تعتبر نسبة هذا الكتاب إلى مؤلفه شيخ الإسلام ابن تيمية أمرا هاما، نظرا لما وقع في ذلك من اختلاف بين الباحثين والمفهرسين، وشمل الخلاف المؤيدين للشيخ والمعارضين له، ووصل الأمر إلى حد إنكار وجود هذا التأليف لشيخ الإسلام، والحكم بوهم من نسبه إليه، وإن كان الذي نسبه من ألصق الناس وأخبرهم به، وهو تلميذه ابن القيم وبيان ذلك:
أن النسخة التي وجدت من هذا الكتاب في دار الكتاب المصرية (١) لم يذكر فيها نسبتها إلى شيخ الإسلام، وبناء على ذلك تردد المفهرسون في نسبتها للمؤلف، فقالوا عند فهرستها: يظن أنها لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢) .
وتبعا لذلك ذكر الدكتور عوض الله حجازي في كتابه "ابن القيم وموقفه من التفكير الإسلامي" (٣) أن تلك الرسالة مجهولة المؤلف، لكنه اتبع ذلك بقوله: "ويظهر أنها من مؤلفات ابن تيمية".
أما الدكتور علي بن علي جابر الحربي، فتعدد إنكاره لوجود قول لشيخ الإسلام بفناء النار، أو وجود تأليفه له في هذا الموضوع، وذكر أن ابن القيم وابن الوزير قد وهما في نسبة ذلك إلى شيخ الإسلام، ثم راح يلمتس لهما عذرا بأن
_________________
(١) سيأتي التعريف بها "ص٢٩".
(٢) كذا في بطاقة فهرسة النسخة بدار الكتب المصرية.
(٣) "ص٣١٠".
[ ١٢ ]
الكمال لله وحده وأن ذلك من الوهم اليسير الذي لا يخرج العالم عن حد الثقة (١) .
وفي بعض المرات ذكر أن ما صرح به ابن القيم من أن شيخه شيخ الإسلام صنف في هذه المسألة مصنفه المشهور لكنه لم يصل إلينا -حسب علمي - ولو نشر لأقام الدنيا وأقعدها خصومه (٢) .
وفي موضع ثان قال: "ويغلب على ظني عدم وجوده" (٣) .
وفي موضع آخر قال: "إن الرسالة المزعومة" (٤) .
فلما رأى الدكتور الحربي أن الشيخ الألباني ذكر قطعة من نسخة خطية، وجدت لدى المكتب الإسلامي ومصرح فيها بنسبة الكتاب إلى شيخ الإسلام كما سيأتي توضيحه (٥) لما رأى الدكتور ذلك وحاول دفع نسبتها لشيخ الإسلام فقال: "وأما الورقات الثلاث التي ذكر الألباني أنه وجدها في دشت ضمن مخطوطات المكتب الإسلامي، وصورها في مقدمته لكتاب "رفع الأستار" للصنعاني، وأنها لكاتب مجهول من خطوط القرن الحادي عشر الهجري من رسالة لابن تيمية في الرد على من قال بفناء الجنة والنار، فلا تعتبر من مصنفات ابن تيمية، لانتفاء الشروط المتبعة في مناهج البحث والتحقيق المعروفة عند أهل هذا الشأن، ومن ذلك جهالة الكاتب" (٦) .
_________________
(١) "كشف الأستار لإبطال ادعاء فناء النار" للدكتور علي الحربي "١٦-١٧-٢٨-٣٠-٣١-٣٤-٤١-٥٨-٥٩-٦٩-٧٠-٧١-٧٧-٨٢-٨٣.
(٢) المرجع السابق "ص٨٢".
(٣) المرجع السابق "ص٤٥".
(٤) المرجع السابق "ص٥٩".
(٥) المرجع السابق "ص٨٢".
(٦) المرجع السابق "ص٨٢".
[ ١٣ ]
وقال: "شهادته - يعني ابن القيم - بأن شيخه في هذه المسألة مصنفه المشهور الذي لم يظهر منه شيء سوى لصفحات الثلاث المشار إليها سابقا بأنها مجهولة الناسخ والتاريخ، مفتقرة للشروط المتبعة في مناهج البحث والتحقيق، ومعلوم عند أهل هذا الشأن ما يترتب على ذلك من عدم الثبوت" (١) .
ويمكن الجواب عن هذا بما يلي:
أولا: أنه طالما صرح في هذه القطعة بنسبة الكتاب لشيخ الإسلام، فلا يطعن في ذلك جهالة تاريخ النسخة، ولا جهالة ناسخها، محاولة الاستناد في دفع الثبوت إلى الشروط المتبعة في مناهج البحث والتحقيق، بناء على جهالة الناسخ وتاريخ النسخ، فهذا غير مُسَلَّم، حيث لم يعرف في تلك المناهج والقواعد أن جهالة الناسخ، وجهالة التاريخ للنسخة مما يقدح أيُّ منهما في نسبتها لمؤلفها المصرح به في صدر النسخة (٢) .
ثانيا: أننا لو جعلنا جهالة الناسخ وتاريخ النسخ يقدحان في النسبة المصرح بها للمؤلف لترتب على ذلك أن نقدح في نسبة كثير من المؤلفات المخطوطة مما لم يوجد عليها اسم الناسخ، ولا تاريخ النسخ، كما يعرف ذلك من مراجعة فهارس المخطوطات، على أنه قد توفرت نسخة ثانية كاملة للكتاب وأثبت في آخرها اسم الناسخ، ومقابلته لها بأصلها.
ثالثا: ومما يؤيد صحة نسبة هذه الرسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية ما تضمنه من نصوص وإحالات. تتطابق مع النقول والمؤلفات التي تثبت نسبتها لشيخ الإسلام كما يتضح ذلك من مراجعة النص المحقق وتوثيقه والتعليق عليه (٣) .
_________________
(١) المرجع السابق "ص٥٨".
(٢) "رفع الأستار" للصنعاني تحقيق الألباني "ص٨-٩-٥٣"
(٣) انظر من أمثلة ذلك "ص٤٤" هامش ٥، "ص٤٥" هامش ٣، "ص٤٩"، هامش ١"هامش ٤.
[ ١٤ ]
رابعا: أنه قد صرح بنسبة هذا الكتاب للمؤلف من لا يشك في خبرته بالشيخ، وولائه له ولاعتقاده السلفي، ألا وهو العلامة ابن القيم.
فقد قرر أن لشيخه ابن تيمية تصنيفا مشهورا في مسألة فناء النار (١) وشهادته دليل قاطع.
بل إن ما ذكره في كتابه "حادي الأرواح" حول هذه المسألة قد اعتمد فيه على رسالة شيخه ابن تيمية التي هي بصدد التحقيق، فإنه أحيانا يصرح بالنقل وأحيانا ينقل بتصرف وقد أشرت إلى ذلك في الهامش أثناء التحقيق.
خامسا: هذه الرسالة قد نسبها إلى شيخ الإسلام من خصومه المعاصرين له الشيخ: علي بن عبد الكافي السبكي، حيث ألف رسالة بعنوان "الاعتبار ببقاء الجنة والنار" وفي أثنائها قال: "وبدأنا بالنار لأنا وقفنا على تصنيف لبعض أهل العصر في فنائها" (٢) .
ثم قال: "وقد وقفت على التصنيف المذكور، وذكر فيه ثلاثة أقوال في فناء الجنة والنار" (٣):
أحدها: أنهما تفنيان وقال إنه لم يقل به أحد من السلف.
والثاني: أنهما لا تفنيان.
والثالث: أن الجنة تبقى والنار تفنى (٤) .
وجميع النصوص التي ساقها السُبكي في رسالته موجودة في رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية التي هي موضوع التحقيق.
وبكل حال، فإن الناظر في هذه الرسالة يلحظ سمة بارزة لمنهج شيخ
_________________
(١) شفاء العليل "ص٤٣٥".
(٢) "ص٦٦" من الرسالة المذكورة. ضمن مجموع.
(٣) المرجع السابق "ص٦٧".
(٤) المرجع السابق نفسه.
[ ١٥ ]
الإسلام من حيث الأسلوب ومناقشة القضايا ولا يختلف أسلوب هذه الرسالة عن سائر مؤلفاته.
وهذا مما يؤيد صحة نسبة هذه الرسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -
[ ١٦ ]