_________________
(١) = على العرش، وهو أعظم منه. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١] وقال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الأنعام: ٣] ثم قال: ﴿وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ﴾، فأخبر أنه في السماء وأنه بعلمه في الأرض. وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩]، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] فهل يكون الصعود إلا إلى ما علا. وقال: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ فأخبر أنه أعلى من خلقه. وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] فأخبر أنه فوق الملائكة وقد أخبرنا الله تعالى أنه في السماء على العرش، فقال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: ١٦، ١٧]، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال لعيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] وقال: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] وقال: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٨] وقال: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥]، وقال ﷿: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] وقال: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ، تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ﴾ [المعارج: ٤] . فهذا ومثله في القرآن كثير، ولكن الجهمي المعتزلي الحلولي الملعون يتصامم عن هذا، وينكره، فيتعلق بالمتشابه ابتغاء الفتنة لما في قلبه من الزيغ؛ لأن المسلمين كلهم قد عرفوا أماكن كثيرة، ولا يجوز أن يكون فيها من ربهم إلا علمه وعظمته وقدرته، وذاته تعالى ليس هو فيها، فهل زعم الجهمي أن مكان إبليس الذي هو فيه يجتمع الله تعالى وهو فيه؟ بل يزعم الجهمي أن ذات الله تعالى حالَّة في إبليس؟ وهل يزعم أن أهل النار في النار وأن الجليل العظيم العزيز الكريم معهم فيها؟! تعالى الله عما يقوله أهل الزيغ والإلحاد علوًّا كبيرًا. وهل يزعمون أنه يحل أجواف العباد وأجسادهم وأجواف الكلاب والخنازير والحشوش والأماكن القذرة، التي يربأ النظيف الطريف من المخلوقين أن يسكنها أو يجلس فيها، أو قال له، إن أحدًا ممن يكرمه ويحبه ويعظمه ويحل فيها وبها. =
[ ١٥١ ]
_________________
(١) = والمعتزلي يزعم أن ربه في هذه الأماكن كلها، ويزعم أنه في كمه وفي فمه وفي جيبه وفي جسده، وفي كوزه وفي قدره وفي ظروفه وآنيته، وفي الأماكن التي نُجِلُّ الله ﵎ أن ننسبه إليها. قال ابن تيمية -﵀- في مجموع فتاويه "١٢١/٥": قد وصف الله تعالى نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بالعلو والاستواء على العرش والفوقية في كتابه في آيات كثيرة، حتى قال بعض أكابر أصحاب الشافعي: في القرآن ألف دليل أو أزيد تدل على أن الله تعالى عالٍ على الخلق وأنه فوق عباده. وقد ذكر شيخ الإسلام -﵀- أقوال عدد غير قليل من الأئمة في إثبات العلو لله -﷿- وأنه فوق العرش استوى، منهم ابن كلاب والأشعري والباقلاني والقاضي أبو يعلى وابن رشد وأبو نصر السجزي وأبو عمر الطلمنكي ونصر المقدسي وأبو نعيم الأصبهاني وأبو أحمد الكرخي وابن عبد البر ومعمر بن أحمد الأصبهاني وابن أبي حاتم وأبو محمد المقدسي وأبو عبد الله القرطبي وأبو بكر النقاش وأبو كبر الخلال وعبد الله بن أحمد وأبو بكر البيهقي وأبو حنيفة وعبد الله بن المبارك وابن خزيمة وربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك بن أنس وغيرهم. وقال ابن القيم -﵀- في "اجتماع الجيوش الإسلامية" "ص: ٩٦" إثبات استواء الله على عرشه بالكتاب: قال شيخ الإسلام: وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره وسنة رسوله -ﷺ- وعامة كلام الصحابة والتابعين وكلام سائر الأئمة مملوء بما هو نص أو ظاهر في أن الله ﷾ فوق كل شيء، وأنه فوق العرش فوق السموات مستوٍ على عرشه، مثل قوله تعالى وذكر آيات من كتاب الله، سبق أن ذكرناها في كلام ابن بطة في "الإبانة" ثم ذكر ابن القيم أدلة إثبات استواء الله على عرشه من السنة. فذكر قصة المعراج وتجاوز الرسول -ﷺ- السموات سماء سماء، حتى انتهى إلى ربه تعالى فقربه وأدناه. وذكر حديث: "لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي" وفي لفظ: "فهو مكتوب عنده فوق العرش" وحديث: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت =
[ ١٥٢ ]
_________________
(١) سبحات وجهه ما انتهى إليه من بصره من خلقه". وحديث: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم -وهو أعلم بهم- فيقول: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون" وعندما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة قال له الرسول ﷺ: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة" وفي لفظ: "من فوق سبع سموات" ولما قسم النبي -ﷺ- قطعة الذهب بين أربعة قال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء. فبلغ ذلك النبي -ﷺ- فقال: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء" وحديث الجارية عندما سألها رسول الله -ﷺ: "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال: "فمن أنا" قالت: أنت رسول الله قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". وحديث زينب بنت جحش عندما كانت تفخر على أزواج النبي -ﷺ- فتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سموات. وحديث: "الراحمون يرحمهم الله الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" وحديث: "ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها" وحديث: "إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا ليس فيهما شيء". وحديث: "إن لله ملائكة سيارة فضلًا يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلس ذكر جلسوا معهم فإذا تفرقوا صعدوا إلى ربهم" وفي رواية مسلم: "فإذا تفرقوا صعدوا إلى السماء، فيسألهم الله -﷿- وهو أعلم بهم: من أين جئتم؟ " وحديث: "كان الله -﷿- على العرش وكان قبل كل شيء، وكتب في اللوح المحفوظ كل شيء يكون". وحديث: "لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه" إلى غير ذلك من الأحاديث التي ذكرها ابن القيم -﵀- ثم نقل من كلام أصحاب النبي -ﷺ- والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم الكثير، نُحِيلُ القارئ الكريم على مراجعة هذه النقول في "اجتماع الجيوش الإسلامية" "ص: ١١٨-٣٣١" حيث استشهد بكلام الإمام أحمد المذكور هنا في الرد على الجهمية. ذكره ابن القيم في "اجتماع الجيوش" "ص: ٢٠٠-٢٠٨". وانظر: الشريعة للآجري "١٠٨١/٣-١١٠٦".
[ ١٥٣ ]