-٤- الرسالة السادسة والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه من علماء الإسلام، أنس الله بهم غربة الدين، وأحيا بهم سنة إمام المتقين، ورسول رب العالمين؛ سلام عليكم معشر الإخوان، ورحمة الله وبركاته.
أما بعد، فإنه قد جرى عندنا فتنة عظيمة، بسبب أشياء نهيت عنها بعض العوام من العادات التي نشؤوا عليها، وأخذها الصغير عن الكبير، مثل عبادة غير الله وتوابع ذلك من تعظيم المشاهد، وبناء القباب على القبور وعبادتها واتخاذها مساجد، وغير ذلك مما بينه الله ورسوله غاية البيان، وأقام الحجة وقطع العذرة؛ ولكن الأمر كما قال ﷺ: " بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ " ١. فلما عظم العوام قطع عاداتهم، وساعدهم على إنكار دين الله بعض من يدعي العلم، وهو من أبعد الناس عنه - إذ العالم من يخشى الله -، فأرضى الناس بسخط الله، وفتح للعوام باب الشرك بالله، وزين لهم وصدهم عن إخلاص الدين لله، وأوهمهم أنه من تنقيص الأنبياء والصالحين، وهذا بعينه هو الذي جرى على رسول الله ﷺ لما ذكر أن عيسى، ﵇، عبد مربوب، ليس له من الأمر شيء، قالت النصارى: إنه سبَّ المسيح وأمه، وهكذا قالت الرافضة لمن عرف حقوق أصحاب رسول الله ﷺ وأحبهم، ولم يغلُ فيهم، رموه ببغض أهل بيت رسول الله ﷺ. وهكذا هؤلاء، لما ذكرت لهم ما ذكره الله ورسوله، وما ذكره أهل العلم من جميع الطوائف، من الأمر بإخلاص الدين لله، والنهي عن مشابهة
_________________
(١) ١ مسلم: الإيمان (١٤٥)، وابن ماجة: الفتن (٣٩٨٦)، وأحمد (٢/٣٨٩) .
[ ١٧٦ ]
أهل الكتاب من قبلنا في اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، قالوا لنا: تنقصتم الأنبياء والصالحين والأولياء. والله تعالى ناصر لدينه ولو كره المشركون.
وها أنا أذكر مستندي في ذلك، من كلام أهل العلم من جميع الطوائف؛ فرحم الله من تدبرها بعين البصيرة، ثم نصر الله ورسوله وكتابه ودينه، ولم تأخذه في ذلك لومة لائم.
فأما كلام الحنابلة: فقال الشيخ تقي الدين، ﵀، لما ذكر حديث الخوارج: فإذا كان في زمن النبي ﷺ وخلفائه ممن قد انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة، فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة قد يمرق أيضًا، وذلك بأمور، منها: الغلو الذي ذمه الله تعالى، كالغلوّ في بعض المشايخ كالشيخ عدي، بل الغلوّ في عليّ بن أبي طالب، بل الغلوّ في المسيح ونحوه. فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعًا من الإلهية، مثل أن يدعوه من دون الله بأن يقول: يا سيدي فلان أغثني! أو أجرني! أو أنت حسبي، أو أنا في حسبك، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل. فإن الله أرسل الرسل ليعبد وحده، لا يجعل معه إله آخر.
والذين يجعلون مع الله آلهة، أخرى مثل الملائكة أو المسيح أو العزير أو الصالحين أو غيرهم، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق وترزق، وإنما كانوا يدعونهم، يقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١، فبعث الله الرسل تنهى أن يدعى أحد من دون الله، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة. انتهى. وقال في الإقناع، في أول باب حكم المرتد، أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، فهو كافر إجماعًا.
وأما كلام الحنفية: فقال الشيخ قاسم في شرح درر البحار: النذر الذي
_________________
(١) ١ سورة يونس آية: ١٨.
[ ١٧٧ ]
يقع من أكثر العوام، بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلا: يا سيدي! إن ردَّ غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي، فلك من الذهب أو الطعام أو الشمع كذا وكذا، باطل إجماعًا، بوجوه، منها: أن النذر للمخلوق لا يجوز. ومنها: أنه ظن الميت يتصرف في الأمر، واعتقاد هذا كفر - إلى أن قال - وقد ابتلي الناس بذلك، ولا سيما في مولد الشيخ أحمد البدوي. وقال الإمام البزازي في فتاويه: إذا رأى رفض صوفية زماننا هذا في المساجد مختلطًا بهم جهال العوام، الذين لا يعرفون القرآن والحلال والحرام، بل لا يعرفون الإسلام والإيمان، لهم نهيق يشبه نهيق الحمير، يقول: هؤلاء لا محالة اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا. فويل للقضاة والحكام حيث لا يغيرون هذا مع قدرتهم.
وأما كلام الشافعية: فقال الإمام محدث الشام: أبو شامة، وهو في زمن الشارح وابن حمدان في كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث: لكن نبين من هذا ما وقع فيه جماعة من جهال العوام، النابذين لشريعة الإسلام، وهو ما يفعله الطوائف من المنتسبين إلى الفقر، الذي حقيقته الافتقار من الإيمان، من مؤاخاة النساء الأجانب، واعتقادهم في مشايخ لهم، وأطال ﵀ الكلام - إلى أن قال - وبهذه الطرق وأمثالها، كان مبادئ ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها. ومن هذا: ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدًا ممن شهر بالصلاح، ثم يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي ما بين عيون وشجر وحائط. وفي
[ ١٧٨ ]
مدينة دمشق، صانها الله، من ذلك مواضع متعددة. ثم ذكر، ﵀، الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ، لما قال له بعض من معه: اجعل لنا ذات أنواط، قال: " الله أكبر! قلتم، والذي نفس محمد بيده، كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ " ١. انتهى كلامه، ﵀. وقال: في اقتضاء الصراط المستقيم: إذا كان هذا كلامه ﷺ في مجرد قصد شجرة لتعليق الأسلحة والعكوف عندها، فكيف بما هو أعظم منها، الشرك بعينه بالقبور ونحوها؟
وأما كلام المالكية: فقال أبو بكر الطرطوشي في كتاب الحوادث والبدع، لما ذكر حديث الشجرة ذات أنواط: فانظروا، رحمكم الله، أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمون من شأنها، ويرجون البرء والشفاء لمرضاهم من قبلها، فهي ذات أنواط، فاقطعوها.
وذكر حديث العرباض بن سارية الصحيح، وفيه قوله ﷺ: " فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين! عضوا عليها بالنواجذ! وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل بدعة ضلالة " ٢. قال في البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: " والله ما أعرف من أمر محمد شيئًا إلا أنهم يصلون جميعًا ". وروى مالك في الموطإ عن بعض الصحابة أنه قال: " ما أعرف شيئًا مما أدركت عليه الناس، إلا النداء بالصلاة ". قال الزهري: دخلت على أنس بدمشق وهو يبكي فقال:؟ " ما أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة؛ وهذه الصلاة قد ضيعت ". قال الطرطوشي، ﵀: فانظروا، رحمكم الله، إذا كان في ذلك الزمن طمس
_________________
(١) ١ سنن الترمذي: كتاب الفتن (٢١٨٠)، ومسند أحمد (٥/٢١٨) . ٢ الترمذي: العلم (٢٦٧٦)، وأبو داود: السنة (٤٦٠٧)، وابن ماجة: المقدمة (٤٢)، وأحمد (٤/١٢٦)، والدارمي: المقدمة (٩٥) .
[ ١٧٩ ]
الحق، وظهر الباطل، حتى ما يعرف من الأمر القديم إلا القبلة، فما ظنك بزمانك هذا؟ والله المستعان.
وليعلم الواقف على هذا الكلام من أهل العلم، أعزهم الله، أن الكلام في مسألتين:
الأولى: أن الله سبحانه بعث محمدًا ﷺ لإخلاص الدين لله، لا يجعل معه أحد في العبادة والتأله، لا ملك ولا نبي، ولا قبر ولا حجر ولا شجر، ولا غير ذلك، وأن من عظم الصالحين بالشرك بالله فهو يشبه النصارى؛ وعيسى ﵇ بريء منهم.
والثانية: وجوب اتباع سنة رسول الله ﷺ، وترك البدع، وإن اشتهرت بين أكثر العوام؛ وليعلم أن العوام محتاجون إلى كلام أهل العلم من تحقيق هذه المسائل، ونقل كلام العلماء. فرحم الله من نصر الله ورسوله ودينه، ولم تأخذه في الله لومة لائم. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ١٨٠ ]