فقالوا: جاء الحديث: "إن القرآن يجيء في صورة الشاب الشاحب، فيأتي صاحبه فيقول: هل تعرفني؟ فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا القرآن أظمأت نهارك وأسهرت ليلك" ١.
قال: فيأتي به الله فيقول: يا رب.
فادعوا أن القرآن مخلوق من قبل هذه الأحاديث.
فقلنا لهم: القرآن لا يجيء إلا بمعنى: أنه قد جاء من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . فله كذا وكذا. ألا ترون أن من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لا يجئه إلا بثوابه، لأننا نقرأ القرآن فيقول: يا رب. لأن كلام الله لا يجيء، ولا يتغير من حال إلى حال. وإنما معنى: أن القرآن يجيء إنما يجيء ثواب القرآن. يا رب٢.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد "٣٤٨/٥، ٣٥٢، ٣٦١" وابن ماجه "رقم: ٣٧٨١" والدارمي بنحوه "رقم: ٣٣٩٤" وفي الزوائد: إسناده صحيح رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع "رقم: ٦٤١٦". ٢ قال ابن بطة في الإبانة "٢٠٢/٢-٢٠٥": ثم إن الجهمية لجأت إلى المغالطة في أحاديث تأولوها موهوا بها على من لا يعرف الحديث، مثل الحديث الذي روي: يجيء القرآن يوم القيامة في صورة الرجل الشاحب فيقول له القرآن: أنا الذي أظمأت نهارك وأسهرت ليلك، فيأتي اللهَ فيقول: أي رب تلاني ووعاني وعمل بي. والحديث الآخر: "تجيء البقرة وآل عمران كأنهما =
[ ١٦٦ ]
_________________
(١) = غمامتان، فأخطأ في تأويله، وإنما عنى في هذه الأحاديث في قوله: يجيء القرآن وتجيء البقرة وتجيء الصلاة ويجيء الصيام ويجيء ثواب ذلك كله، وكل هذا مبين في الكتاب والسنة. قال الله ﷿: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] فظاهر اللفظ من هذا أنه يرى الخير والشر، ليس يرى الخير والشر، وإنما يرى ثوابهما والجزاء عليهما من الثواب والعقاب. كما قال ﷿: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] وليس يعني أنها تلك الأعمال التي عملتها بهيئتها وكما عملتها من الشر، وإنما تجد الجزاء على ذلك من الثواب والعقاب. كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ﴾ [النساء: ١٢٣] فيجوز في الكلام أن يقال: يجيء القرآن وتجيء الصلاة وتجيء الزكاة، يجيء الصبر، يجيء الشكر، وإنما يجيء ثواب ذلك كله، يجزى من عمل الشيء بالسوء، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ أَفَتَرَى يرى السرقة والزنا وشرب الخمر وسائر أعمال المعاصي إنما يرى العقاب والعذاب عليهما، وبيان هذا وأمثاله في القرآن كثير. وأما ما جاءت به السنة فقول النبي ﷺ: "ظل المؤمن صدقته" فلا شيء أبين من هذا، وقال النبي ﷺ: "كل معروف صدقة فإرشادك الضالة صدقة وتحيتك لأخيك بالسلام صدقة، وأن تلقى أخاك بوجه منبسط صدقة" "وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، ومباضعتك لأهلك صدقة"، فكيف يكون الإنسان يوم القيامة في ظل مباضعته لأهله؟ إنما عنى بذلك كله ثواب صدقته، أليس قد قال النبي ﷺ: "من أحب أن يظله الله تعالى في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، فلينظر معسرًا أو ليدع له" فأعلمك أن الظل من ثواب الأعمال.
[ ١٦٧ ]