أما قوله:
﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]
وقال في آية أخرى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]
وقال في آية أخرى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٤، ٥] .
فقالوا: كيف يكون هذا من الكلام المحكم، وهو ينقض بعضه بعضًا؟ ٢.
_________________
(١) ٢ قال الشيخ الشنقيطي ﵀: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] . هذه الآية تدل على أن مقدار اليوم عند الله ألف سنة، وكذلك قوله تعالى: =
[ ٦٩ ]
قال: أما قوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] فهذا من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض، كل يوم كألف سنة، وأما قوله: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] وذلك أن جبرائيل كان ينزل على النبي -ﷺ- ويصعد إلى السماء في يوم كان مقداره ألف سنة، ذلك أنه من السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، فهبوط خمسمائة، وصعود خمسمائة عام، فذلك ألف عام١.
_________________
(١) = ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥] وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك، هي قوله تعالى في سورة سأل سائل: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] الآية. اعلم أولا أن أبا عبيدة روى عن إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن أبي مليكة أنه حضر كلا من ابن عباس وسعيد بن المسيب، سئل عن هذه الآيات فلم يدر ما يقول فيها ويقول: لا أدري. وللجمع بينهما وجهان: الأول: هو ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس، من أن يوم الألف في سورة الحج هو أحد الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض ويوم الألف في سورة السجدة هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه تعالى، ويوم الخمسين ألفًا هو يوم القيامة. الوجه الثاني: أن المراد بجميعها يوم القيامة، وأن الاختلاف باعتبار حال المؤمن والكافر. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ، عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٩، ١٠] ذكر هذين الوجهين صاحب الإتقان، والعلم عند الله تعالى. انظر: دفع إيهام الاضطراب "١٤٠/١٠، ١٤١" ١ قال السيوطي ﵀: وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله =
[ ٧٠ ]
وأما قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] يقول: لو ولي حساب الخلائق غير الله، ما فرغ منه في يوم مقداره خمسون ألف سنة، ويفرغ الله منه مقدار نصف يوم من أيام الدنيا١، إذا أخذ في حساب الخلائق فذلك قوله: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] يعني سرعة الحساب٢.
_________________
(١) = عنهما في قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق سبع سموات ﴿مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ويوم كان مقداره ألف سنة يعني بذلك نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة؛ لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام. انظر: الدر المنثور "٢٧٩/٨". ١ قال الشوكاني ﵀: قال ابن إسحاق والكلبي ووهب بن منبه: أي عرج الملائكة إلى المكان الذي هو محلها في وقت كان مقداره على غيرهم لو صعد خمسين ألف سنة، وبه قال مجاهد. وقال عكرمة وروي عن مجاهد أن مدة عمر الدنيا هذا المقدار لا يدري أحد كم مضى ولا كم بقي ولا يعلم ذلك إلا الله. وقال قتادة والكلبي ومحمد بن كعب: إن المراد يوم القيامة، يعني أن مقدار الأمر فيه لو تولاه غيره سبحانه خمسون ألف سنة، وهو سبحانه يفرغ منه في ساعة. انظر: فتح القدير "٤٠٤/٥" ٢ انظر: تفسير الطبري "١٨٣/١٧"، "٩١/٢١"، "٧٠/٢٩" وتفسير ابن كثير "٢٤٠/٣، ٤٧٦" "٤٤٤/٤" وتفسير الشوكاني "٤٦٠/٣" "٢٤٨/٤، ٢٥١" "٢٨٨/٥، ٢٩١".
[ ٧١ ]