قولهم: إن الواو تأتي للثمانية ليس عليه دليل مستقيم، وقد ذكروا ذلك في مواضع فلنتكلم عليها واحدًا واحدًا:
الموضع الأول: قوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢] =
[ ١٠٨ ]
فلما كانت البكر غير الثيب، لم يدعه مرسلًا حتى فصل بينهما، فذلك قوله: ﴿وَأَبْكَارًا﴾ . وقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى﴾ ثم قال: ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩] فلما كان البصير غير الأعمى فصل بينهما.
ثم قال: ﴿وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ، وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ [فاطر: ٢٠، ٢١] .
فلما كان واحد من هذا الشيء غير الشيء الآخر فصل بينهما.
ثم قال: ﴿هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣، ٢٤] .
_________________
(١) = فقيل الواو في: والناهون، واو الثمانية لمجيئها بعد استيفاء الأوصاف السبعة، وذكروا في الآية وجوهًا أخرى، ذكرها ابن القيم ثم قال: الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥] فقيل: هذه واو الثمانية لمجيئها بعد الوصف السابع وليس كذلك. ودخول الواو ههنا متعين؛ لأن الأوصاف التي قبلها المراد اجتماعها في النساء، وأما وصفا البكارة والثيوبة فلا يمكن اجتماعهما، فتعين العطف؛ لأن المقصود أنه يزوجه بالنوعين الثيبات والأبكار. الموضع الثالث: قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] . قيل: المراد إدخال الواو ههنا لأجل الثمانية، وهذا يحتمل أمرين: أحدهما: هذا. وذكر الثاني ثم قال: والموضع الرابع: قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] فأتى بالواو لما كانت أبواب الجنة ثمانية. وقال في النار: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١] لما كانت سبعة، وهذا في غاية البعد ولا دلالة في اللفظ على الثمانية حتى تدخل الواو لأجلها، بل هذا من باب حذف الجواب لنكتة بديعة إلخ.
[ ١٠٩ ]
فهذا كله شيء واحد، فهو مرسل ليس بمفصل.
فلذلك إذا قال الله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾؛ لأن الخلق غير الأمر، فهو منفصل١.
_________________
(١) ١ اعتمد ابن بطة في كتابه الإبانة على ما قرره الإمام أحمد هنا في الرد على الجهمية، انظر: الإبانة "١٦٦/٢، ١٦٧". قال ابن بطة في "١٦٩/٢": فكذلك لما كان الأمر غير الخلق، فصل بالواو، فقال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ فالأمر أمره وكلامه، والخلق خلقه، وبالأمر خلق الخلق؛ لأن الله -﷿- أمر بما شاء وخلق بما شاء. فزعم الجهمي أن الأمر خلق، والخلق خلق، فكأن معنى قول الله ﷿: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ وإنما هو ألا له الخلق والخلق، فجمع الجهمي بين ما فصله الله. وقال الآجري في كتاب الشريعة "٥٠٤/١، ٥٠٥ رقم: ١٧١": أخبرنا أبو القاسم أيضًا قال: حدثني سعيد بن نصير أبو عثمان الواسطي في مجلس خلف البزار. قال: سمعت ابن عيينة يقول: ما يقول هذا الدويبة؟ يعني: بشرًا المريسي؟ قالوا: يا أبا محمد يزعم أن القرآن مخلوق، فقال: كذب، قال الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ فالخلق: خلق الله. والأمر: القرآن. قال محققه الدكتور عبد الله الدميجي: إسناده حسن.
[ ١١٠ ]