﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾
فزعموا أن الله هو قبل الخلق، فصدقوا، وقالوا: يكون الآخر بعد الخلق، فلا يبقى شيء ولا أرض ولا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب ولا عرش ولا كرسي.
وزعموا أن شيئًا مع الله لا يكون، هو الآخر كما كان، فأضلوا بهذا بشرًا كثيرًا١.
وقلنا: أخبرنا الله عن الجنة ودوام أهلها فيها، فقال: ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١] .
_________________
(١) ١ قال الآجري في كتاب الشريعة "١١٠١/٣-١١٠٣": ومما يحتج به الحلولية مما يلبسون به على من لا علم معه قول الله ﷿: ﴿هوَ الأَوَّلُ والآَخِرُ والظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] وقد فسر أهل العلم هذه الآية: هو الأول: قبل كل شيء من حياة وموت. والآخر: بعد الخلق. وهو الظاهر: فوق كل شيء، يعني السموات. وهو الباطن: دون كل شيء، يعلم ما تحت الأرضين، ودل على هذا آخر الآية: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . كذا فسره مقاتل بن حيان ومقاتل بن سليمان، وبينت ذلك السنة. حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن شاهين قال: حدثنا يوسف بن موسى القطان، قال: حدثنا جرير عن مطرف عن الشعبي عن عائشة -﵂- قالت: كان رسول الله -ﷺ- يقول: "اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء". قال محشيه: إسناده حسن.
[ ١٦٨ ]
فإذا قال جل وجهه: ﴿مُقِيمٌ﴾ وقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧] وقال: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٥]، فإذا قال الله: ﴿دَائِمٌ﴾ لا ينقطع أبدًا.
وقال: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] وقال: ﴿وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩] .
وقال: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] .
وقال: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٣]، وقال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧] .
وقال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ، لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢، ٣٣] . ومثله في القرآن كثير.
وذكر أهل النار فقال: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] .
وقال: ﴿أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: ٢٣] .
وقال: ﴿لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف: ٤٩] .
وقال: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] .
وقال: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] .
وقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦] .
وقال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] .
[ ١٦٩ ]
وقال: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٢] . وقال: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨] .
ومثله في القرآن كثير ١.
وأما السماء والأرض فقد بادتا؛ لأن أهلها صاروا إلى الجنة والنار. وأما العرش فلا يبيد ولا يذهب؛ لأنه سقف الجنة والله عليه فلا يهلك ولا يبيد.
وأما قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وذلك أن الله أنزل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] .
قالت الملائكة: هلك أهل الأرض وطمعوا في البقاء، فأنزل الله آية يخبر عن أهل السموات وأهل الأرض أنهم يموتون، فقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾ من الحيوان ﴿هَالِكٌ﴾ يعني ميت ﴿إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ أنه حي لا يموت، فأيقنوا عند ذلك بالموت.
وقلنا للجهمية حين زعموا أن الله في كل مكان لا يخلو منه مكان فقلنا: أخبرونا عن قول الله جل ثناؤه: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٣٤] .
لِمَ يتجلى للجبل إن كان فيه بزعمهم؟ فلو كان فيه كما تزعمون لم يكن يتجلى لشيء هو فيه، ولكن الله -جل ثناؤه- على العرش، وتجلى
_________________
(١) ١ انظر في أبَدِّية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد، وكذا النار وأبديتها ودوامها: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن قيم الجوزية -﵀- الباب السابع والستون "ص: ٤٨٠-٥٢٨" وكذا "الشريعة" للآجري "١٣٧١/٣-١٣٨٢".
[ ١٧٠ ]
لشيء لم يكن فيه، ورأى الجبل شيئًا لم يكن رآه قبل ذلك١.
وقلنا للجهم: فالله نور؟ فقال: هو نور كله، فقلنا: فالله قال: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩] .
فقد أخبر الله -جل ثناؤه- أن له نورًا.
فقلنا: أخبرونا حين زعمتم أن الله في كل مكان وهو نور، فلِمَ لا يضيء البيت المظلم من النور الذي هو فيه إن زعمتم أن الله في كل مكان؟
وما بال السراج إن أدخل البيت يضيء؟ ٢.
فعند ذلك تبين للناس كذبهم على الله تعالى.
فرحم الله من عقل عن الله ورجع عن القول الذي يخالف الكتاب والسنة. وقال بقول العلماء. وهو قول المهاجرين والأنصار، وترك دين الشيطان، ودين جهم وشيعته٣.
_________________
(١) ١ قال ابن بطة في كتاب "الإبانة" "١٣٩/٣، ١٤٠": وزعم الجهمي أن الله لا يخلو منه مكان، وقد أكذبه الله تعالى، ألم تسمع إلى قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] فيقال للجهمي: أرأيت الجبل حين تجلى له؟ وكيف تجلى للجبل وهو في الجبل؟! ٢ قال ابن بطة في كتاب "الإبانة" "١٤٠/٣": وقال الله تعالى: ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها﴾ [الزمر: ٦٩] فيقال للجهمي: هل الله نور؟ فيقول: هو نور كله. قيل له: فالله في كل مكان؟ قال: نعم. قلنا: فما بال البيت المظلم لا يضيء من النور الذي هو فيه، ونحن نرى سراجًا فيه فتيلة يدخل البيت المظلم فيضيء، فما بال الموضع المظلم يحل الله تعالى فيه بزعمكم فلا يضيء. فعندها يتبين لك كذب الجهمي وعظيم فريته على ربه. ٣ قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في "بيان تلبيس الجهمية" "٥٩٢/١": =
[ ١٧١ ]
والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
آخر الكتاب
_________________
(١) = وجميع البدع: كبدع الخوراج والشيعة والمرجئة والقدرية لها شبه في نصوص الأنبياء بخلاف بدعة الجهمية النفاة، فإنه ليس معهم فيها دليل سمعي أصلًا، ولهذا كانت آخر البدع حدوثًا في الإسلام ولما أحدثت أطلق السلف والأئمة القول بتكفير أهلها لعلمهم بأن حقيقة قولهم تعطيل الخالق، ولهذا يصير محققوهم إلى مثل فرعون مقدم المعطلة، بل وينتصرون له ويعظمونه. والمبطلون يعارضون نصوص الكتاب والسنة بأقوالهم، وبيان فسادها أحد ركني الحق وأحد المطلوبين، فإن هؤلاء لو تركوا نصوص الأنبياء لهدت وكفت، ولكن صالوا عليها صول المحاربين لله ولرسوله، فإذا دفع صيالهم وبين ضلالهم كان ذلك من أعظم الجهاد في سبيل الله. أ. هـ. قلت: فأسألك اللهم أن تجعل عملي في هذا الكتاب من الجهاد في سبيلك، وأن تجعله من موازيني وصحائفي يوم العرض عليك، وبيض به وجهي يوم تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف وتسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف. انتهيت من تحقيق هذا الكتاب المبارك في يوم الجمعة الموافق ٢٠ من ربيع الأول لعام ١٤٢٤هـ الموافق ٢٠٠٣/٦/٢٠م، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات صبري بن سلامه بن شاهين جوال: ٠٥٢٩٢٩٣٤٨ ص. ب ٣٨٠٩٣٧ رمز بريدي ١١٣٤٥
[ ١٧٢ ]