- ٣ - الرسالة الخامسة والعشرون. (رسالة جوابية للشيخ، عن كتاب لم نقف عليه، ويستغنى عنه بجوابه)
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وبعد، قال الله ﷾: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ٢ الآية، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ٣. قيل إنها آخر آية نزلت.
وفسر نبي الله ﷺ الإسلام لجبريل، ﵇، وبناه أيضًا على خمسة أركان، وتضمن كل ركن علمًا وعملًا، فرضًا على كل ذكر وأنثى لقوله: " لا ينبغي لأحد يقدم على شيء حتى يعلم حكم الله فيه ".
فاعلم أن أهمها وأولاها: الشهادتان وما تضمنتا من النفي والإثبات من حق الله على عبيده، ومن حق الرسالة على الأمة. فإن بان لك شيء من ذلك ما ارتعت، وعرفت ما الناس فيه من الجهل والغفلة والإعراض عما خُلقوا له، وعرفت ما هم عليه من دين الجاهلية، وما معهم من الدين النبوي، وعرفت أنهم بنوا دينهم على ألفاظ وأفعال أدركوا عليها أسلافهم، نشأ
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ١٩. ٢ سورة آل عمران آية: ٨٥. ٣ سورة المائدة آية: ٣.
[ ١٧٠ ]
عليها الصغير، وهرم عليها الكبير. ويؤيد ذلك أن الولد إذا بلغ عشر سنين، غسلوا له أهله وعلموه ألفاظ الصلاة، وحيي على ذلك ومات عليه.
أتظن من كانت هذه حاله، هل شم لدين الإسلام الموروث عن الرسول رائحة؟ فما ظنك به إذا وضع في قبره وأتاه الملكان وسألاه عما عاش عليه من الدين، بماذا يجيب؟ " هاه! هاه! لا أدري. سمعت الناس يقولون شيئا فقلتُه " ١. وما ظنك إذا وقف بين يدي الله سبحانه، وسأله: ماذا كنتم تعبدون؟ وبماذا أجبتم المرسلين؟ بماذا يجيب؟ رزقنا الله وإياك علمًا نبويًا وعملًا خالصًا في الدنيا ويوم نلقاه. آمين.
فانظر يا رجل، حالك وحال أهل هذا الزمان، أخذوا دينهم عن آبائهم ودانوا بالعرف والعادة، وما جاز عند أهل الزمان والمكان دانوا به، وما لا فلا. فأنت وذاك! وإن كانت نفسك عليك عزيزة، ولا ترضى لها بالهلاك، فالتفتْ لما تضمنت أركان الإسلام من العلم والعمل، خصوصًا الشهادتين من النفي والإثبات؛ وذلك ثابت من كلام الله وكلام رسوله.
قيل: إن أول آية نزلت: قوله سبحانه بعد "اقرأ ": ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ٢. قف عندها! ثم قف! ثم قف! ترى العجب العجيب، ويتبين لك ما أضاع الناس من أصل الأصول، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ ٣ الآية، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ٤
_________________
(١) ١ قوله: هاه إلخ: حكاية لما يجيب به المنافق عن سؤال الملكين، كما ورد في الأحاديث الصحيحة. ٢ سورة المدثر آية: ١-٢. ٣ سورة النحل آية: ٣٦. ٤ سورة الجاثية آية: ٢٣.
[ ١٧١ ]
الآية، وكذلك قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ الآية، وغير ذلك من النصوص الدالة على حقيقة التوحيد، الذي هو مضمون ما ذكرت في رسالتك، أن الشيخ محمدًا قرر لكم ثلاثة أصول: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، والولاء والبراء؛ وهذا هو حقيقة دين الإسلام. ولكن قف عند هذه الألفاظ، واطلب ما تضمنت من العلم والعمل، ولا يمكن في العلم إلا أنك تقف على كل مسمى منهما مثل الطاغوت، أكاد ٢ سليمان والمويس وعريعر وأبا ذراع والشيطان رؤوسهم ٣. كذلك قف عند الأرباب منهم، أكادهم ٤ العلماء والعباد كائنًا من كان، إن أفتوك بمخالفة الدين ولو جهلًا منهم فأطعتهم. كذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ٥، يفسرها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾ ٦ الآية. كذلك قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ٧، وهذه أعم مما قبلها، وأضرها، وأكثرها وقوعًا، ولكن أظنك وكثير من أهل الزمان ما يعرف من الآلهة المعبودة إلا هبل ويغوث ويعوق ونسرًا واللات والعزى ومناة. فإن جاد فهمه عرف أن المقامات المعبودة اليوم من البشر والشجر والحجر ونحوها مثل شمسان وإدريس وأبو حديدة ونحوهم، منها.
هذا ما أثمر به الجهل والغفلة والإعراض عن
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية: ٣١. ٢ في الدرر: (تجد) . ٣ في الدرر: (رئيسهم) . ٤ في الدرر: (تجدهم) . ٥ سورة البقرة آية: ١٦٥. ٦ سورة التوبة آية: ٢٤. ٧ سورة الجاثية آية: ٢٣.
[ ١٧٢ ]
تعلم دين الله ورسوله؛ ومع هذا يقول لكم شيطانكم المويس أن بنيات حرمة وعيالهم ١ يعرفون التوحيد فضلًا عن رجالهم، وأيضًا تعلم معنى "لا إله إلا الله" بدعة. فإن استغربت ذلك مني، فأحضر عندك جماعة، واسألهم عما يُسألون عنه في القبر، هل تراهم يعبرون عنه لفظًا وتعبيرًا؟ فكيف إذا طولبوا بالعلم والعمل؟
هذا ما أقول لك، فإن بان لك شيء من ذلك ارتعت روعة صدق على ما فاتك من العلم والعمل في دين الإسلام، أكبر من روعتك التي ذكرت في رسالتك من تجهيلنا جماعتك. ولكن هذا حق ٢، من أعرض عما جاء به رسول الله ﷺ من دين الإسلام، فكيف بمن له قريب من أربعين سنة يسب دين الله ورسوله، ويبغضه ويصد عنه مهما أمكن؟ فلما عجز عن التمرد في دينه الباطل، وقيل له: أجب عن دينك، وجادل دونه وانقطعت حجته، أقر أن هذا الذي عليه ابن عبد الوهاب أنه هو دين الله ورسوله، قيل له: فالذي عليه أهل حرمة؟ قال: هو دين الله ورسوله. كيف يجتمع هذا وهذا في قلب رجل واحد؟ فكيف بجماعات عديدة، بين الطائفتين من الاختلاف سنين عديدة ما هو معروف، حتى أن كلًا منهم شهر السيف دون دينه، واستمر الحرب مدة طويلة، وكل منهم يدعي صحة دينه ويطعن في دين الآخر؟ نعوذ بالله من سوء الفهم، وموت القلوب. أهل دينين مختلفين، وطائفتان يقتتلون كل منهم على صحة دينه، ومع هذا يتصور أن الكل دين صحيح يدخل من دان به الجنة؟! سبحانك هذا بهتان عظيم! فكيف والناقد
_________________
(١) ١ حرمة بلد: يعني أنّ البنات والصّبيان في بلدة "حرمة" يعرفون التّوحيد فلا يحتاج أحد إلى تعلّمه من العلماء. (المنار) . ٢ أي: (جزاء) (الدرر) .
[ ١٧٣ ]
بصير؟
فيا رجل! ألق سمعك لما فرض الله عليك، خصوصًا الشهادتين، وما تضمنتاه من النفي والإثبات، ولا تغتر باللفظ والفطرة، وما كان عليه أهل الزمان والمكان، فتهلك.
فاعلم: أن أهم ما فرض على العباد: معرفة أن الله رب كل شيء ومليكه، ومدبره بإرادته. فإذا عرفت هذا، فانظر ما حق مَن هذه صفاته عليك بالعبودية، بالمحبة والإجلال والتعظيم والخوف والرجاء والتأله المتضمن للذل والخضوع لأمره ونهيه، وذلك قبل فرض الصلاة والزكاة؛ ولذلك يعرّف عباده بتقرير ربوبيته ليرتقوا بها إلى معرفة إلهيته التي هي مجموع عبادته على مراده نفيًا وإثباتًا، علمًا وعملًا، جملة وتفصيلا.
(هذا آخر الرسالة، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم) .
[ ١٧٤ ]