وأما قول موسى:
﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] .
وقال السحرة: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٥١] .
وقال النبي ﷺ: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣] .
قالوا: كيف قال موسى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] .
[ ٧٩ ]
وقد كان قبله إبراهيم ويعقوب وإسحاق، فكيف جاز لموسى أن يقول: ﴿وأَنا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقالت السحرة: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وكيف جاز للنبي أن يقول: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ وقد كان قبله مسلمون كثير، مثل عيسى ومن تبعه؟ فشكُّوا في القرآن وقالوا: إنه متناقض١.
_________________
(١) ١ قال السيوطي ﵀: وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ قال: من سؤالي إياك الرؤية ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: أول قومي إيمانًا. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي العالية في قوله: ﴿وأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: قد كان إِذَنْ قبله مؤمنون، ولكن يقول: أنا أول من آمن بأنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة. انظر: الدر المنثور "٥٤٧/٣" وقال الشوكاني ﵀: ﴿وأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بل قبل قومي الموجودين في هذا العصر المعترفين بعظمتك وجلالك. انظر: فتح القدير "٣٥٥/٢". وقال السيوطي ﵀: وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿وَنُسُكِي﴾ قال: ضحيتي. وفي قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال: من هذه الأمة. انظر: الدر المنثور "٤١٠/٣" وفتح القدير "٢٧١/٢" وقال السيوطي ﵀: وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿لا ضَيْرَ﴾ قال: يقولون: لا يضرنا الذي تقول، وإن صنعت بنا وصلبتنا ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ يقول: إنا إلى ربنا راجعون، وهو مجازينا بصبرنا على عقوبتك إيانا وثباتنا على توحيده والبراءة من الكفر به، وفي قوله: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: كانوا كذلك يومئذ أول من آمن بآياته حين رآها. انظر الدر المنثور: "٢٩٣/٦" وقال الشوكاني ﵀: وفي قوله: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قالوا: كانوا كذلك =
[ ٨٠ ]
أما قول موسى: ﴿وأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإنه حين قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ولا يراني أحد في الدنيا، إلا مات.
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] .
يعني أول المصدقين، أنه لا يراك أحد في الدنيا إلا مات.
وأما قول السحرة: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني أول المصدقين بموسى من أهل مصر من القبط.
وأما قول النبي ﷺ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ يعني من أهل مكة. فهذا تفسير ما شكَّت فيه الزنادقة١.
_________________
(١) = يومئذ أول من آمن بآياته حين رأوها. انظر: فتح القدير "١٤٤/٤" ١ انظر: تفسير الطبري "١١٢/٨" "٥٥/٩" "٧٤/١٩" وتفسير ابن كثير "٢١٤/٢، ٢٦٣" "٣٥٠/٣".
[ ٨١ ]