ومنها رسالة أرسلها إلى إخوانه من أهل سدير، بسبب أمر جرى بين أهل الحوطة من بلدان سدير، قال فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من الإخوان. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، فيجري عندكم أمور تجري عندنا من سابق، وننصح إخوانًا إذا جرى منها شيء حتى فهموها؛ وسببها أن بعض أهل الدين ينكر منكرًا وهو مصيب، لكن يخطئ في تغليظ الأمر إلى شيء يوجب الفرقة بين الإخوان، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (١) الآية، وقال ﷺ: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاّه الله أمركم " (٢) . وأهل العلم يقولون: الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يحتاج إلى ثلاث: أن يعرف ما يأمر به وينهى عنه، ويكون رفيقًا فيما يأمر به وينهى عنه، صابرًا على ما جاء من الأذى.
وأنتم محتاجون للحرص على فهم هذا والعمل به؛ فإن الخلل إنما يدخل على صاحب الدين من قلة العمل بهذا أو قلة فهمه. وأيضًا، يذكر العلماء أن إنكار المنكر إذا صار يحصل بسببه افتراق، لم يجز إنكاره. فالله الله في العمل بما ذكرت لكم
_________________
(١) سورة آل عمران آية: ١٠٢-١٠٣.
(٢) مسلم: الأقضية (١٧١٥)، وأحمد (٢/٣٢٧، ٢/٣٦٠، ٢/٣٦٧)، ومالك: الجامع (١٨٦٣) .
[ ٢٩٦ ]
والتفقه فيه؛ فإنكم إن لم تفعلوا صار إنكاركم مضرة على الدين، والمسلم ما يسعى إلا في صلاح دينه ودنياه. وسبب هذه المقالة التي وقعت بين أهل الحوطة، لو صار أهل الدين واجبًا عليهم إنكار المنكر، فلما غلظوا الكلام صار فيه اختلاف بين أهل الدين، فصار فيه مضرة على الدين والدنيا. وهذا الكلام وإن كان قصيرًا فمعناه طويل، فلازم تأملوه وتفقهوا فيه واعملوا به؛ فإن عملتم به صار نصرًا للدين واستقام الأمر إن شاء الله.
والجامع لهذا كله: أنه إذا صدر المنكر من أمير أو غيره، أن يُنصح برفق خفية، ما يشترف أحد، فإن وافق وإلا استلحق عليه رجلًا يقبل منه يخفيه، فإن لم يفعل فيمكن الإنكار ظاهرًا، إلا إن كان على أمير ونصحه ولا وافق، واستلحق عليه ولا وافق، فيرفع الأمر يمّنا خفية. وهذا الكتاب كل أهل بلد ينسخون منه نسخة، ويجعلونها عندهم، ثم يرسلونه لحرمة والمجمعة ثم للغاط والزلفي. والله أعلم.
[ ٢٩٧ ]