وأما قوله:
﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٤، ١٢٥] .
وقال في الآية الأخرى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] .
فقالوا: كيف يكون هذا من الكلام المحكم؟ فيقول: إنه أعمى، ويقول: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ فشكُّوا في القرآن٢.
_________________
(١) ٢ قال الشنقيطي ﵀: قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] الآية. هذه الآية الكريمة تدل على أن الكفار يوم القيامة ينظرون بعيون خفية ضعيفة النظر، وقد جاءت آية أخرى يتوهم منها خلاف ذلك، وهي قوله تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] . والجواب: هو ما ذكره صاحب الإتقان، من أن المراد بحدة البصر: العلم وقوة المعرفة. قال قطرب: فبصرك أي علمك ومعرفتك بها قوية من قولهم: بصر بكذا أي علم، وليس المراد رؤية العين. قال الفارسي: ويدل على ذلك قوله: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ . وقال بعض العلماء: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أي تدرك به ما عميت عنه في دار الدنيا، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا﴾ [السجدة: ١٢] الآية. وقوله: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣] الآية، وقوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨] . ودلالة القرآن على هذا الوجه الأخير ظاهرة، فلعله هو الأرجح، وإن اقتصر صاحب الإتقان على الأول. انظر: دفع إيهام الاضطراب "١٧٦/١٠". =
[ ٩٠ ]
أما قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] عن حجته، وقال: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾ عن حجتي ﴿وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ بها مخاصمًا بها، فذلك قوله: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص: ٦٦] .
يقول: الحجج ﴿فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦]، وأما قوله: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ .
وذلك أن الكافر إذا خرج من قبره، شخص بصره، ولا يطرف بصره حتى يعاين جميع ما كان يكذب به من أمر البعث، فذلك قوله: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] .
يقول: غطاء الآخرة. فبصرك يحد النظر، لا يطرف حتى يعاين جميع ما كان يكذب به من أمر البعث، فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة١.
_________________
(١) = وقال أيضًا ﵀: قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن من أعرض عن ذكره يحشره يوم القيمة في حال كونه أعمى، وأن المراد بقوله: أعمى، أي أعمى البصر لا يرى شيئًا. والقرينة المذكورة هي قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٥] فصرَّح بأن عَمَاه هو العمى المقابل للبصر، وهو بصر العين؛ لأن الكافر كان في الدنيا أعمى القلب، كما دلت على ذلك آيات كثيرة من كتاب الله. انظر: أضواء البيان "٤١٣/٤، ٤١٤" "٢٧٦/٦، ٢٧٧". ١ انظر: تفسير الطبري "٢٢٨/١٦" "١٦٣/٢٦" وتفسير ابن كثير "١٧٩/٣" "٢٤١/٤".
[ ٩١ ]