جاءَ الخَلْقُ فَأَفَادُوهُ عِلمًا، فكلما حَدَثَ خَلْقٌ حدث لله علمٌ -بزعمهم- فهو بما كان -بزعمهم- عَالِمٌ، وبما لم يكن غيرُ عالمٍ حتى يكون، فتعالى الله عما يصفون.
قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ الآية [لقمان: ٣٤] وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦)﴾ [الملك: ٢٦] وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقال: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ [طه: ٥٢].
فَكَيفَ يَحْدُثُ للهِ عِلْمٌ بكينونةِ الخَلْقِ، وعلى عِلْمِهِ السابق فِيهِم خُلِقُوا، وبما كتب عليهم في أُمِّ الكتابِ يعملون لا يزيدون مثقالَ حبَّةٍ ولا ينقصون.
قال: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ [القمر: ٥٢ - ٥٣] وقال: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾ [الزخرف: ٤] وقال: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾ [الرعد: ٤٣] وقال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ [الحديد: ٢٢] وقال: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١] ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي
[ ١٢٨ ]
كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠].
وقال: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
فهل كتب هذه الأشياء قبل كينونتها إلا للعلم بها قبل أن تكون.
(١١٦) حدثنا سعيدُ بنُ أبي مريم المصري، أخبرنا الليثُ وهو ابن سعد، حدثني عبد الله بن حَيَّان قال: حدثني عبدُ الوهَّابِ بنُ بُخْتٍ أو ثَعْلَبَةٍ الخَثْعَمِيُّ، عن أبي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ - ﵁ - قال: «أيها الناس لا يَشْتَبِهُ عليكم بأن اللهَ عَلِمَ عِلْمًا وخَلَقَ خَلْقًا، فإن كان العِلْمُ قبل الخَلْقِ، فالخَلْقُ يَتْبَعُ العِلْمَ، وإن كان الخَلْقُ قَبْلَ العِلْمِ، فالعِلْمُ يَتْبَعُ الخَلْقَ» (١).
(١١٧) قال ابنُ أبي مريم، وأخبرنا ابنُ لَهِيعَةَ، عن عبد الله بن حيان، عن عبد الوهاب بن بخت، عن أبي أمامة، مثله (٢).
قال أبو سعيد: فَادَّعَتْ هذه العِصَابةُ أنَّ الخَلْقَ قبل العلم، والعلم يتبع الخلق، فَأَيُّ ضَلاَلٍ أَبْيَن من هذا، وقال رسول الله - ﷺ -: إن أَوَّلَ شيءٍ خَلَقَ اللهُ القَلَمَ، فقال له: اكتُبْ، فَكَتَبَ كُلَّ شيءٍ يكون.
قال أبو سعيد ﵀: فلم يَدْر واللهِ القَلَمُ بما يجري، حَتَّى أجراه اللهُ بِعِلْمِهِ، وعَلَّمَهُ ما يَكْتُب مما يكون قبل أن يكون.
وقال رسول الله - ﷺ -: كَتَبَ اللهُ مَقَاديرَ أهلِ السَّماواتِ والأرضِ قَبْلَ أن يَخْلُقَهُم بخمسينَ ألفَ سَنةِ، فهل كتب ذلك إلا بما علم؟! فما موضعُ كتابِ
_________________
(١) ضعيف، لجهالة حال عبد الله بن حيان، ولم أقف على من أخرجه غير المصنف.
(٢) ضعيف كسابقه، وفيه أيضا ابن لهيعة، والعمل على تضعيف حديثه.
[ ١٢٩ ]
هذا، إن لم يَكُن عَلِمَهُ في دعواهم، ثم الأحاديثُ عن رسول الله - ﷺ - فيما يشبه هذا، وعن أصحابه، جُمْلَةٌ كثيرة، أكثر من أن يحصيها كتابُنَا هذا، وسنأتي منها ببعض ما حضر إن شاء الله، مع أَنَّا نَعْلَمُ أنهم يُكَذِّبُونَ بأحاديث رسول الله - ﷺ -، ولا يؤمنون بها، ولكن خَيْرٌ منهم وأطيب وأفضل وأعلم مِنَ النَّاسِ من يؤمنُ بها فَيَتَّقِيهِم.
(١١٨) حدثنا نعيم بن حماد، وأحمد بن جَمِيل، أن ابن المبارك أخبرهم، أخبرنا رَبَاحُ بنُ زَيْدٍ، عن [عُمَرَ] (١) بنِ حَبِيبٍ، عن القاسِم بن أبِي بَزَّةَ، عن سعيد بن جُبَيْرٍ، عن ابن عباس؟، أنه كان يُحَدِّثُ أَنَّ رسول الله - ﷺ - قال:
«إن أولَ شيءٍ خَلَقَهُ اللهُ القَلَمَ، فَأَمرهُ فَكَتَبَ كُلَّ شَيءٍ يَكُونُ» (٢).
(١١٩) حدثنا عبد الله بن صالح المِصْرِي قال: حدثني الليث يعني ابن سعد، عن أبي هَانِئ حُمَيِد بنِ هَانئ، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلِّي، عن عبد الله بن عمرو؟ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:
«كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ كُلِّ شيءٍ قَبْلَ أن يَخْلُقَ السماواتِ، والأرضَ بخمسينَ ألفَ سَنَةٍ» (٣).
(١٢٠) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبدُ اللهِ بنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، حدثنا بِشْرُ بن نُمَيْرٍ، عن القَاسِم، عن أبي أُمَامَةَ - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال:
_________________
(١) في الأصل عمرو والمثبت من المصادر.
(٢) صحيح، أخرجه الطبري في التفسير (٢٣/ ٥٢٦)، وأبو يعلى في مسنده (٢٣٢٩)، وابن أبي عاصم في السنة (١٠٨)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٣)، والضياء في المختارة (٣٦١)، وغيرهم، من طريق ابن المبارك، به، وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
(٣) صحيح، أخرجه مسلم (٢٦٥٣)، والترمذي (٢١٥٦)، وأحمد (٦٥٧٩)، وابن حبان (٦١٣٨)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٨٥٦)، وغيرهم، من طرق عن أبي هانئ، به.
[ ١٣٠ ]
«خَلَقَ اللهُ الخلقَ، وقضى القَضِيَّة، وأخذ ميثاقَ النبيين، وعرشُهُ على الماء، فأخذ أهلَ اليمينِ بيمينه، وأَخذَ أهلَ الشِّمالِ بيده الأخرى، وكِلْتَا يدي الرحمن يمين، وقال: يا أصحاب اليمين! قالوا: لبيك ربنا وسعديك، قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، ثم قال: يا أصحاب الشمال! قالوا: لبيك ربنا وسعديك، قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فَخَلَطَ بَعْضَهُم بِبَعضٍ، فقال قائل: ربِّ لم خَلَطت بيننا؟ قال: ﴿لَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)﴾ [المؤمنون: ٦٣] إلى قوله ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ [الأعراف: ١٧٢] ثُم رَدَّهُم في صُلْبِ آدمَ، قال: وقال رسول الله - ﷺ -: خلق الله الخلق، وقضى القضية، وأخذ ميثاق النبيين وعرشه على الماء، وأهلُ الجنة أَهلُها، وأهلُ النَّارِ أَهْلُها، فقال قائل: يا نبي الله! ما الأعمال؟ قال أن يعملَ كُلُّ قَوْمٍ لمنزلتهم، فقال عُمَرُ إذًا نجتهد، قال: وسُئِلَ رسولُ اللهِ - ﷺ - عن الأعمال، فقيل يا رسول الله! أرأيت الأعمال، أهو شيءٌ يُؤْتَنَفُ، أو فُرِغَ مِنْهَا؟ قال بل فُرِغَ منها» (١).
(١٢١) حدثنا نُعَيمُ بنُ حمَّاد، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا المَسْعُودِي، عن عَليِّ بنِ بَذِيمَةَ، عن سَعِيدِ بن جُبَيْر، عن ابن عباس؟، في قوله - ﷿ - ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] قال: «خَلَقَ اللهُ آدمَ، فَأَخَذَ ميثَاقَهُ؛ أَنَّهُ ربُّهُ، وكَتَبَ أَجَلَه، ورِزْقَهُ، ومصائِبَهُ، وأَخْرِجَ ولدَهُ من ظَهْرِهِ كهيئة الذَّرِّ، فأخذ مَوَاثِيقَهُم، أَنَّهُ رَبُّهُم، وكَتَبَ آجَالهم وأرزاقهم ومصائبهم» (٢).
_________________
(١) ضعيف جدًا، تقدم تخريجه برقم (١٤).
(٢) صحيح، أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (٨٥٣٠)، والطبري في التفسير (١٥٣٤٨، ١٥٣٤٩)، والفريابي في القدر (٤٥)، وغيرهم. وهذا الإسناد فيه نعيم بن حماد، فيه مقال، لكن للأثر طرق أخرى. ثم فيه المسعودي وكان قد اختلط قبل موته، لكن سماع القدماء منه صحيح، وقد روى هذا الأثر عنه من القدماء، كل من، ابن المبارك، ويحيى القطان، ومعاذ بن معاذ.
[ ١٣١ ]
(١٢٢) حدثنا محمدُ بنُ كَثِيرٍ العَبْدِيُّ، حدثنا سُفْيان، عن خالدٍ الحَذَّاء، عن عبد الأَعْلَى، عن عَبْدِ اللهِ بنِ الحَارِثِ، قال: خَطَبَ عمرُ بنُ الخطاب - ﵁ - قال: «إن الله خَلَقَ أهلَ الجنَّةِ، وما هم عَامِلُون، وخَلَقَ أهلَ النَّارِ وما هم عَامِلُونَ، فقال: هؤلاء لهذه، وهؤلاء لهذه» (١).
(١٢٣) حدثنا عَمرُو بنُ عَوْن الوَاسِطِيُّ، أخبرنا أبو عَوَانَةَ، عن أبِي بَشْرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيْر، عن ابن عباس؟، أن النبي - ﷺ - سُئِلَ عن أطفال المشركين؟ فقال:
«اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ، إِذْ خَلَقَهُم» (٢).
(١٢٤) حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن المبارك، عن أَيُّوبَ، عن الزُّهْري، عن عطاء، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، مثله (٣).
(١٢٥) حدثنا عمرو بن عون، أخبرنا هُشَيْمٌ، عن خالد وهو الحذاء، عن عبد الله بن شَقِيقٍ، عن [ابن] أبي الجَدْعَاء، قال: قال رجل: يا رسول الله! مَتَى
_________________
(١) ضعيف، أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٩٢٩)، والبيهقي في القضاء والقدر (٣٠٩)، والفريابي في القدر (٤٢)، وقوام السنة الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (٣٨)، من طريق عبد الأعلى بن عبد الله، به، وهذا الأثر رجاله ثقات، غير عبد الأعلى هذا؛ فإنه كما قال الحافظ مقبول، يعني حيث يتابع، وإلا فلين، وقد تفرد بهذا الأثر، والله أعلم.
(٢) أخرجه البخاري (١٣٨٣، ٦٥٩٧)، ومسلم (٢٦٦٠)، وأبو داود (٤٧١٣)، وأحمد (٣٠٣٤، ٣١٦٥)، وغيرهم من طريق أبي بشر، به.
(٣) صحيح، أخرجه البخاري (١٣٨٤)، ومسلم (٢٦٥٩)، والنسائي (٤/ ٥٨)، وأحمد (٧٥١٢)، وغيرهم، من طرق عن الزهري، به.
[ ١٣٢ ]
كُتِبْتَ نَبِيًّا؟ قال: «وآدمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ» (١).
(١٢٦) قرأت على أبي اليَمَان، أَنَّ أبا بكر بن أبي مريم الغَسَّانِي حدثه، عن سعيد بن سُوَيْدٍ، عن عِرْبَاض بن سَارِيَة السُّلَمِي - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول:
«إِنِّي عند اللهِ في أُمِّ الكِتَابِ، لخاتَمَ النَّبِيِّينَ، وإِنَّ آدمَ لَمُنْجَدِلٌ في طِينَتِهِ» (٢).
_________________
(١) هذا الحديث ظاهره الصحة، إلا أنه معلول بالاضطراب؛ فقد رواه عبد الله بن شقيق، واختلف عنه، فرواه أحمد (١٦٦٢٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٧٧٠٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٤١١)، وفي الآحاد والمثاني (٢٩١٨)، والروياني (١٥١٣)، وغيرهم، من طرق عن عبد الله بن شقيق، عن رجل سأل النبي - ﷺ -، هكذا مرسل، دون ذكر ابن أبي الجدعاء. ورواه أحمد (٢٠٥٩٦)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٥٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٦٠٧)، وابن سعد في الطبقات (٧/ ٥٩)، وغيرهم من طرق، عنه، عن ميسرة الفجر -وهو لقب ابن أبي الجدعاء-، أنه سأل النبي - ﷺ -. ورواه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٦١٤)، والضياء في المختارة (١٢٣)، وغيرهم من طرق، عنه، عن ابن أبي الجدعاء، قال سأل رجل النبي - ﷺ -. وقد سئل الدارقطني عن هذا الحديث كما في العلل (٣٤٣٢)، فذكر الاختلاف فيه، ثم قال: وأشبهها بالصواب؛ المرسل. ورواه الترمذي في العلل الكبير (٦٨٣ - ترتيب القاضي)، وأظنه رجح الرواية المرسلة، وقد ذكر الحافظ هذا الاختلاف أيضًا في ترجمة ميسرة الفجر من الإصابة، والله أعلم.
(٢) حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف، أخرجه أحمد (١٧١٦٣)، والبزار (٤١٩٩)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٥٣)، وفي الشاميين (١٤٥٥)، والحاكم (٢/ ٦٠٠)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٨٩)، والطبري في التفسير (٢٠٧١)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٠٩)، وغيرهم، من طريق أبي بكر بن أبي مريم، به، وهذا إسناد ضعيف؛ لأجل ابن أبي مريم؛ فإنه ضعيف، وأما ما ذكره محقق المطبوعة، بأن أعله بسعيد بن سويد، حيث وصفه بالتدليس، ورد على الذهبي، فقال «ولم يذكر العلة الأخرى، وهي عدم تصريح سعيد بن سويد بالسماع، فقد كان مدلسًا» فما أرى هذا إلا من التقليد المذموم، فلم يصف أحدٌ سعيدًا بالتدليس، إلا= = العلامة الألباني ﵀، وكان ذلك وهم منه، حيث اختلط عليه الاسم، فنقل ترجمة سويد ابن سعيد الأنباري من الجرح والتعديل، فأخطأ ﵀. وسعيد، وثقه ابن حبان، وقال البزار: رجل من أهل الشام ليس به بأس، وذكره البخاري في تاريخه، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يجرحاه. وقد تابع أبا بكر بن أبي مريم، في روايته عن سعيد بن سويد؛ معاوية بن صالح، إلا أنه أدخل عبد الأعلى بن هلال بين سعيد بن سويد، وبين العرباض، أخرجه أحمد (١٧١٥٠)، وابن حبان (٦٤٠٤)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٥٢)، وفي الشاميين (١٩٣٩)، وابن أبي حاتم في التفسير (١٢٥٤)، والطبري في التفسير (٢٠٧٣)، وغيرهم، من طريق معاوية بن صالح، عن سعيد بن سويد، عن عبد الأعلى بن هلال، عن العرباض، به، وعبد الأعلى بن هلال، روى عنه اثنان ولم يجرح، فهو لا بأس به، ما لم يخالف، فهذا إسناد حسن إن شاء الله.
[ ١٣٣ ]
(١٢٧) حدثنا نُعَيْمُ بنُ حَمَّادٍ، حدثنا ابْنُ المُبَارَكِ، أخبرنا حَيْوَةُ بنُ شَرَيْحٍ، قال: أخبرني أبو هَانِئ الخَوْلانِيُّ، أنه سمع أبا عبدَ الرَّحمَنِ الحُبُلِّي يقول: سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرو بن العاص يقول: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقول:
«قَدَّرَ اللهُ المَقَادِيرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاواتِ والأَرْضَ» (١).
(١٢٨) حدثنا سَعيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ المِصْرِيُّ قال: أخبرني الليثُ بنُ سَعْدٍ قال: حدثنِي أبو قَبِيلٍ، عن شُفَيِّ بنِ مَاتِعٍ الأَصْبَحِي، عن عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسولُ الله - ﷺ - وفي يده كتابان فقال:
«أَتَدْرُونَ ما هذان الكِتَابان؟ قالوا: لا يا رسول الله، فقال للأيمن منهما؛ هذا كتابٌ مِنْ ربِّ العالمينَ بأسماء أهلِ الجنةِ، وأسماءِ آبائهم وقَبَائِلِهم، أجمل على آخرهم فلا يُزَادُ فيهم، ولا يُنْقَصُ منهم أبدًا، وقال للذي في يده اليُسْرى؛
_________________
(١) صحيح، أخرجه الترمذي (٢١٥٦)، وأحمد (٦٥٧٩)، وابن حبان (٦١٣٨)، والبزار (٢٤٥٦)، وعبد بن حميد (٣٤٣ - منتخب)، وغيرهم من طرق عن حيوة بن شريح، به، وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات، غير نعيم بن حماد، فيه مقال، لكن صحة الطرق إلى حيوة تدل أنه لم يخطئ هنا .
[ ١٣٤ ]
وهذا كتابٌ بأسماء أهلِ النَّارِ، وأسماءِ آبائِهِم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يُزاد فيهم، ولا يُنقص منهم أبدًا، فقال أصحاب رسول الله - ﷺ -: فَلأيِّ شيءٍ يُعْمَل إن كان هذا الأَمرُ قد فُرِغ منه، فقال رسول الله - ﷺ -: سَدِّدُوا وقاربوا فإن أصحاب (١) الجنةِ يُخْتَمُ له بعمل أهل الجنة، وإِنْ عَمِلَ أَيَّمَا عمل، وإن أصحاب النار يختم له بعمل أهل النار، وإن عمل أيما عمل، ثم قَبَضَ يَدَيْهِ وقال: فَرَغَ رَبُّكُم من العباد، ثم قال بيده اليُمْنَى، فَنَبَذَ بها فقال، ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ﴾ [الشورى: ٧]، ونَبَذَ بالأخرى وقال: ﴿فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾» (٢).
قال أبو سعيد: فهؤلاء قد كَتَبَهُم الله بأسمائهم التي كان في علمه أن يسميهم بها آبَاؤُهُم وأُمَّهَاتُهُم، قبل أن يخلقهم، فما قَدَرَ الآباءُ لتلك الأسماءِ تَبديلًا، ولا استطاع إِبليسُ لمَنْ هَدَى اللهُ منهم تَضْلَيلًا.
وسئُلَ رسولُ اللهِ - ﷺ - عن أطفال المشركين؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين، فَردَّ أَمْرَهُم إلى سابقِ عِلْمِ اللهِ فِيهِم قبل أن يُخْلَقُوا، وقبل أن يَعملوا.
وقال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
وقال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢].
_________________
(١) كذا.
(٢) صحيح، أخرجه الترمذي (٢١٤١)، وقال حسن غريب صحيح، وأحمد (٦٥٦٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٣٤٨)، وابن وهب في القدر (١٣)، والطبري في التفسير (٢١/ ٥٠٤)، وغيرهم، من طريق أبي قبيل واسمه حُيَيّ بن هانئ، به، وقد ذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان يخطئ، ونعتمد فيه توثيق ابن معين، الذي نقله عنه المصنف في تاريخه (٩٢٣)، وقد وثقه جماعة أخرى.
[ ١٣٥ ]
وقال رسول الله - ﷺ -:
«يُكْتَبُ بَيْنَ عَيْنَي المَوْلُودِ ما هو لاقٍ قَبْلَ أن يُولَد، حَتَّى النَّكْبَةَ يُنْكَبُها».
(١٢٩) حدثنا أحمد بن صالح المصري، حدثنا ابنُ وَهْبٍ قال: أخبرني يُونُس، عن ابن شِهَابٍ، أن عبد الرحمن بن هُنَيْدَةَ حَدَّثَهُ، أن عبدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قال: قال رسول الله - ﷺ -:
«إِذَا أرادَ اللهُ - ﷿ - أن يَخْلُقَ النَّسَمَةَ قال مَلَكُ الأرحامِ مُعْرِضًا: يا رب! أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي اللهُ أَمْرَهُ، ثم يقول يا رب! شَقِيٌّ أم سعيد؟ فيقضي الله أمره، ثم يُكْتَبُ بين عينيه ما هو لاقٍ، حَتَّى النَّكْبةَ يُنْكَبُهَا» (١).
(١٣٠) حدثنا محمدُ بنُ كَثِيرٍ (٢)، أخبرنا سُفْيانُ الثَّوْريُّ، عَن الأَعْمَشِ، حدثنا زَيْدُ بنُ وَهْبٍ قال: حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ - ﵁ - قال: حَدثنا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وهو الصَّادِقُ المَصْدُوقُ:
«إن أَحَدَكُم يُجْمَعُ (٣) في بَطنِ أمِّهِ أربعينَ ليلةً، ثم يكونُ عَلَقَةً مثل ذلك، ثم يكون مُضْغَةً مثل ذلك، ثم يَبْعَثُ اللهُ مَلَكًا فَيُؤمَرُ بأربعِ كَلِمَاتٍ فيقول: اكتُبْ
_________________
(١) صحيح، أخرجه ابن وهب في القدر (٣٠)، وابن حبان في صحيحه (٦١٧٨)، وأبو يعلى (٥٧٧٥)، وابن أبي عاصم في السنة (١٨٢)، وابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١١١)، وغيرهم، من طريق الزهري، به، وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
(٢) في الأصل «معاذ بن محمد بن كثير» وهو سبق قلم من الناسخ، وهذا الاسم غير موجود، وما أثبتناه هو الصواب الموافق لمصادر التخريج، وأخرجه أبو داود في سننه (٤٧١٠)، عن محمد بن كثير، به، وكذلك البيهقي في القضاء والقدر (٦٠)، من طريق محمد بن كثير العبدي، به.
(٣) زاد هنا في المطبوعة كلمة «خلقه» وعلق في الحاشية قائلا: «زياد يقتضيها السياق وهي موجودة في المصادر التي أخرجت الحديث» قلت: أي سياق الذي يقتضي هذه الزيادة؟ ألا يتم المعنى بدونها؟! لاسيما وقد أخرج الحديث البخاري وأبو داود وغيرهما بدونها.
[ ١٣٦ ]
عَمَلَهُ وأَجَلَهُ ورِزْقَهُ وشَقِيٌّ أو سَعِيدٌ، فإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بعملِ أهلِ الجنةِ، حتَّى ما يكون بينه وبين الجنةِ إلا ذِرَاعٌ؛ فَيَغْلِبُ عليه الكِتَابُ الذي سَبَقَ، فَيُخْتَمُ بِعَمَلِ أهلِ النَّارِ؛ فَيَدْخُلَ النَّارَ، وإن الرجلَ ليعمل بعمل أهل النَّار، حتَّى ما يكون بينه وبين النَّارِ إلا ذِرَاعٌ؛ فَيَغْلِبُ عليه الكِتَابُ الذي سَبَقَ، فَيُخْتَمُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ؛ فَيَدْخُلَ الجَنَّةَ» (١).
(١٣١) حدثناه أبو عمر الحَوْضِي، حدثنا شَعْبَةُ، عن سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله - ﷺ - وهو الصَّادِقُ المَصْدُوقُ: ذكر نحوه، قال:
«فَيُكْتَبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ، وشَقِيٌّ أو سَعِيدٌ، ثم يُنْفَخُ فيه الرُّوحَ» (٢).
(١٣٢) حدثنا عثمان بن أبي شَيْبَةَ، حدثنا جَرِيرٌ، عن منصور، عن سعد بن عُبَيدةَ، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمِي، عن عَليٍّ - ﵁ - قال: كُنَّا في جِنَازَةٍ في بَقِيعِ الغَرْقَدِ، قال: فأتانا رسول الله - ﷺ -، فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا معه، ومَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخصَرَتِهِ، ثم قال:
«ما مِنْكُم مِنْ أحدٍ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلاَّ وَقَد كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجنة أو النار، وإلا قد كُتِبَتْ شَقِيَّةٌ أو سَعِيدَةٌ، قال: فقال رجلٌ: يا رسول الله! أفلا نَتَّكِلُ على كِتَابِ رَبِّنَا، ونَدَعُ العَمَلَ، فَمَنْ كان مِنَّا من أهل السَّعادَةِ فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أهلِ السَّعادَةِ، ومن كان من أهل الشَّقَاوةِ، فسيصيرُ إلى عمل أهل الشقاوة،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢٠٨، ٣٣٣٢، ٦٥٩٤، ٧٤٥٤)، ومسلم (٢٦٤٣)، وأبو داود (٤٧١٠)، والترمذي (٢١٣٧)، والنسائي في الكبرى (١١١٨٢)، وابن ماجه (٧٦)، وأحمد (٤٠٩١)، وغيرهم، من طريق الأعمش، به.
(٢) ينظر تخريج الحديث السابق.
[ ١٣٧ ]
قال: اعملوا، أما أهلُ السَّعادةِ، فَيُيَسَّرُونَ لعملِ أهلِ السَّعادةِ، وأما أهلُ الشَّقَاوةِ فَيُيَسَّرُونَ لعملِ الشَّقَاوَةِ، ثم قرأ، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ إلى قوله ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾» (١).
(١٣٣) حدثنا نُعَيم بنُ حمَّاد، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا شُعْبَةُ بنُ الحجَّاج قال: أخبرني عَاصِمُ بنُ عبيد الله قال: سمعتُ سالمَ بن عبد الله قال: سمعتُ أبي يقول: سمعتُ عمرَ بنَ الخطاب - ﵁ - يقول:
«سَأَلْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - فقلتُ: أرأيتَ ما يُعمَلُ، أَفِي أَمرٍ قد فُرِغَ منه، أَمْ أَمْر مُبْتَدَع أو مُبْتَدَأ؟ فقال: فيما قد فُرِغَ منه، فقال عمر: أفلا نَتَّكِلُ؟ فقال: اعْمَلْ يَا ابنَ الخَطَّاب؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له، أَمَّا مَنْ كان أهلُ (٢) السَّعَادَةِ؛ فهو يَعملُ للسعادة، وأَمَّا من كان مِنْ أَهْلِ الشَّقاءِ؛ فهو يَعْمَلُ للشَّقاءِ» (٣).
قال أبو سعيد ﵀: ومَن فَرَغَ مِنْهُ إِلا مَنْ قد عَلِمَهُ قَبْلَ أن يكون؟ ومَنْ يَسَّرَهُم لما خَلَقَهُم له، إلا من قد عَلِمَ ما هم عاملونَ قَبْلَ أن يخلقهم؟
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٦٢، ٤٩٤٨)، ومسلم (٢٦٤٧)، كلاهما عن شيخ المصنف، به، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٦١٤)، والطيالسي (١٤٦)، وعبد بن حميد (٨٤)، وابن أبي عاصم في السنة، وغيرهم، من طرق عن منصور بن المعتمر، به.
(٢) كذا في الأصل، بدون كلمة «من» قبلها.
(٣) حسن، أخرجه الترمذي (٢١٣٥)، وأحمد (١٩٦)، والطيالسي (١١)، وأبو يعلى (٥٤٦٣)، والبزار (١٢١)، وابن أبي عاصم في السنة (١٦٣)، والآجري في الشريعة (٣٦٤)، وغيرهم، من طريق شعبة، به، وهذا إسناد ضعيف؛ لأجل عاصم بن عبيد الله، فقد ضعفه ابن معين، وأنكر حديثه البخاري وغيره، لكن قال ابن عدي: وهو مع ضعفه يكتب حديثه، قلت: يعني في الشواهد والمتابعات، وهذا الحديث يشهد لمعناه الحديث الذي قبله، وحديث آخر أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٦٥)، من حديث أبي هريرة عن عمر بن الخطاب، بنحوه، وقد قال الترمذي عقب روايته له: وهذا حديث حسن صحيح.
[ ١٣٨ ]
فَسُبحانَ من لا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ أن يكونَ كذلك غَيْرُهُ، وتعالَى عُلُوًا كبيرًا.
فَيُقَالُ لمن ردَّ ما ذكرنا من كتاب الله، وهذه الأخبار، ولم يُقِر لله بِعِلْمٍ سابق: أرأيت الله يعلمُ أن الساعةَ آتيةٌ؟ فإن قال: لا؛ فقد فار (١) قوله وكَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ على نبيه - ﷺ - وكَذَّبَ بِالبَعْثِ، وأخبرك أَنَّهُ نَفْسُهُ لا يُؤمنُ بقيامِ السَّاعَةِ.
وإن قال يَعْلَمُ اللهُ أنَّ الساعةَ آتيةٌ؛ فقد أَقَرَّ بِكُلِّ العلم، شاء أو أَبَى، ويقال له أيضًا: أَعَلِمَ اللهُ قبل أن يَخْلُقَ الخَلْقَ أنه خالقهم؟ فإن قال لا؛ فقد كفر بالله العظيم، وإن قال بلى؛ فقد أَقَرَّ بالعِلْمِ السَّابِقِ، وانْتَقَضَ عليه مذهبه في رَدِّ عِلْمِ اللهِ، وهو منتقض عليه -على زعمه-.
* * *
_________________
(١) في المطبوعة غيرها إلى «فارق» والمثبت من الأصل، ومعنى «فار قوله» خرج عن القصد.
[ ١٣٩ ]