بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين:
قال الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، ﵁ وأثابه الجنة، وغفر لنا وله بمنه وكرمه آمين:
الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضالٍ تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم١.
ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل
_________________
(١) ١ هذا هو شأن أهل الحق والخير في كل زمان ومكان، آثارهم على الناس حسنة طيبة، وإن كانت آثار الناس عليهم سيئة قبيحة، فهذا هو ديدن أهل السنة وأخلاقهم، يحبون الخير للناس، ويحرصون على نفعهم وإيصال كل نافع ومفيد إليهم، وها هو شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- يقول: قال أبو هريرة: كنتم خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل حتى تدخلوهم الجنة، فيجاهدون لمنفعة الخلق وصلاحهم، وهم يكرهون ذلك لجهلهم، كما قال أحمد في خطبته: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل إلى قوله: فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم، إلى آخر كلامه، انظر: مجموعة فتاوى شيخ الإسلام "٣١٧/١٦".
[ ٥٥ ]
الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدع، وأطلقوا عقال١ الفتنة فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب٢، يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم٣
_________________
(١) ١ في بعض النسخ: "عنان". ٢ إن من قواعد وأصول أهل السنة والجماعة إصلاح ذات البين وتأليف القلوب واجتماع الكلمة مفارقين في ذلك أهل البدع المختلفين في الكتاب المخالفين للكتاب والمجمعين على مفارقة الكتاب. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: تعلمون أن من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين: تأليف القلوب واجتماع الكلمة وصلاح ذات البين، فإن الله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف وتنهى عن الفرقة والاختلاف، وأهل هذا الأصل هم أهل الجماعة، كما أن الخارجين عنهم هم أهل الفرقة. انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام "٥٠/٢٨". وقال شيخ الإسلام أيضًا: ولو اعتصموا بالكتاب والسنة لاتَّفَقُوا كما اتفق أهل السنة والحديث، فإن أئمة السنة والحديث لم يختلفوا في شيء من أصول دينهم، ولهذا لم يقل أحد منهم: إن الله جسم ولا قال: إن الله ليس بجسم. بل أنكروا النفي لما ابتدعته الجهمية من المعتزلة وغيرهم، وأنكروا ما نفته الجهمية من الصفات مع إنكارهم على من شبه صفاته بصفات خلقه، مع أن إنكارهم كان على الجهمية المعطلة أعظم منه على المشبهة؛ لأن مرض التعطيل أعظم من مرض التشبيه. انظر: درء تعارض العقل والنقل "٣٦٧/٥". ٣ قال ابن القيم ﵀: وقد حرَّم الله سبحانه القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء، وجعله من أعظم المحرمات، بل جعله في المرتبة العليا منها، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] . فرتب المحرمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثَنَّى بما هو أشد تحرِيْمًا منه وهو الإثم والظلم، ثم ثلَّث بما هو أعظم تحريْمًا منهما وهو الشرك به سبحانه، ثم ربَّع بما هو أشد تحريْمًا من ذلك كله، وهو القول عليه بلا علم. =
[ ٥٦ ]
يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن الضالين.
_________________
(١) = وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، وفي دينه وشرعه. انظر: إعلام الموقعين "٣٨/١". وقال أيضًا ﵀: وأما القول على الله بلا علم فهو أشد هذه المحرمات تحريْمًا وأعظمها إثْمًا، ولهذا ذكر في المرتبة الرابعة من المحرمات التي اتفقت عليها الشرائع والأديان ولا تباح بحال، بل لا تكون إلا محرمة، وليست كالميتة والدم ولحم الخنزير، الذي يباح في حال دون حال، فإن المحرمات نوعان: محرم لذاته لا يباح بحال، ومحرم تحريْمًا عارضًا في وقت دون وقت. قال الله تعالى في المحرم لذاته: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال: ﴿وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم فقال: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ فهذا أعظم المحرمات عند الله وأشد إثْمًا، فإنه يتضمن الكذب على الله ونسبته إلى ما لا يليق به، وتغيير دينه ونفي ما أثبته وإثبات ما نفاه، وتحقيق ما أبطله وإبطال ما حققه وعداوة من والاه وموالاة من عاداه، وحب ما أبغضه وبغض ما أحبه، ووصفه بما لا يليق به في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله. فليس من أجناس المحرمات أعظم عند الله منه ولا أشد إثْمًا، وهو أصل الشرك والكفر، وعليه أسست البدع والضلالات، فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله بلا علم. ولهذا اشتد نكير السلف والأئمة لها وصاحوا بأهلها من أقطار الأرض وحذَّروا فتنتهم أشد تحذير، وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا في إنكار الفواحش والظلم والعدوان، إذ مضرة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد. انظر: مدارج السالكين "٣٧٢/٢".
[ ٥٧ ]