(٧٥) حدثنا هِشَامُ بْنُ خَالِد الدِّمَشْقِي، وكان ثقة، حدثنا محمد بن شُعَيْب وهو ابن شَابُور، أخبرنا عُمَرُ بنُ عبدِ اللهِ مولى غَفْرَةَ قال: سمعتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ - ﵁ - يقول: قال رسول الله - ﷺ -:
«أَتاني جِبريلُ وفي يَدِهِ كهيئة المِرْآةِ البَيْضاءِ، وفيها نُكْتَةٌ سوداء، قلت: ما هذه يا جبريل؟ قال هذه الجُمُعَةُ، بَعَثَ بها إليك رَبُّكَ تكونُ عِيدًا لك ولأُمَّتِك مِنْ بعدِك، قلت: وما لنا فيها؟ قال لكم فيها خيرٌ كَثِير، أنتم الآخِرون السَّابِقون يوم القيامة، وفيها ساعةٌ لا يُوافِقُهَا عبدٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا إِلا أَعْطَاه، قلت: ما هذه النُكْتَةُ السوداء؟ قال هذه الساعة، تكون يوم الجمعة، وهو سَيَّدُ الأيامِ، ونحن نُسَمِّيهِ عندنا؛ يَوْمُ المَزِيدِ، قلت: وما المَزِيدُ يا جبريل؟ قال ذلك بأن رَبَّكَ اتخذ في الجنةِ واديًا أَفْيَحَ مِنْ مِسْكٍ أَبْيَضَ، فإذا كان يومُ الجُمُعَةِ من أيام الآخِرة؛ هَبَطَ الرَّبُّ ﵎ عن عَرْشِهِ إلى كُرْسِيِّه، وحَفَّ الكُرسِيَّ بمنابرَ من نورٍ، فَيَجْلِسُ عليها النَّبيوُن، وحفَّ المنَابِرَ بكراسيَ من ذَهَبٍ، فيجلسُ عليها الصِّديقُون والشُّهداءُ، ويَهْبِطُ أهلُ الغُرَفِ من غُرَفِهِم، فَيَجْلِسُونَ على كُثْبَانِ المِسْكِ لا يَرَوْنَ لأهل المنابر والكراسي عليهم فضلًا في المجلس، ثم يَتَبَدَّى لهم ذو الجلال والإكرامِ، فيقول: سَلُونِي، فيقولون بِأَجمَعِهِم: نسألُكَ الرِّضَا فَيُشْهِدُهُم على الرضا، ثم يسألونه حتى تنتهي نُهْيَةُ كلِّ عبدٍ مِنْهُم، ثم يُسْعَى عليهم بما لا عينٌ رَأَتْ، ولا أذنٌ سمعت، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ، ثم يرتفع الربُّ عن كرسيه إلى عرشه، ويرتفعُ أهلُ الغُرَفِ إلى غرفهم، وهي غُرْفَةٌ من لؤلؤة بيضاء، أو زَبَرْجَدَةٍ خضراء، أو ياقوتةٍ حمراء ليس فيها فَصَمٌ ولا وصَمٌ، مُطَّرِدَةٌ
أَنهَارُهَا، مُتَدَلِّيَةٌ فِيهَا ثمارُها، فيها أزواجُهَا وخَدَمُهَا ومَسَاكِنُها، فليس
[ ٨٧ ]
أهلُ الجنةِ إلى شيءٍ أَشْوَقَ مِنهم إلى يوم الجمعة؛ ليزدادوا قُربًا مِن اللهِ ورِضْوَانًا» (١).
(٧٦) حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جَرِيرٌ، عن لَيْثٍ، عن عثمان بن أبي حميد، عن أنس - ﵁ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - قال:
«أتاني جبريل في كَفِّه كالمرآةِ البيضاء، فيها كالنكتة السوداء فقلت: ما هذا الذي في يدك؟ قال الجمعة، قلت: وما الجمعة؟ قال لكم فيها خير، وهو عندنا سيد الأيام، ونحن نسميه يوم القيامة المزيد، قلتُ: ولم ذاك؟ قال: لأن الربَّ ﵎ اتخذ في الجنة واديًا أَفْيَحَ من مسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة؛ يَنْزِلُ على كرسيه من عِلِّيِّين، أو نزل من عِلِّيين على كرسيه، ثم حَفَّ الكرسي بمنابرَ من ذهبٍ مُكَلَّلَةٌ بالجوهر، ثم يجيء النبيون حتى يجلسوا على تلك المنابرَ، ثم يَنْزِلُ أهلُ الغُرَفِ حتى يجلسوا على ذلك الكَثِيبِ، ثم يَتَجَلَّى لهم
_________________
(١) صحيح لغيره، أخرجه الدارقطني في رؤية الله (٧٦)، من طريق محمد بن شعيب، به، وهذا إسناد ضعيف؛ لأجل عمر بن عبد الله مولى غفرة، ضعفه ابن معين، والنسائي، ثم إنه منقطع بينه وبين أنس، قال أبوحاتم الرازي عنه: لم يلق أنسًا. قلت: لكن تابعه: (أ) أبو عمران الجوني، أخرجه الطبراني في الأوسط (٢٠٨٤)، عن أحمد بن زهير، عن محمد بن عثمان بن كرامة، عن خالد بن مخلد القطواني، عن عبد السلام بن حفص، عن أبي عمران الجوني، عن أنس، به ومن طريق الطبراني، أخرجه الضياء في المختارة (٢٢٩١)، وإسناد هذه المتابعة حسن؛ رجاله ثقات، غير خالد بن مخلد القطواني؛ وثقه العجلي، وابن شاهين، وقال ابن معين وابن عدي: ما به بأس. (ب) علي بن الحكم البناني، أخرجه أبو يعلى في مسنده (٤٢٢٨)، عن شيبان بن فروخ، عن الصعب بن حزن، عن علي بن الحكم، عن أنس، به. وهذا إسناد حسن. هذا وقد أخرجه البزار في مسنده (٧٥٢٧)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٩١)، والطبراني في الأوسط (٦٧١٧)، وفي الأحاديث الطوال (٣٥)، وغيرهم من طرق عن أنس - ﵁ -، ولا تخلو أسانيدها من مقال.
[ ٨٨ ]
رَبُّهُم، فيقول: أنا الذي صَدَقْتُكُم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، وهذا مَحِلُّ كرامتي، فسلوني، وساق عثمان بن أبي شيبة الحديث، إلى قوله: وذلك مِقْدَارُ مُنْصَرَفِهِم من الجمعة، ثم يرتفع إلى عرشه عن كرسيه، ويرتفع معه النبيون والصديقون والشهداء، أو النبيون والشهداء والصديقون، ويرجع أهلُ الغُرفِ إلى غُرَفِهِم» (١).
(٧٧) حدثنا عبد الله بن صالح المصري، قال حدثني حَرْمَلَةُ بن عمران، عن سليمان بن حُمَيْدٍ قال: سمعت محمد بن كَعْبٍ القُرَظِي يحدث (٢)
عمر بن عبد العزيز قال: «فإذا فَرَغَ الله - ﷿ - من أهل الجنة والنار؛ أَقْبَلَ الله - ﷿ - في ظُلَلٍ من الغَمَام والملائكة، فَسَلَّمَ على أهل الجنة في أولِ درجةٍ فَيَرُدُّونَ ﵇، قال القُرَظِي: وهذا في القرآن ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] فيقول: سَلُونِي، قال: ففعل ذلك بهم في دَرَجِهِم حتى يستوي في مجلسه، ثم يأتيهم التُّحف من الله تحمله (٣) الملائكة إليهم» (٤).
_________________
(١) ضعيف، أخرجه الدارقطني في رؤية الله (٧١، ٧٣)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٩١)، من طريق ليث هو ابن أبي سليم، به. وهذا إسناد ضعيف ليث؛ ضعيف وكان قد اختلط، وشيخه عثمان بن أبي حميد وهو ابن عمير البجلي أبو اليقظان؛ أيضا ضعيف واختلط وكان يدلس. ولكن يشهد لهذا الحديث، الحديثُ الذي سبقه، فراجعه.
(٢) زاد هنا في المطبوعة «عن»، فجعل الأثر من كلام عمر بن عبد العزيز. والصواب أنه من كلام محمد بن كعب، كما في الأصل، وتفسير الطبري، وكذا أورده السيوطي في الدر المنثور (١٢/ ٣٦٥)، من كلام محمد بن كعب!!
(٣) في المطبوعة «تحملها» والمثبت من الأصل، ولا أدري وجها لتغييرها.
(٤) أخرجه الطبري في التفسير (٢٠/ ٥٤٠)، من طريق عبد الله بن وهب عن، حرملة، به. وهذا إسناد صحيح فقد تابع عبد الله بن صالح، ابنُ وهب. لكن سليمان بن حميد تفرد بهذا الأثر، ولم نقف على توثيق صريح له. وقد أورد الحافظ ابن = = كثير هذا الأثر في تفسيره (٦/ ٥٧٠)، وساق سند ابن جرير الطبري، ثم علق قائلا: «وهذا أثر غريب أورده ابن جرير من طرق».
[ ٨٩ ]
قال أبو سعيد: فهذه الأحاديث قد جاءت كُلُّها وأكثرُ منها في نزولِ الربِّ ﵎ في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهلَ الفقهِ والبصرِ من مشايخنا، لا يُنْكِرُها منهم أحدٌ، ولا يمتنعُ من روايتها، حتى ظَهَرتْ هذه العِصَابَةُ؛ فعارضت آثار رسول الله - ﷺ -، بِرَدِّ، وتَشَمَّرُوا لِدَفْعِهَا بِجِدٍ.
فقالوا: كيف نزوله هذا؟ قلنا: لم نُكَلَّف معرفة كيفيةِ نزولِهِ في ديننا، ولا تَعْقِلُهُ قلوبُنا، وليس كمثله شيءٌ من خلقه؛ فنشبه منه فعلا أو صفة بفعالهم وصفتهم، ولكن يَنْزل بقدرته ولُطْفِ ربوبيته كيف يشاء، فالكَيْفُ منه غَيرُ مَعقُولٍ، والإيمانُ بقولِ رسول الله - ﷺ - في نزوله واجبٌ، ولا يُسْأَلُ الربُّ عما يفعل كيف يفعل، وهم يُسْأَلُون؛ لأنه القادر على ما يشاءُ أن يفعله كيف يشاء، وإنما يُقال لفعل المخلوق الضعيف -الذي لا قدرةَ له إلا ما أقدره الله تعالى عليه-: كيف يصنع، وكيف قدر؟
ولو قد آمنتم باستواء الربِّ على عرشه وارتفاعه فوق السماء السابعة بدءًا إذ خلقها -كإيمان المصلين به- لقلنا لكم: ليس نزوله من سماء إلى سماء بأشد عليه ولا بأعجب من استوائه عليها إذ خلقها بدءًا، فكما قَدَرَ على الأُولى منهما كيف يشاء؛ فكذلك يَقْدِرُ على الأخرى كيف يشاء، وليس قولُ رسولِ الله - ﷺ - في نزوله بأعجب من قول الله ﵎ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، ومن قوله ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، فكما يقدر على هذا يقدر على ذاك.
[ ٩٠ ]
فهذا الناطق من قول الله - ﷿ -، وذاك المحفوظ من قول رسول الله - ﷺ - بأخبار ليس عليها غُبَار، فإن كنتم من عباد الله المؤمنين؛ لَزِمَكُم الإيمان بها كما آمن بها المؤمنون، وإلا فَصَرِّحُوا بما تُضْمِرُون، ودعوا هذه الأُغْلُوطَات التي تلوون بها ألسنتكم، فلئِن كان أهلُ الجهل في شكٍ من أَمرِكُم، إن أهل العلم من أمركم لعلى يقين.
قال: فقال قائِلٌ منهم: معنى إتيانه في ظُلَلٍ من الغَمَامِ، ومجيئه والمَلَكُ صفًا صفًّا، كمعنى كذا وكذا.
قلت: هذا التكذيب بالآية صُرَاحًا، تلك معناها بَيِّنٌ للأمة لا اختلاف بيننا وبينكم وبين المسلمين في معناها المفهوم المعقول عند جميع المسلمين، فأما مجيئه يوم القيامة وإتيانه في ظُلَلٍ من الغَمامِ والملائكة، فلا اختلاف بين الأمة أنه إنما يأتيهم يومئذ كذلك لمحاسبتهم، وليصدع بين خلقه، ويقررهم بأعمالهم، ويجزيهم بها، ولينصف المظلوم منهم من الظالم، لا يتولى ذلك أحدٌ غيره، تبارك اسمه وتعالى جَدُّهُ، فمن لم يؤمن بذلك؛ لم يؤمن بيوم الحساب.
ولكن إن كنتم محقِّين في تأويلكم هذا، وما ادَّعيتم من باطلكم ولستم كذلك؛ فأتوا بحديث يُقُوِّي مَذْهَبَكُم فيه عن رسول الله - ﷺ -، أو بتفسير تأثرونه صحيحًا عن أحد من الصحابة أو التابعين، كما أتيناكم به عنهم نحن لمذهبنا، وإلا فمتى نزلت الجهمية من العلم بكتاب الله وبتفسيره المنزلة التي يجب على الناس قبول قولهم فيه، وترك ما يؤثر من خلافهم عن رسول الله - ﷺ - وعن أصحابه وعن التابعين بعدهم.
هذا حدث كبير في الإسلام، وظُلْمٌ عظيم، أن يَتْبَعَ تَفْسِيرَكُم كِتَابُ اللهِ بلا أثر، ويَتْرُكَ المأثورَ فيه الصحيح من قول رسول الله - ﷺ - وأصحابه والتابعين
[ ٩١ ]
لهم بإحسان؟.
ومَتَى ما قَدَرْتُم أن تجامعوا أهلَ العلمِ في مجالسِهِم، أو تَنْتَحِلُوا شَيئًا من العلم في آَبَادِ الدَّهْرِ -إلا مُنَافَقَةً واستتارًا- حتى تتقلدوا اليوم من تفسير كتاب الله ما كان يَتَوقَّى أَوْضَحَ منه أَصحَابُ رسولِ الله - ﷺ -؟ لقد عدوتم طَوْرَكُم، وأَنْزَلتُم أنفَسَكُم المنزلةَ التِي بَعَّدَكُم الله منها، ثم المسلمون، ولو لم يوجد فيها عن رسول الله - ﷺ - ولا عن أصحابه خبرًا (١) ولا أثرًا؛ لم تكونوا مُؤْتَمَنِينَ على كتاب الله وتفسيره، أن يَلْتَفِتَ إلى شيءٍ من أقاويلِكم، أو يَعْتَمِدَ على شيءٍ من تَفْسِيرِكم كِتَابُ اللهِ، لما ظَهَرَ للأمة من إِلحادِكُم، فكيف إذا هم خالفوكم؟!
قال أبو سعيد ﵀: ومما يَرُدُّ هذا ويُبطِلُهُ قولُه تعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]، فهذا مما يحقق دعوانا، ويبطل دعواكم التي تَخَرَّصْتُمُوهَا عَدْوًا بغير علم في إتيان الله تعالى ومجيئه يوم القيامة والمَلَكُ صفًا صفًا، فإن أَبَيتُم إلا لزومًا لتفسيركم هذا ومخالفة لما احتججنا به من كتاب الله، وآثار رسول الله - ﷺ -، وأصحاب رسول الله - ﷺ -؛ فإنه ليس لكم من الرُّسُوخِ في العلم، والمعرفة بالكتاب والسنة ما يعتمد فيه على تفسيركم، لو قد أصبتم الحق، فكيف إذا أنتم أخطأتموه! ولكن بيننا وبينكم حجةٌ واضحةٌ يَعْقِلُهَا من شاء الله من النساء والولدان.
_________________
(١) كذا في الأصل، والجادة الرفع، ووجه النصب؛ حذف نائب الفاعل، وتقديره «إيجاد»، ونظيره في القرآن قوله تعالى: ﴿لِيُجْزَى قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤]، كما في قراءة أبي جعفر والأعرج وشيبة، وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُجِّي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٨]، كما في قراءة ابن عامر، وأبي بكر، وينظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٩/ ١٥٢).
[ ٩٢ ]
ألستم تعلمون أَنَّا قد أتيناكم بهذه الروايات عن رسول الله - ﷺ -، وعن أصحابه، والتابعين، منصوصة صحيحة عنهم، أن الله ﵎ يَنْزِلُ كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا؟ وقد علمتم يقينًا أنَّا لم نخترع هذه الروايات ولم نفتعلها، بل رَوَيْنَاهَا عن الأئمة الهادية الذين نقلوا أصولَ الدِّين وفروعه إلى الأنام، وكانت مُستَفِيضَةٌ في أيديهم، يتنافسون فيها، ويتزيَّنُونَ بروايتها، ويحتجون بها على من خالفها.
قد علمتم ذلك ورويتموه (١) كما رويناها إن شاء الله؛ فائتوا ببعضها أنه لا ينزل، منصوصًا، كما روينا عنهم النزول منصوصًا، حتى يكون بعض ما تأتون به ضِدًّا لبعض ما أتيناكم به، وإلا لم يُدْفَع إِجماعُ الأمةِ وما ثبت عنهم في النزول منصوصًا، بلا ضِدٍّ منصوصٍ من قولهم، أو من قول نُظَرائِهم، ولم يُدْفَع شيءٌ بلا شيء؛ لأن أقاويلَهُم ورواياتِهم شيءٌ لازمٌ، وأصلٌ منيعٌ، وأقاويلَكُم رِيحٌ، ليست بشيء، ولا يَلْزَمُ أحدًا منها شيء، إلا أن تأتوا فيها بِأَثَرٍ ثابتٍ مستفيضٍ في الأمة، كاستفاضةِ ما رَوَيْنَا عنهم، ولن تأتوا به أبدًا، هذا واضحٌ بَيِّنٌ، يَعْقِلُهُ كثيرٌ من ضعفاء الرجال والنساء، وتَعْقِلُونَهُ أنتم -إن شاء الله-؛ فإنه ليس لكم من الغفلة كُلُّ ما لا تعلمون (٢).
إن هذه الحُجَجَ آخذةٌ بحلُوقِكُم، غير أنكم تقصدون قصدَ شَيءٍ، لا ينقاد إلا بدفع هذه الحُجَجِ والآثَارِ كُلِّها.
تزعمون أن إلهكم الذي كنتم تعبدون منكم في كل مكان، واقعٌ على كلِّ
_________________
(١) كذا، وهو متجه، فالضمير في قوله «ورويتموه» يعود على «ذلك»، والضمير في رويناها يعود على «الروايات».
(٢) كذا في الأصل، والعبارة غير واضحة، والذي يبدو منها: أنكم تعقلون ذلك؛ لأن ما لكم من الغفلة لن يصل بكم إلى عدم استيعاب الحجج؛ فالحجج واضحة.
[ ٩٣ ]
شيءٍ، لا حَدَّ له، ولا منتهى عندكم، ولا يخلو منه شيءٌ مكانٌ (١) بزعمكم.
ثم قلتم: إنما يُوصَفُ بالنزول من هو في مكان دون مكان، فأما من هو في كل مكان فكيف ينزل إلى مكان.
قلنا: هذه صِفَةٌ خلاف صفةِ ربِّ العالمين، ولا نعرف بهذه الصفةِ شيئًا إلا هذا الهواء الداخلُ في كلِّ مكان، النَّازلُ على كلِّ شيءٍ، فإن لم يكن ذلك إلهكم الذي تعبدون، فقد غلبكم عن عبادة الله رأسًا، وصِرتُم في عبادة ما تعبدون أسوأ منزلة من عبادة الأوثان، وعبادة الشمس والقمر؛ لأن كلَّ صِنْفٍ منهم عبدَ شيئًا هو عند الخَلق شيء، وعبدتم أنتم شيئًا هو عند الخلق لا شيء؛ لأن الكلمةَ قد اتفقت من الخلق كلِّهم أن الشيءَ لا يكونُ إلا بحدٍّ وصفةٍ، وأن لا شيء، ليس له حدٌّ ولا صفةٌ؛ فلذلك قلتم لا حدَّ له، وقد أَكْذَبَكُم الله تعالى، فسمَّى نفسه أكبر الأشياء وأعظم الأشياء وخَلاَّق الأشياء قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩] وقال ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، فهو سمى نفسَهُ أكبر الأشياء، وأعظم الأشياء، وخلاق الأشياء، وله حَدٌّ، وهو يعلمه لا غيره.
(٧٨) حدثنا الحسنُ بن الصبَّاحِ البزَّارُ البَغداديُّ، حدثنا عليُّ بنُ الحسنِ بن شقيقٍ، عن ابن المبارك؛ أنه سُئِلَ، بم نَعْرِفُ رَبَّنَا؟ «قال: بأنه فوق العرش، فوق السماء السابعة، على العرش، بائِنٌ من خلقه، قال قلت: بِحَدٍّ قال: فبأي شيء» (٢).
_________________
(١) كذا في الأصل «شيءٌ مكانٌ» وحذف في المطبوعة كلمة «شيء» وهي واضحة في الأصل ولم يضرب عليها، وهي متوجهة لغة على أنها بدل.
(٢) تقدم تخريجه، رقم (٢١).
[ ٩٤ ]
قال أبو سعيد ﵀: والحُجَّةُ لقول ابن المبارك؛ قول الله ﵎ ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] فلماذا يحفون حول العرش، إلا لأن الله - ﷿ - فوقه، ولو كان في كل مكان لحفُّوا بالأمكنة كلِّها، لا بالعرش دونها، ففي هذا بيانٌ بَيِّنٌ للحَدِّ، وأن الله فوق العرش، والملائكة حوله، حافون يسبحون، ويقدسونه ويحمل عرشه بَعْضُهُم، قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر: ٧].
قال أبو سعيد ﵀: فَسَمِعْتُ محتجًا يحتج عنهم في إنكارهم الحدَّ والنُّزولَ، وفي قولهم هو في كل مكان، بحديث أربعة أملاك التَقَوا، أحدهم جاء من المشرق، والآخر من المغرب، والثالث من السماء، والرابع من الأرض، فقالوا أربعتهم: جئنا من عند الله.
فقلت: إِنَّ أفلسَ الناسِ من الحديث، وأَفْقَرَهُم فيه، الذي لا يجدُ من الحديثِ ما يَدفَعُ بِهِ تلك الأحاديث الصحيحة المشهورة في تلك الأبواب، إلا هذا الحديث، وهو أيضًا من الحديث أَفْلَسَ؛ لأن هذا الحديث لو صَحَّ كان عليه، لا له.
فالحمد لله؛ إذ ألجأتهم الضرورةُ إلى هذا وما أشبهه؛ لأنهم لو وجدوا حديثًا منصوصًا في دعواهم؛ لاحتجوا به، لا بهذا، ولكن حين أيسوا من ذلك، وأعياهم طَلَبُه؛ تعلقوا بهذا الحديث المشتبه على جُهَّال الناس لِيُرَوِّجُوا بسببه عليهم أُغْلُوطَةً، وسنبين لهم ما اشتبه عليهم من هذا الحديث إن شاء الله؛ حتى يعلموا أنه عليهم لا لهم.
قلنا: هذا الحديثُ لو صَحَّ؛ لكان معناه مَفهُومًا معقولًا، لا لَبْسَ له أنهم جاءُوا كُلُّهم من عِنْدِ اللهِ كما قَالوا؛ لأَنَّ اللهَ تعالى على عَرشِهِ فَوْقَ سَماواتِهِ،
[ ٩٥ ]
وسماواتُهُ فوقَ أرضِهِ كالقُبَّةِ، وكما وَصَفَ رَسُولُ الله - ﷺ -، فهو يُنْزِلُ ملائِكةً مِنْ عنده بالمشرقِ، وملائكةً بالمغربِ، وملائِكةً إلى تُخُومِ الأرضِ للأمرِ مِنْ أُمُورِهِ، ولِرَحْمَتِهِ، ولِعَذابِهِ، ولِمَا يَشَاءُ مِن أموره، فلو أَنْزَلَ أَحَدَ هَؤلاءِ الأربعةِ بالمشرقِ، والثَّاني بِالمغربِ، والثالثَ أَنزلَهُ مِنَ السماءِ إلى تُخُومِ الأرضِ للأمر من أموره، ثُمَّ عَرَجُوا منها والْتَقَوْا جَمِيعًا في مُلْتَقَى مِنَ الأَرضِ مَع رَابِعٍ نَزَلَ مِنْ مُلتقَاهُم مِنَ السَّماءِ، فَسُئِلوا جَميعًا مِنْ أَيْنَ جَاءُوا؟ فَقَالُوا جَميعًا: جئْنَا من عِنْدِ الله، لكان المعنَى فِيه صَحِيحًا على مَذْهَبِنَا، لا على مَذْهَبِكُم؛ لأنَّ كُلًاّ بَعَثَهُم الله تعالى مِنَ السماءِ، وكُلًّا نَزَلوا من عنده في مَواطِنَ مخُتلفة، ولو نَزَلَ مائةُ ألفَ مَلَكٍ في مائةِ ألفَ مكانٍ من الأَرضِ؛ لجاءُوا من عند الله، وإنما قِيلَ من عند الله؛ لأنَّ اللهَ ﵎ فَوْقَ السماءِ، والملائِكةَ في السَّماواتِ، وبَعْضَهُم حَافُّونَ بِعَرْشِهِ، فَهُمْ أَقْرَبُ إِلى عَرشِ الرَّحْمَنِ مِن أهل الأرض، ومما يُبَيِّنُ ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ [الأعراف: ٢٠٦].
ففي هذه الآية بيانٌ لتحقيق ما ادَّعَيْنَا لِلْحَدِّ؛ فإنه فوق العرش بائِنٌ مِن خَلْقِهِ، ولإِبطال دَعْوَى الذين ادَّعوا أن اللهَ في كُلِّ مكانٍ، لأنه لو كان في كل مكان؛ مَا كَانَ لِخُصوصِ الملائكة أنهم عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ مَعْنَى، بَلْ كَانَت الملائكةُ والجِنُّ والإِنْسُ، وسَائِرُ الخَلْقِ كُلُّهم عند ربك في دَعْوَاهُم بِمَنْزِلَةٍ واحِدَةٍ، إِذْ لَو كَانَ في كل مكان؛ إذًا لذهب معنى قَوْلِهِ لا يستكبرون عن عبادته ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ؛ لأن أكثر أهل الأرض من الجن والإنس من يستكبر عن عبادته ولا يسجد له، ولكن خَصَّ الله بهذه الصفة الملائكة الذين هم عنده في السماوات، فَأَوْطَئُوا بهذه الآية وأَقْرَعُوا بها رُؤُوسَهُم عند دعواهم أن الله في كل مكان، فإنها آخذةٌ بِحُلُوقِهِم، لا مَفَرَّ لهم
[ ٩٦ ]
منها، إلا بِجُحُودٍ.
فإن أقروا أنهم من الملائكة الذين عنده دون سِوَاهُم، فقد أصابوا ما أَرَادَ اللهُ، ونَقَضُوا قَوْلَهُم: أَنَّ اللهَ في كل مكان، وأقروا له بِالْحَدِّ، وأَنَّه فوقَ السَّمَاواتِ، والمَلائِكةَ عِنْدَهُ لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون، وإن لم يقروا به، كانوا بذلك جاحدين لتَنْزيِلِ الله تعالى، ويَلْزَمُهُم في دعواهم أن يشهدوا لجميع عبدةِ الأوثان وعبدةِ الشمسِ والقمرِ والجنِّ والإنسِ وكفرةِ أهلِ الكتابين والمجوس، أنهم كلهم عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون؛ لأن الله تعالى قد أخبر أن الذين عنده كذلك صفاتهم، فإن يكن الخلق كلهم في دعواهم عنده، وهو عندهم، وكُلٌّ يُسَبِّحُ له ويسجد له ولا يستكبر عن عبادته، ومن قال هذا؛ فقد كفر بكتاب الله، وجَحَدَ بآياتِ اللهِ؛ لأن الله تعالى وصف الملائكة الذين عنده بهذه الصفة، ووصف كُفَّارَ الجِنِّ والإنس وعَبَدَةِ الأَوْثَانِ بالعُتُوِّ والاسْتِكْبَارِ عن عبادته والنُّفُورِ عَنْ طَاعَتِهِ.
قال تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾ [الفرقان: ٢١]، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان: ٦٠]، فافهموا هذه الآية؛ فإنها قاطعةٌ لِحُجَجِهِم.
* * *
[ ٩٧ ]