استدرك حجة مثل حجة زنادقة النصارى، وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى هو روح الله من ذات الله، فإذا أراد أن يحدث أمرًا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه، فيأمر بما يشاء وينهى عما يشاء، وهو روح غائبة عن الأبصار.
فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة، فقال للسمني:
ألست تزعم أن فيك روحًا؟
قال: نعم.
فقال: هل رأيت روحك؟
قال: لا.
قال: فسمعت كلامه؟
قال: لا.
قال: فوجدت له حسًّا؟
قال: لا.
قال: فكذلك الله لا يرى له وجه، ولا يسمع له صوت، ولا يشم له رائحة، وهو غائب عن الأبصار، ولا يكون في مكان دون مكان. ووجد ثلاث آيات من المتشابه:
وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
_________________
(١) = ضمرة: وقد رآه ابن شوذب. انظر: خلق أفعال العباد للبخاري "ص: ٣١".
[ ٩٥ ]
﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] .
﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ١.
_________________
(١) ١ قال ابن القيم ﵀: فقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ يدل على غاية عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لعظمته لا يدرك بحيث يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء وهو قدر زائد على الرؤية. ثم قال: قال ابن عباس: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ لا تحيط به الأبصار. قال قتادة: هو أعظم من أن تدركه الأبصار، وقال عطية: ينظرون إلى الله، ولا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره يحيط بهم، فذلك قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ فالمؤمنون يرون ربهم -﵎- بأبصارهم عيانًا، ولا تدركه أبصارهم بمعنى: أنها لا تحيط به، إذ كان غير جائز أن يوصف الله -﷿- بأن شيئًا يحيط به وهو بكل شيء محيط، وهكذا يسمع كلام من يشاء من خلقه ولا يحيطون بكلامه، وهكذا يعلم الخلق ما علمهم ولا يحيطون بعلمه. ونظير هذا استدلالهم على نفي الصفات بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وهذا من أعظم الأدلة على كثرة صفات كماله ونعوت جلاله، وأنها لكثرتها وعظمتها وسعتها لم يكن له مثل فيها، وإلا فلو أريد بها نفي الصفات لكان العدم المحض أولى بهذا المدح منه. مع أن جميع العقلاء إنما يفهمون من قول القائل: فلان لا مثيل له، وليس له نظير ولا شبيه ولا مثل إنه قد تميز عن الناس بأوصاف ونعوت لا يشاركونه فيها وكلما كثرت أوصافه ونعوته فاق أمثاله وبعد عن مشابهة أضرابه. فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ من أدل شيء على كثرة نعوته وصفاته، وقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ من أدل شيء على أنه يرى ولا يدرك. وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] من أدل شيء على مباينة الرب لخلقه، فإنه لم يخلقهم في ذاته، بل خلقهم خارجًا عن ذاته، ثم بان عنهم باستوائه على عرشه وهو يعلم ما هم عليه، فيراهم وينفذهم بصره، ويحيط بهم علمًا وقدرة وإرادة وسمعًا وبصرًا، فهذا معنى كونه سبحانه معهم أينما كانوا. وتأمل حسن هذه =
[ ٩٦ ]
فبنى أصل كلامه على هذه الآيات١، وتأوَّل القرآن على غير تأويله، وكذب بأحاديث رسول الله -ﷺ- وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله كان كافرًا، وكان من المشبهة، فأضل بكلامه بشرًا كثيرًا، وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب عمرو بن عبيد٢ بالبصرة ووضع دين
_________________
(١) = المقابلة لفظًا ومعنى بين قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ فإنه سبحانه لعظمته يتعالى أن تدركه الأبصار وتحيط به، وللطفه وخبرته يدرك الأبصار فلا تخفى عليه، فهو العظيم في لطفه اللطيف في عظمته، العالي في قربه القريب في علوه، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير. انظر: حادي الأرواح "ص: ٤١٢-٤١٤". ١ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل "٤١٤/٢، ٤١٥": وذكر أحمد أن الجهم اعتمد من القرآن على ثلاث آيات تشتبه معانيها على من لا يفهمها: آية نفي الإدراك لينفي بها الرؤية والمباينة، وآية نفي المثل لينفي بها الصفات ويجعل من أثبتها مشبهًا، وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] لينفي بها علوه على العرش أو ليثبت بها مع ذلك الحلول والاتحاد وعدم مباينته للمخلوقات. وهذه أصول الجهمية من المعتزلة: أصحاب عمرو بن عبيد، ومن دخل في التجهم أو الاعتزال أو بعض فروع ذلك من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد مع أن هؤلاء الأئمة من أبعد الناس عن أصول الجهمية والمعتزلة. ٢ قال الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال "٢٧٣/٣-٢٨٠، رقم: ٦٤٠٤": عمرو بن عبيد بن باب أبو عثمان البصري المعتزلي القدري مع زهده وتألهه. قال ابن معين: لا يكتب حديثه. وقال النسائي: متروك الحديث، وقال أيوب ويونس: يكذب. وقال حميد: كان يكذب على الحسن. وقال ابن حبان: كان من أهل الورع والعبادة إلى أن أحدث ما أحدث، واعتزل مجلس الحسن هو وجماعة معه فسموا =
[ ٩٧ ]
الجهمية١، فإذا سألهم الناس عن قول الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ يقولون: ليس كمثله شيء من الأشياء، وهو تحت الأرضين السبع، كما هو على العرش، ولا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، ولم يتكلم، ولا يتكلم، ولا ينظر إليه أحد في الدنيا، ولا في الآخرة، ولا يوصف ولا يعرف بصفة، ولا يفعل ولا له غاية، ولا له منتهى. ولا يدرك بعقل، وهو وجه كله، وهو علم كله، وهو سمع
_________________
(١) = المعتزلة. قال: وكان يشتم الصحابة ويكذب في الحديث وهمًا لا تعمدًا. وقال الدارقطني وغيره: ضعيف. قال الفلاس: عمرو متروك صاحب بدعة. وقال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية "٢٧٥/١": وهو إمام الكلام وداعية الزندقة الأول، ورأس المعتزلة، سمي به؛ لاعتزال حلقة الحسن البصري، وهو الذي لعنه إمام أهل الأثر مالك بن أنس الأصبحي، وإمام أهل الرأي النعمان بن ثابت الكوفي أبو حنيفة، وحذر منه إمام أهل المشرق عبد الله بن المبارك الحنظلي. ١ قال ابن تيمية -﵀- في درء تعارض العقل والنقل "٤١٠/٢، ٤١١": قلت: فهذا الذي ذكره الإمام أحمد في مناظرة جهم لأولئك السمنية، هم الذين يحكي أهل المقالات عنهم أنهم أنكروا من العلم ما سوى الحسيات، ولهذا سألوا جهمًا: هل عرفه بشيء من الحواس الخمس؟ فقال: لا. قالوا: فما يدريك أنه إله؟ فإنهم لا يعرفون إلا المحسوس، وليس مرادهم أن الرجل لا يعلم إلا ما أحسه، بل لا يثبتون إلا ما هو محسوس للناس في الدنيا. وهؤلاء كالمعطلة الدهرية الطبائعية من فلاسفة اليونان ونحوهم، الذين ينكرون ما سوى هذ الوجود الذي يشاهده الناس ويحسونه، وهو وجود الأفلاك وما فيها. ثم قال ﵀: والحجة التي ذكرها أحمد عن الجهم أنه احتج بها على السمنية، هي من أعظم حجج هؤلاء النفاة الحلولية منهم، ونفاة الحلول والمباينة جميعًا، فإن النفاة تارة يقولون بالحلول والاتحاد أو نحو ذلك، وتارة يقولون: لا مباين للعالم ولا داخل فيه.
[ ٩٨ ]
كله، وهو بصر كله، وهو نور كله، وهو قدرة كله، ولا يكون فيه شيئان، ولا يوصف بوصفين مختلفين، وليس له أعلى ولا أسفل، ولا نواحي ولا جوانب، ولا يمين، ولا شمال، ولا هو خفيف ولا ثقيل، ولا له لون، ولا له جسم، وليس هو بمعلوم ولا معقول وكل ما خطر على قلبك أنه شيء تعرفه فهو على خلافه١.
قال أحمد: وقلنا: هو شيء.
فقالوا: هو شيء لا كالأشياء.
فقلنا: إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل، أنه لا شيء.
فعند ذلك، تبين للناس أنهم لا يؤمنون بشيء ولكن يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون من العلانية٢.
_________________
(١) ١ قال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية "٣١٥/١": وهذا معنى قول المؤسس وذويه: إنه على خلاف الحس والخيال أو العقل وقد تقدم ذكر ذلك. ثم طفق ابن تيمية يستشهد بكلام الإمام أحمد ويعلق عليه ويوضح ويفند ويشرح ويرد على الجهمية. ٢ قال ابن تيمية -﵀- في بيان تلبيس الجهمية "٣٥٢/٢": والمقصود أنه بَيَّنَ أن وصفه بأنه لا يعرف بشيء من الحواس هو أصل كلامه الذي لزمه به التعطيل، وأنه لا يثبت شيئًا، لأن ما لا يكون كذلك لا يكون شيئًا. وهذا أمر مستقر في فطر المؤمنين لا يشكون في أن الله تعالى قادر على أن يريهم نفسه، وإنما يشُكُّون هل يكون ذلك أو لا يكون؟ كما سأل المؤمنون النبي -ﷺ- هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: "نعم، هل تضارون في رؤية الشمس" وهذا ثابت في الأحاديث الصحيحة المستفيضة المتواترة، فإنما كانوا شاكين: هل يرون ربهم؟ لم يكونوا =
[ ٩٩ ]
فإذا قيل لهم: فمن تعبدون؟
قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا الخلق.
فقلنا: هذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة.
قالوا: نعم.
فقلنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تؤمنون بشيء، إنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرونه.
فقلنا لهم: هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى.
قالوا: لم يتكلم ولا يكلم؛ لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة، والجوارح منفية.
فإذا سمع الجاهل قولهم يظن أنهم من أشد الناس تعظيمًا لله، ولا يعلم أنهم إنما يعود قولهم إلى ضلالة وكفر، ولا يشعر أنهم لا يقولون قولهم إلا فرية في الله١.
_________________
(١) = شاكين: هل يقدر على أن يريهم نفسه؟ ١ قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في درء تعارض العقل والنقل "٤١٥/٢، ٤١٦": فهذا الذي وصفه الإمام أحمد وغيره من علماء السلف من كلام الجهمية، وهو كلام من وافقهم من القرامطة والباطنية والمتفلسفة المتبعين لأرسطو كابن سينا وأمثاله ممن يقول: إنه الوجود المطلق أو المقيد بالقيود السلبية، ونحو ذلك، وهو حقيقة كلام القائلين بوحدة الوجود. ولهذا ذكر عنهم أنهم سلبوه كل ما يتميز به موجود عن موجود، فسلبوه الصفات والأفعال وسائر ما يختص بموجود. ولما قالوا: هو شيء لا كالأشياء. علم الأئمة مقصودهم، فإن الموجودين لابد أن يتفقا في مسمى الوجود. والشيئين لابد أن يتفقا في مسمى الشيء، فإذا لم يكن هناك =
[ ١٠٠ ]