الحمدُ لله الكَبِيرِ المُتعَالِ، المُتَّصفُ بصفاتِ الجَلالِ ونُعوتِ الكَمَالِ، الذي خَلَقَ السماواتِ والأرضَ وأَرسَى فيها الجِبَالَ، تَقَدَّسَ وتنَزَّه عن الشَّبِيهِ والمِثالِ، ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾، نَحْمَدُكَ الَّلهُمَّ ونَسْتَهْدِيكَ ونَسْتَغْفِرُكَ، ونَتَوَكَّلُ عليكَ ولا نَكْفُركَ، ونَخْلَعُ مَن يَكفُرك، وصلى الله على نَبِيِّنا مُحمَّدٍ الدَّاعي إلى الهُدى والرَّشَادِ، وعَلى أَبَوَيْهِ إِبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ، وعلى أَصْحَابِ رَسُولِه، الذين اصْطَفَاهُم مِنْ خَلْقِهِ، لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ وائْتَمنَهُم على حِفْظِ كِتَابِهِ، صَلاةً وسَلامًا دَائِمَيْن، ما نَاحَتْ مُطَوَّقةٌ وما ذَرَّ شَارِقٌ.
وبعد:
فهذا كتاب «الرَّدُّ عَلَى الجَهْمَيَّة» للحافظ العلامة المحقق أبي سعيد عثمان بن سعيد الدارمي، وهو من أَجَلِّ ما صُنِّف في هذا الباب، أو هو من أَجلِّ ما وصَلَ إِلينا مما صُنِّف في هذا الباب، فقد صنف تحت هذا العنوان، أكثر أهل العلم، كالإمام أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، والإمام عبد الله بن الإمام أحمد، ونعيم بن حماد، وغيرهم، وذلك في مصنفات مستقلة، أو في طِيَّات كِتابٍ
[ ٥ ]
جَامِعٍ؛ كالبُخَاريِّ، وبعضِ أصحابِ السُّنَنِ، وكابنِ بَطَّة، والأَشْعَري، والَّلَالَكَائِي، والآجُرِّي، وغَيْرِهِم.
وقد اهتم العلماء في القرن الثالث الهجري بالتَّصَدِّي لهؤلاءِ الزَّائِغَة -أعنِي الجَهمية- الذين هم كما ذكر المصنف أضل من اليهود والنصارى؛ بحيث إنهم قد عطلوا صفات الرب ﵎، فجعلوه كالعدم، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون عُلوًا كبيرًا.
وكان مما يُمَيِّزُ هذه الحِقْبَةَ الزمنية في التصنيف؛ سهولةُ العبارة، والبعد عن التعقيد والتَّكلُّف، واستخدامِ اصطلاحات المناطقة والفلاسفة وعلماء الكلام، الذي ليس من تحته طائِل إلا تشتيت الذهن، وعرقلته عن الوصول إلى الحق، وأيضًا مما يميز هذه الفترة في التصنيف؛ الاهتمامُ بالأسانيد والتنافسُ في العلو بها، وذلك لعلمهم أن ذلك من الدين، فكانوا لا يَصْدُرُونَ عن رأيهم، ولا عن هوى أنفسهم، إنما كان قَائِدُهُم الإِسنادُ، بِقَالَ اللهُ، وقَالَ رَسُولُه - ﷺ -، ومن يقرأ في هذا الكتاب وفي أمثاله ممن نَسَجَ عَلى مِنْوَالِهِ، سيجدُ هَذا بيِّنًا لاحِبًا لا لَبْسَ فيه.
فكان واجبنا -ونحن نحاول أن نُسْهِمَ في إحياء تراث هذه الأمة التي أتت بما لم تأت به أمةٌ من الأمم قبلها- أن نكونَ أُمناء على هذا الإِرْثِ العظيم الذي تركه لنا أسلافُنا، ليكون نِبْراسًا لنا، نَستضيءُ به في ظلمات الجهل والضلال، وأعني بالأمانة هنا؛ أمانة إخراج النص إلى الناس دون تحريف أو تصحيف أو تبديل لأي كلمة وردت في أصل خطي ورثناه عن أسلافنا، ولا
[ ٦ ]
يَتَأَتَّى ذلك إلا بتعظيم هذا الإرث والتعامل معه بحذر شديد، وإفراغ الجهد في البحث عن أي إشكال يقابلنا أثناء التحقيق، ومحاولة توجيه النص بقدر الطاقة.
وهذا وللأسف البالغ أصبح أمرًا عزيزًا جدًا في هذه الأوقات، وأصبح تحقيق النصوص؛ مسخًا لها، بحيث إذا وجد المحقق! كلمة في النص الذي وَرِثَه من أسلافه لا يستطيع أن يفهمها، حذفها بسفاهة جرأته ووضع غيرها مكانها دون أن يَتَعنَّى في البحث عن هذه الكلمة ومحاولة توجيهها، وهذا لعمر الله من أقبح الخيانة.
وهذا ما حاولت أن أتلافاه في تحقيقي لهذا الكتاب العظيم في بابه، بقدر طاقتي، والله ولي التوفيق.