(١٩٨) حدثنا يحيَى بنُ عَبْدِ الحميدِ الحِمَّانِيُّ، أَنِّ أَبَا بِكرِ بنِ عَيَّاش حَدثَهُم، عَن أَبِي حَصِين، عن سُوَيْد بنِ غَفَلَةَ، «أَنَّ عَلِيًّا - ﵁ - قَتَلَ زَنَادِقَةً، ثم أَحْرَقَهُم، ثم قال: صَدَقَ اللهُ ورَسُولُهُ» (١).
(١٩٩) حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، عن حمادُ بنُ زَيْدٍ، وجَرِيرُ بنُ حازِم، عن أَيُّوبَ، عن عِكْرِمَةَ، أَنَّ عَليا - ﵁ -، أتَى بِقَوْمٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ فَحَرَّقَهُم، فَبلغَ ذَلك ابنَ عَبَّاس؟، فقال: أَمَّا أَنَا فَلَو كُنْتُ، لَقَتَلْتُهُم؛ لقولِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، ولَمَا حَرَّقْتُهُم؛ لِنَهيِ رَسولِ اللهِ - ﷺ -: قال رسول الله - ﷺ -:
«مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ، فَاقْتُلُوهُ»، وقال: «لاَ تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ»، -وزاد سليمانُ في حديثِ جَرِيرٍ-قال فَبَلَغَ عَليًّا ما قال ابنُ عَبَّاسٍ؟، فقال: «وَيْحَ ابنِ أُمِّ الفَضْلِ! إنه لَغَوَّاصٌ عَلَى الهَنَاتِ» (٢).
قال أبو سعيد ﵀: فَالجَهْمِيَّةُ عندنا زَنَادِقَة مِنْ أَخْبَثِ الزَّنَادِقة، نَرَى أَنْ يُسْتَتَابُوا مِنْ كُفْرِهِم، فَإِنْ أَظْهَرُوا التَّوْبَةَ تُرِكُوا وإِنْ لم يُظْهِرُونَنَا (٣) تُرِكُوا،
_________________
(١) حسن، يحيى الحماني وإن كان ضعيفا، لكن تابعه عليه خلاد بن أسلم، كما أخرجه البزار في مسنده (٥٧٠)، وخلاد وثقه الدارقطني والنسائي وغيرهما، وأبو بكر بن عياش أقل أحواله أنه صدوق، وباقي رجاله ثقات، وقد ضعف إسناده محقق المطبوعة، وأتى له بمتابعة أشد ضعفًا!!
(٢) صحيح، تقدم برقم (١٨٧).
(٣) في المطبوعة غيرها إلى «يظهروها» فيكون المعنى؛ أن الجهمية يُتْرَكون، سواءٌ عليهم أظهروا التوبة أو لم يظهروها! فيا فرحة الجهمية بهذا الكلام! ويكون الكلام كما يقول الذهبي ﵀ (هذا كلام قاعد قائم)! وما أثبتناه من الأصل، والمعنى: لم يظهروننا ببدعتهم، ويدعون إليها.
[ ١٨٩ ]
وإِنْ شَهَّدتَ عَليهم بذلك شُهُودَ فَأَنْكَرُوا، ولم يتوبوا؛ قُتِلُوا، كذلك بَلَغَنَا عنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ -، أَنَّهُ سَنَّ في الزَّنَادِقَة.
(٢٠٠) حدثناه يحيَى بنُ يحيَى، أخبرنا هُشَيْمٌ، عن إِسماعِيلَ بنِ سَالمٍ، عن أَبِي إِدْرِيسَ قال: أُتِيَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالبٍ بِقَوْمٍ مِنَ الزنادقة، فَأنكَرُوا، فَقَامَتْ عليهمُ البَيِّنَةُ؛ فَقَتَلَهُم [] (١) هَذَا قَد اسْتَتَبْتُهُ فَاعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ (٢).
(٢٠١) وحَدَّثنا القَاسِمُ بنُ محمد البَغْدَادِيُّ، حدثنا عبدُ الرَّحمنِ بنِ محمدِ بنِ حَبِيب بن أَبِي حَبِيب، عَنْ أَبِيِه، عَنْ جَدِّهِ حَبِيب بنِ أَبِي حبيب قال: خَطَبَنا خَالِدُ بنُ عبدِ اللهِ القَسْرِيُّ بِوَاسِط يَوْمَ الأَضْحَى، فقال: «أَيُّهَا النَّاس! ارْجِعُوا فَضَحُّوا تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا ومِنْكُم، فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالجَعْدِ بنِ دِرْهَم؛ إِنَّه زَعَمَ أَنَّ اللهَ ﵎ لم يَتَّخِذْ إِبراهِيمَ خَليلًا، ولم يُكَلَّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا سبحانه وتعالى عَمَّا يَقُولُ الجعدُ بنُ دِرْهَم عُلوًّا كَبِيرًا، ثم نَزَلَ فَذَبحَهُ» (٣).
(٢٠٢) حدثنا هِشَامُ بنُ منصور البَغْدَادِي المَكْفُوف (٤) [حدثنا] (٥) أحمدُ بنُ سُليمان البُاهِلِيُّ، حدثنا خَلَفُ بنُ خَلِيفَةَ الأَشْجَعِيُّ قال: «أُتِيَ خَالدُ بنُ عبد الله القَسْرِي بِرَجُلٍ قد عَارَضَ القُرآنَ، فَقَالَ: قَالَ اللهُ في كتابه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر:١،٣]،
_________________
(١) في الأصل بياض بمقدار أربع كلمات، وضبب فوقها.
(٢) إسناده ضعيف، أبو إدريس هو يزيد بن عبد الرحمن الأودي، مقبول، يعني حيث يتابع ولم أقف على من تابعه، وهشيم بن بشير، مدلس ولم يصرح بالسماع.
(٣) تقدم برقم (١).
(٤) في الأصل «المكوف» وكتب فوقها كذا، والصواب ما أثبتناه إن شاء الله، ففي ترجمته من تاريخ بغداد؛ أنه كان ضريرًا.
(٥) ما بين معقوفين بياض في الأصل.
[ ١٩٠ ]
وقُلتُ أنا ما هو أحسن منه: إِنَّا أعطيناكَ الجماهر، فَصَلِّ لربَّكَ وجَاهِر ولا تُطِعْ كُلَّ سَافِهٍ وَكَافِر، فَضَربَ خَالِدٌ عُنقَهُ وصَلَبَهُ، فَمَرَّ بِهِ خَلَفُ بنُ خَلِيفَةَ وهو مَصْلُوب، فَضَربَ بِيَدِه عَلَى خَشَبَتِهِ فقال: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ العَمُودَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ عَلَى عُود، فَأَنَا ضَامِنٌ لَكَ أَنْ لا تَعُود» (١).
(٢٠٣) حدثَّنا مُوسى بنُ إسماعيلَ قال: قُلتُ لإبراهيمَ بنَ سَعد: ما تقولُ في الزَّنَادِقَة، تَرَى أَنْ نَسْتَتِيبَهُم؟ قال: لا، قلتُ: فَبِم تقول ذلك؟ قال: كان عَلَيْنا وَالٍ بالمدينة، فَقَتَلَ منهم رَجُلًا ولم يَسْتَتِبْه، فسُقِط في يَدِهِ، فَبَعَثَ إلى أَبِي (٢)، فقال له أَبِي: لا يَهِيدَنَّكَ (٣)؛ فإنه قول الله - ﷿ -: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ قال السيف ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥] قال: السَّيف، فقال: سنته القتل (٤).
(٢٠٤) وسمعتُ الرَّبيعَ بنَ نَافِعٍ أبو (٥) تَوبةَ الحَلَبِيَّ يقول: نَاظَرتُ أَحمدَ بنَ حَنْبَلٍ في قَتْلِ هَؤلاءِ الجَهْمَيَّة، فَقَالَ: يُسْتَتَابُونَ، فَقُلتُ له: أَمَّا خُطَبَاؤُهُم؛ فلا يستتابون، وتُضْرَبُ أَعْنَاقُهُم (٦).
_________________
(١) حسن، خلف بن خليفة صدوق، وهشام بن منصور ترجمه الخطيب في تاريخه ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وذكر ثلاثة من الرواة عنه، وللقصة شاهد عند ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٦/ ١٤٣)، بإسناد فيه مقال.
(٢) هو الإمام الثقة العابد سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، المتوفى سنة ١٢٥ هـ.
(٣) في المطبوعة غيَّرها إلى يهدينك، ولا معنى لها في هذا السياق، وما أثبتناه من الأصل، والمعنى لا يمنعك، وينظر إكمال الأعلام بتثليث الكلام للجياني (٢/ ٦٩٨)، وكذلك تهذيب اللغة للأزهري.
(٤) إسناده أئمة ثقات.
(٥) كذا في الأصل.
(٦) إسناده كسابقه.
[ ١٩١ ]
(٢٠٥) حدثنا يحيَى بنُ بُكَيْرٍ المِصْريُّ، حدثنا مَالِكُ بنُ أَنَس، عن زَيدِ بنِ أَسْلَم، أن النَّبِي - ﷺ - قال:
«مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» (١).
قَالَ مَالِكٌ: «معنَى حَديثِ النَّبِي - ﷺ - فيما نَرَى -والله أعلم-؛ أَنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِن الإسلامِ إلى غَيرهِ مِثْل الزنادقة وأَشبَاهِهَا، فإن أولئك يُقْتَلون، ولا يُسْتتابون؛ لأنه لا تُعرفُ تَوْبَتُهُم، وأنهم قد كانوا يُسِرُّونَ الكُفرَ، ويُعلنُون بالإسلام، فلا أَرَى أَن يُستتابَ هَؤلاءِ، ولا يُقْبَلَ قَولُهُم، وأَمَّا مَن خَرَجَ مِنَ الإِسلامِ إلى غَيرِهِ، وأَظْهَر ذَلكَ؛ فإِنَّه يُستَتَاب، فإن تاب وإِلا قُتِل، وذلك أنه لو كان قومٌ (٢) كانوا على ذلك، رَأَيتُ أن يُدْعَوْا إلى الإسلامِ ويُسْتَتَابُوا، فإن تَابُوا قُبِلَ ذلك منهم، وإن لم يتوبوا؛ قُتِلُوا.
قال مالك: ولم يُعْنَ بهذا الحديث مَنْ خَرَجَ مِنَ اليهودية إلى النصرانية، ولا من النَّصرانية إلى اليهودية، إنما عُنِى بذلك؛ مَنْ خَرَجَ مِنَ الإسلامِ إلى غَيْرِهِ فيما نرى، والله أعلم» (٣).
قال أبو سعيد ﵀: فَأيُّ كُفْرٍ أعظم مِنْ كفر قَومٍ رَأَى فُقهاءُ المدينة؛ مِثْلُ سَعدِ بنِ إبراهيم، ومَالِكِ بنِ أَنس أنهم يُقتلون، ولا يُستَتَابُون إِعْظَامًا لِكُفْرِهِم، والمرتد عندهم يُسْتَتَابُ ويُقْبَلُ رُجُوعُه، فكانت الزندقةُ أكْبر في أَنْفُسِهِم مِن الارتِداد، ومن كُفْرِ اليَهود والنصارى، ولذلك قال ابنُ المُباركِ: لأَنْ أَحْكِي كَلامَ اليَهودِ والنَّصَارَى أَحب إِلي مِنْ أَحْكِي كلامَ الجَهْمِيَّة.
_________________
(١) مرسل، أخرجه مالك في الموطأ (١٤١٩)، وعنه الشافعي في مسنده (ص ٣٢١)، ومن طريق الشافعي البيهقي في الكبرى (٨/ ١٩٥).
(٢) في المطبوعة «إن قوما» والمثبت من الأصل.
(٣) ذكره مالك في الموطأ عقب الحديث السابق، باختلاف بعض الألفاظ.
[ ١٩٢ ]
(٢٠٦) حدثناه الحَسَنُ بن الصَّبَّاحِ البَغْدَادِيُّ، عن علي بن شَقِيقٍ، عن ابن المبارك (١).
قال أبو سعيد: وَصَدقَ ابنُ المباركِ، إن مِنْ كلامِهِم ما هُو أَوْحَشُ مِنْ كلامِ اليَهودِ والنصارى، فلذلك رَأى أَهلُ المدينةِ أن يُقْتَلُوا ولا يُستتابوا، ولذلك قال أَبو تَوْبَةَ لأحمد بن حنبل؟: أمَّا خُطباؤُهُم فلا يستتابون وتُضربُ أَعنَاقُهُم؛ لأنَّ الخُطباءَ اعْتَقَدُوهُ دِيْنًا في أنفسهم على بَصرٍ مِنهم بِسُوءِ مَذَاهِبِهم، وأظهروا الإسلام تَعَوُّذًا، وجُنَّةً مِنَ القَتْلِ، ولا تَكَاد تَرى البصيرَ مِنْهُم بمذهبه يَرجِعُ عَن رَأْيِهِ.
قال أبو سعيد: وذَهَبْتُ يومًا أَحْكِي لِيَحْيَى بنِ يحيَى كلامَ الجهمية لأَستخرجَ مِنهُ نَقْضًا عَليِهم، وفي مجلسه يومئذ الحُسَينُ بنُ عِيسَى البِسْطَامِي، وأَحمدُ بنُ يونسَ القَاضِي، ومحمدُ بنُ رَافع، وأبو قُدامَةَ السَّرْخَسِي فيما أحسب، وغيرهم من المشايخ، فَزَبَرَنِي بِغَضَبٍ، وقال: اسْكُتْ، وأَنْكَرَ عَلَيَّ المشايخُ الذين في مجلسه اسْتِعْظَامًا أَن أَحْكِي كلامَ الجَهْمِيَّة، وتَشْنِيعًا عَليهم، فَكَيْفَ بمن يحكِي عَنْهُم دِيَانَةً، ثم قال لي يَحْيَى: القُرآنُ كَلامُ اللهِ، مَنْ شَكَّ فِيه أَوْ زَعَمَ أَنَّهُ مخلوقٌ؛ فَهو كَافِرٌ.
(٢٠٧) حَدَّثنا يُوسفُ بنُ يَحيَى البُوَيْطِيُّ، عن محمد بنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِي في الزنديق قال: يُقْبَلُ قَولُهُ إِذَا رَجَع، ولا يُقْتَل، واحْتَجَّ فيهم بـ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ الآية [المنافقون: ١]، فَأَمَره اللهُ - ﷿ - أن يَدَع قَتْلَهُم لِمَا يُظْهِرونَ مِنَ الإِسلامِ، وكذلك الزنديق، إذا أظهرَ الإسلامَ كان في هذا الوقتِ مُسْلِمًا،
_________________
(١) تقدم تخريجه برقم (٥).
[ ١٩٣ ]
والمسلم غَيرُ مُبَدِّل، قال رسول الله - ﷺ -: ألا شَقَقتَ عن قَلْبِهِ.
قال أبو سعيد ﵀: وأنا أقولُ كما قَال الشَّافِعِيُّ؛ أن تُقْبَلَ علانِيَتُهُم إذَا اتخذوهَا جُنَّةً لهم مِنَ القَتلِ، أَسَرُّوا في أنفسهم ما أَسَرُّوا، فلا يُقْتَلوا، كما أن المنافقين اتخذوا أَيمانَهُم جُنَّة، فلم يُؤمر بقتلهم.
والزنديق عندنا شَرٌّ مِنَ المنافِق، فَلَرُبَما كان المنافقُ جاحدًا بِالرسول والإسلام، مُقِرًّا بالله - ﷿ - مُثْبِتًا لربوبيته في نفسه، والزنديقُ مُعَطِّل لله جَاحِدٌ بالرسل والكُتُبِ، وما يُعرفُ في الإسلامِ زنادقة غير هؤلاء الجهمية، وأَيُّ زَندقةٍ بأظهر ممن يَنْتَحِل الإسلام في الظاهر وفي الباطن يُضَاهِي قولَه في القرآن قَوْلَ مُشْرِكِي قُريش الذين رَدُّوا على الله ورسوله فقالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ [ص: ٧]، و ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾ [الأنفال:٣١]، و﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥] كَمَا قَالت الجهميةُ سواء، إن هذا إلا مخلوق، ولهم في ذلك أيضًا أَئِمَّةُ سُوءٍ أَقْدَم مِن مُشركي قريش، وهم عَادٌ قَوم هُود، الذين قالوا لنبيهم: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨)﴾ [الشعراء: ١٣٦ - ١٣٨]، فَأَيُّ فَرْقٍ بين الجهمية وبينهم، حَتَّى نَجْبُنَ عن قَتْلِهِم وإِكْفَارِهِم.
ولو لم يكن عندنا حجةٌ في قَتْلِهِم وإِكفَارِهِم إلا قَولُ حمادِ بنِ زَيدٍ وسَلاَّمِ بنِ أَبِي مُطيع، وابنِ المباركِ، ووكِيع، ويزيدَ بنِ هَارون، وأَبِي تَوْبَةَ، ويحيَى بن يحيَى، وأحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، ونُظَرائِهِم -رحمة الله عليهم أجمعين- لجبُنَّا عن قَتلِهِم وإِكفَارِهِم بِقَوْلِ هؤلاءِ حتَّى نَسْتَبرئَ ذلك عَمَّن هو أعلم منهم وأقدم، ولَكنَّا نُكَفِّرُهُم بما تأوَّلْنَا فيهم من كتاب الله - ﷿ -، وروينا فيهم من السُّنة، وبما حكينا عنهم من الكفر الواضح المشهور، الذي يَعقلُهُ أكثرُ العَوَامِ، وبما ضَاهُوا مُشركي الأُممِ قَبْلَهُم بقولهم في القرآن، فضلًا على ما رَدُّوا على الله ورسوله من
[ ١٩٤ ]
تعطيلِ صفاتِهِ وإِنكارِ وَحْدَانِيَتِهِ ومعرفةِ مَكانه واستوائِهِ على عرشه، بتأويلِ ضلالٍ، به هَتَكَ اللهُ سِتْرَهُم وأَبدَى سَوْءَتهم وعَبَّر (١) عن ضمائرهم، كلما أرادوا به احتجاجًا ازدادت مَذَاهِبُهُم اعْوِجَاجًا، وازداد أهلُ السُّنَّةِ بمخالفتهم ابتهاجًا، ولما يُخْفُونَ مِنْ خَفَايَا زَنَدَقَتِهِم اسْتِخْرَاجًا.
واللهُ الموفِّقُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العَلِيِّ العَظيم، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ عَلى سَيِّدِنَا محمدٍ، وعَلَى جميعِ الأَنبياءِ المرسَلِينَ (٢).
[آخر كتاب الرد على الجهمية، فُرِغَ مِنْ نَسْخِهِ في شَهْرِ رَجَب الفَرْد، سَنَةَ خَمْسٍ وثَلاَثِينَ وسَبْعُمَائَةٍ بمدرسةِ الحَافِظ ضِياءِ الدِّين -رحمه الله تعالى-، بِسَفْحِ قَاسْيُون ظَاهِر دِمَشْق، اللَّهُمَّ أَحْيِنَا عَلى السُّنَّةِ، وتَوَفَّنَا عَليْهَا، آمين!!] (٣).
* * *
_________________
(١) في الأصل «غبر» بالغين المعجمة، وقد اجتهدت في أن أجد لدلالة هذا اللفظ ما يناسب هذا السياق، فلم أقف عليه، فترجح لدي والله أعلم أنه تصحيف من كلمة «عبر» التي أثبتناها.
(٢) في الأصل كتب تحتها «الرسل».
(٣) ما بين معقوفين أثبتناه من الأصل. قال الفقير إلى ربه ﷿ أبو عاصم الشوامي الأثري غفر الله له ولوالديه: هذا آخر ما سطرته في كتابي التخريجات العلمية لكتاب الرد على الجهمية، وأسأل الله تعالى أن يصلح فيه نيتي وأن يجعله في ميزان حسناتي يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ١٩٥ ]