بيان ما تأولت الجهمية من قول الله:
﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾
قالوا: إن الله معنا وفينا. فقلنا: الله جل ثناؤه يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [المجادلة: ٧] .
ثم قال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] يعني الله بعلمه، ﴿وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ﴾ يعني الله بعلمه ﴿سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ يعني بعلمه فيهم ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يفتح الخبر بعلمه، ويختم الخبر بعلمه١.
ويقال للجهمي: إن الله إذا كان معنا بعظمة نفسه فقل له: هل يغفر الله لكم فيما بينه وبين خلقه؟
_________________
(١) ١ قال ابن بطة في "الإبانة" "١٤٤/٣، ١٤٥": واحتج الجهمي بقول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] . فقالوا: إن الله معنا وفينا، واحتجوا بقوله: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤]، وقد فسر العلماء هذه الآية: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا﴾ إنما عني بذلك: علمه، ألا ترى أنه قال في أول الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ فرجعت الهاء والواو من هو على علمه لا على ذاته. ثم قال في آخر الآية: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فعاد الوصف على العلم، وبين أنه إنما أراد بذلك العلم، وأنه عليم بأمورهم كلها.
[ ١٥٤ ]
فإن قال: نعم فقد زعم أن الله بائن من خلقه دونه، وإن قال: لا. كفر١.
وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أن الله في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، فقل: أليس الله كان ولا شيء؟
فيقول: نعم.
فقل له: حين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجًا من نفسه؟ فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال، لابد له من واحد منها.
إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر، حين زعم أن الجن والإنس والشياطين في نفسه٢.
_________________
(١) ١ إلى هنا انتهى نقل ابن تيمية في "بيان تلبيس الجهمية" "٥٤٨/٢" ثم قال ﵀: وذلك أن من أثبت أن شيئًا بين الله وبين خلقه فقد جعله مباينًا، فإن المباينة والبين من اشتقاق واحد، وإذا كان شيء بين شيئين فالثلاثة مباينة بعضها عن بعض، وهذا الوسط من هذا، وهو ما بينه وبين هذا هو مباينته، ومباين المباينين أولى أن يكون مباينًا. ٢ قال ابن بطة في "الإبانة" "١٤٠/٣-١٤٢": ويقال للجهمي: أليس قد كان الله ولا خلق؟ فيقول: نعم. فيقال له: فحين خلق الخلق أين خلقهم؟ -وقد زعمت أنه لا يخلو منه مكان- أخلقهم في نفسه أو خارجًا عن نفسه؟ فعندها يتبين لك كفر الجهمي، وأنه لا حيلة له في الجواب. لأنه إن قال: خلق الخلق في نفسه. كفر وزعم أن الله خلق الجن والإنس والأبالسة والشياطين والقردة والخنازير والأقذار والأنتان في نفسه، تعالى اله عن ذلك علوًّا كبيرًا. وإن زعم أنه خلقهم خارجًا عن نفسه فقد اعترف أن ههنا أمكنة قد خلت منه. ويقال للجهمي في قوله: إن الله في كل مكان: أخبرنا هل تطلع عليه الشمس إذا طلعت؟ وهل يصيبه الريح والثلج والبرد؟ ولو أن رجلًا أراد أن يبني بناء أو يحفر بئرًا أو يلقي قذرًا لكان إنما يلقي ذلك ويضعه في ربه. فجلَّ ربنا وتعالى عما يصفه به =
[ ١٥٥ ]
إن قال: خلقهم خارجًا من نفسه ثم دخل فيهم، كان هذا كفرًا أيضًا [حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش قذر رديء. وإن قال: خلقهم خارجًا عن نفسه، ثم لم يدخل فيهم. رجع عن قوله كله أجمع، وهو قول أهل السنة] ١، ٢.
_________________
(١) = الملحدون وينسبه إليه الزائغون. لكنا نقول: إن ربنا تعالى في أرفع الأماكن وأعلى عليين، قد استوى على عرشه فوق سماواته وعلمه محيط بجميع خلقه، يعلم ما نأى كما يعلم ما دنا، ويعلم ما بطن كما يعلم ما ظهر، كما وصف نفسه تعالى، فقال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] . فقد أحاط علمه بجميع ما خلق في السموات العلا وما في الأرضين السبع وما بينهما وما تحت الثرى، يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم الخطرة والهمة، ويعلم جميع ما توسوس النفوس به، يسمع ويرى وهو بالنظر الأعلى لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات والأرضين إلا وقد أحاط علمه به وهو على عرشه سبحانه العلي الأعلى. ترفع إليه أعمال العباد وهو أعلم بها من الملائكة الذين شاهدوها وكتبوها ورفعوا إليه بالليل والنهار، فجلّ ربنا وتعالى عما ينسبه إليه الجاحدون ويشبهه به الملحدون. ١ ما بين المعكوفين سقط من نسخة د. عميرة واستدركته من نسخة الشيخ الأنصاري، ومن درء تعارض العقل والنقل "١٧٦/٣" ومن بيان تلبيس الجهمية "٥٤٩/٢" ثم بين لي أن هذا السقط وجد بعد قوله الآتي: فأين يكون ربنا؟ فقال: يكون في كل شيء. ٢ إلى هنا انتهى نقل ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل "١٧٦/٣" وبيان تلبيس الجهمية "٥٤٩/٢" ثم قال ﵀ في بيان التلبيس: وهذه الحجة التي ذكرها أحمد مبناها على أنه يخلو عن المباينة للخلق المحايثة لهم. وهذا كما أنه معلوم بالفطرة العقلية الضرورية كما تقدم، فإن الجهمية كثيرًا مما يضطرون إلى تسليم ذلك كقوله: إنه في كل مكان. ولأن الخروج عن هذين القسمين مما تنكره قلوبهم بفطرتهم ومما ينكره الناس عليهم. =
[ ١٥٦ ]
إذا أردت أن تعلم الجهمي لا يقر بعلم الله فقل له: الله يقول: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وقال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] .
وقال: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤] .
وقال: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ [فصلت: ٤٧] .
فيقال له: تقر بعلم الله هذا الذي أوقفك عليه بالأعلام والدلالات أم لا؟ فإن قال: ليس له علم، كفر.
وإن قال: لله علم محدث كفر، حين زعم أن الله قد كان في وقت من الأوقات لا يعلم حتى أحدث له علمًا فعلم.
فإن قال: لله علم وليس مخلوقًا ولا محدثًا، رجع عن قوله كله، وقال بقول أهل السنة] ١.
_________________
(١) وقال ﵀ في درء التعارض: فقد بين الإمام أحمد ما هو معلوم بصريح العقل وبديهته، من أنه لابد إذا خلق الخلق من أن يخلقه مباينًا له أو محايثًا له، ومع المحايثة: إما أن يكون هو في العالم، وإما أن يكون العالم فيه؛ لأنه سبحانه قائم بنفسه، والقائم بنفسه إذا كان محايثًا لغيره فلابد أن يكون أحدهما حالًّا في الآخر بخلاف ما لا يقوم بنفسه كالصفات، فإنها قد تكون جميعًا قائمة بغيرها. وانظر كذلك مجموع فتاوى شيخ الإسلام "٣١٢/٥، ٣١٣". ١ من قوله ﵀: حين زعم أنه دخل في كل مكان وحُشٍّ قذر رديء. إلى هنا، انتقل موضعه في الفصل التالي، بيان ما ذكر الله في القرآن: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ من نسخة الدكتور عميرة، ولا أدري كيف وجد هذا النقل في هذا الموضع ولعله حدث نتيجة تقدم صفحة على صفحة من المخطوط؟!
[ ١٥٧ ]