وأما قوله:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] .
وقال في آية أخرى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] .
وكأن هذا عند من لا يعرف معناه ينقض بعضه بعضًا٢.
_________________
(١) ٢ قال الشنقيطي ﵀: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] . هذه الآية الكريمة تدل على أن من لم يهاجر لا ولاية بينه وبين المؤمنين حتى يهاجر، وقد جاءت آية أخرى يفهم منها خلاف ذلك، وهي قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] فإنها تدل على ثبوت الولاية بين المؤمنين وظاهرها العموم. والجواب من وجهين: الأول: أن الولاية المنفية في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] هي ولاية الميراث، أي مالكم شيء من ميراثهم حتى يهاجروا؛ لأن المهاجرين والأنصار كانوا يتوارثون بالمؤاخاة التي جعلها النبي -ﷺ- بينهم، فمن مات من المهاجرين ورثه أخوه الأنصاري دون أخيه المؤمن، الذي لم يهاجر، حتى نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦] الآية. وهذا مروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، كما نقله عنهم أبو حيان وابن جرير =
[ ٨٦ ]
أما قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ يعني من الميراث، وذلك أن الله -﷿- حكم على المؤمنين لما هاجروا إلى المدينة أن لا يتوارثوا إلا بالهجرة، فإن مات رجل بمكة له ولي مهاجر مع النبي -ﷺ- كان لا يرثه المهاجر، فذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ من الميراث ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ فلما كثر المهاجرون رد الله ذلك الميراث على الأولياء هاجروا أو لم يهاجروا، وذلك قوله: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦] .
وأما قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ يعني في الدين، والمؤمن يتولى المؤمن في دينه.
_________________
(١) = والولاية في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ولاية النصر والمؤازرة والتعاون والتعاضد؛ لأن المسلمين كالبنيان يشد بعضه بعضًا، كالجسد الواحد إذا أصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وهذه الولاية لم تقصد بالنفي في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ بدليل تصريحه تعالى بذلك في قوله بعده يليه: ﴿وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢] الآية. فأثبت ولاية النصر بينهم بعد قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يدل على أن الولاية المنفية غير ولاية النصر، فظهر أن الولاية المنفية غير المثبتة، فارتفع الإشكال. الثاني: هو ما اقتصر عليه ابن كثير مستدلا عليه بحديث أخرجه الإمام أحمد ومسلم أن معنى قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: لا نصيب لكم في المغانم ولا في خمسها إلا فيما حضرتم فيه القتال، وعليه فلا إشكال في الآية ولا مانع من تناول الآية للجميع، فيكون المراد بها نفي الميراث بينهم، ونفي القسم لهم في الغنائم والخمس. والعلم عند الله تعالى. انظر: دفع إيهام الاضطراب "٩٩/١٠، ١٠٠".
[ ٨٧ ]
فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة١.
_________________
(١) ١ انظر: تفسير الطبري "٥١/١٠" وتفسير ابن كثير "٣٥٢/٢". قال الشنقيطي ﵀: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠] هذه الآية الكريمة فيها التصريح بأن الشيطان له سلطان على أوليائه ونظيرها الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] . وقد جاء في بعض الآيات ما يدل على نفي سلطانه عليهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [سبأ: ٢٠، ٢١] الآية. وقوله تعالى حاكيًا عنه مقررًا له: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: ٢٢] الآية. والجواب: هو أن السلطان الذي أثبته له عليهم غير السلطان الذي نفاه، وذلك من وجهين: الأول: أن السلطان المثبت له هو سلطان إضلاله لهم بتزيينه، والسلطان المنفي هو سلطان الحجة، فلم يكن لإبليس عليهم حجة يتسلط بها، غير أنه دعاهم فأجابوه، بلا حجة ولا برهان، وإطلاق السلطان على البرهان كثير في القرآن. الثاني: أن الله لم يقل: له عليهم سلطان ابتداء ألبتة. ولكنهم هم الذين سلطوه على أنفسهم بطاعته ودخولهم في حزبه، فلم يتسلط عليهم بقوة؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] وإنما تسلط عليهم بإرادتهم واختيارهم، ذكر هذا الجواب بوجهيه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى. انظر: دفع إيهام الاضطراب "١٢٠/١٠، ١٢١". وانظر أيضًا: عدة الصَّابرين لابن القيم "ص: ٢١، ٢٢".
[ ٨٨ ]