﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ ، وهذا على وجوه:
قال الله جل ثناؤه لموسى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦] .
يقول: في الدفع عنكما.
وقال: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] .
يقول: في الدفع عنا.
وقال: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] .
يقول: في النصر لهم على عدوهم.
وقال: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] .
في النصر لكم على عدوكم.
وقال: ﴿وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨] .
يقول بعلمه فيهم.
وقال: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ١ [الشعراء: ٦١، ٦٢] .
_________________
(١) ١ إن الآيات السابقة التي تدل على معية الرب ﵎ مع بعض المخلوقين يوهم =
[ ١٥٨ ]
يقول: في العون على فرعون١.
فلما ظهرت الحجة على الجهمي بما ادعى على الله أنه مع خلقه قال: هو في كل شيء غير مماس لشيء ولا مباين منه.
فقلنا: إذا كان غير مباين أليس هو مماسًّا٢؟
_________________
(١) = ظاهرها أن هناك اضطرابًا مع قوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وغيرهما من الآيات التي تثبت أن الرب ﷾ مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، وأجاب على هذا الإشكال فضيلة الشيخ الشنقيطي -﵀- في كتاب "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" "ص: ١٩١" فقال: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤] يدل على أنه تعالى مستوٍ على عرشه عالٍ على جميع خلقه، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] يوهم خلاف ذلك. والجواب: أنه تعالى مستوٍ على عرشه كما قال بلا كيف ولا تشبيه، استواء لائقًا بكماله وجلاله، وجميع الخلائق في يده أصغر من حبة خردل فهو مع جميعهم بالإحاطة الكاملة والعلم التام ونفوذ القدرة ﷾ علوًّا كبيرًا، فلا منافاة بين علوه على عرشه ومعيته لجميع الخلائق. ألا ترى -ولله المثل الأعلى- أن أحدنا لو جعل في يده حبة من خردل أنه ليس داخلًا في شيء من أجزاء تلك الحبة، مع أنه محيط بجميع أجزائها ومع جميع أجزائها، والسموات والأرض ومن فيهما في يده أصغر من حبة خردل في يد أحدنا، وله المثل الأعلى ﷾ علوًّا كبيرًا، فهو أقرب إلى الواحد منا من عنق راحلته، بل من حبل وريده، مع أنه مستوٍ على عرشه، لا يخفى عليه شيء من عمل خلقه جل وعلا. ١ في نسخة د. عميرة: قريش. والتصويب من نسخة الشيخ الأنصاري ودرء تعارض العقل والنقل "١٧٨/٣" وبيان تلبيس الجهمية "٥٥١/٢" واجتماع الجيوش الإسلامية "ص: ٢٠٥". ٢ قال ابن تيمية -﵀- في بيان تلبيس الجهمية "٥٥٣/٢". وأحمد -﵀- ذكر ما يعلم بضرورة العقل من أنه إذا كان فيه وليس بمباين لأنه لابد =
[ ١٥٩ ]
قال: لا. قلنا: فكيف يكون في كل شيء غير مماس لشيء ولا مباين؟ فلم يحسن الجواب.
فقال: بلا كيف. فيخدع جهال الناس بهذه الكلمة وموه عليهم١.
فقلنا: أليس إذا كان يوم القيامة، أليس إنما هو في الجنة والنار والعرش والهواء٢؟
_________________
(١) = أن يكون مماسًّا له، فإنه لا يعقل كون الشيء في الشيء إلا مماسًّا له أو مباينًا له، فإنه لما كان خطابه مع الجهمية الذين يقولون إنه في كل مكان ذكر أنه لابد من المماسة أو المباينة على هذا التقدير، وهو تقدير المحايثة، فإن أولئك لم يكونوا ينكرون دخوله في العالم، وإنما ينكرون خروجه. ١ قال ابن تيمية في "بيان تلبيس الجهمية" "٥٥٣/٢": فبين أحمد أن هذه الكلمة إنما يقبلها الجهال فينخدعون بها، لأنهم يعتقدون أن ما ذكره هذا ممكن، وإن لم نعلم نحن كيفيته، وإنما كانوا جهالًا لأنهم خالفوا العقل والشرع، وقبلوا ما لا يقبل العقل، واعتقدوا هذا من جنس ما أخبر به الشارع من الصفات التي لا نعلم نحن كيفيتها. ٢ قال ابن تيمية -﵀- في "بيان تلبيس الجهمية" "٥٥٧/٢": ثم ذكر أحمد الحجة الثانية فقال: قلنا لهم: إذا كان يوم القيامة أليس إنما الجنة أو النار والعرش والهواء. إلى آخره. فبيَّن أن موجب قولهم أن يكون بعضه على العرش، وبعضه في الجنة، وبعضه في النار، وبعضه في الهواء، لأن هذه هي الأمكنة التي ادعوا أن الله فيها فيتبعض ويتجزأ بتبعض الأمكنة وتجزيها، وذكر أنه عند ذلك تبين للناس كذبهم على الله، لأن الناس في الدنيا آمنوا بالغيب وبأمور أخرى لم يروها في الدنيا وسوف يرونها في الآخرة، فإن ظهر لهم أن هؤلاء يقولون إنه يكون في الآخرة، كما كان في الدنيا متفرقًا متجزءًا لم يمكن أن يراه أحد، ولا أن يحايث أحدًا، ولا أن يختص أولياؤه بالقرب منه دون أعدائه، بل يكون في النار مع أعدائه، كما هو في الجنة مع أوليائه، فظهر بذلك من كذبهم على الله ما لم يظهر بما ذكروه في أمر الدنيا.
[ ١٦٠ ]
قال: بلى. فقلنا: فأين يكون ربنا؟
فقال: يكون في كل شيء. كما كان حين في الدنيا في كل شيء.
فقلنا: فإن مذهبكم إن ما كان من الله على العرش فهو على العرش، وما كان من الله في الجنة فهو في الجنة، وما كان من الله في النار فهو في النار، وما كان من الله في الهواء فهو في الهواء.
فعند ذلك تبين كذبهم على الله جل ثناؤه١.
_________________
(١) ١ إلى هنا انتهى نقل ابن تيمية في "بيان تلبيس الجهمية" "٥٥١/٢، ٥٥٢" وفي درء تعارض العقل والنقل "١٧٧/٣، ١٧٨" فقال ﵀ في بيان التلبيس: فذكر الإمام أحمد بعد تفسير المعية التي احتجوا بها من جهة السمع حجتين عقليتين، فذكر قول الجهمية أنه في كل شيء غير مماس للأشياء، ولا مباين لها، وهذا قول الجهمية الذين ينفون مباينته، ثم يبقون مع ذلك مماسته، فيقولون هو في كل مكان، والصنف الآخر كالمؤسس ينفون مباينته الحقيقية، وإن قالوا إنهم يثبتون مباينته بالحقيقة والزمان، فإن أولئك أيضًا وإن نفوا المباينة فإنهم يثبتونها بالحقيقة والزمان، فكلا الطائفتين يقولون: إنهم يثبتون مباينته لكن ينفون أن يكون خارج العالم. وكل من الصنفين خصم للآخر فيما يوافقه عليه الجماعة، فالأولون يقولون كما تقول الجماعة: إنه إذا لم يكن مباينًا للعالم بغير الحقيقة والزمان كان محايثًا له خلافًا للطائفة الأخرى، ثم يقول بما تقول به الأخرى: وليس بمباين للعالم بغير الحقيقة والزمان، فيلزم أن يكون محايثًا له. والآخرون يقولون إذا كان محايثًا للعالم كان مماسًّا له، كما تقول الجماعة خلافًا لتلك الطائفة، ثم يقولون مع الجماعة: وليس بمماس للعالم، فيلزم أن لا يكون فيه ولا مباينًا له بغير الحقيقة والزمان، فلا يكون خارجًا عنه. وقال ﵀ في درء التعارض: فكان الإمام أحمد وغيره من الأئمة يبينون فساد قول الجهمية، سواء قالوا: إنه في كل مكان أو قالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، أو قالوا: إنه في العالم أو خارج العالم، إذ جماع قولهم: إنه ليس مباينًا للعالم مختصًّا بما فوق العالم. =
[ ١٦١ ]