القاضي ﵀ ولد في بغداد وهي عاصمة الخلافة العباسية، ومن أعظم مدن الدنيا في ذلك الزمان.
وكان لولادته ونشأته في بغداد أكبر الأثر على تكوينه العلمى ونبوغه وحيازته لكثير من أنواع العلوم والمعارف.
ثم إن البيت الذي ولد فيه القاضي بيت علم وتدين، فوالده: أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الفراء كان صالحًا، أسند الحديث وأخذ الفقه عن أبي بكر الرازي، فكان فقيها على مذهب أبي حنيفة (^١).
وجده لأمه هو: عبيد الله بن عثمان بن يحيى أبو القاسم الدقاق، ويعرف بابن جنيقا، ويروي باللام لا بالنون: جليقا. قال عنه الخطيب "كان صحيح الكتاب، كثير السماع، ثبت الرواية" توفي عام ٣٩٠ هـ (^٢).
وكان سماع القاضي ﵀ للحديث متقدما حيث كان أول ابتداء سماعه للحديث عام ٣٨٥ هـ، كما حكى عن نفسه في الأمالي قال: "أخبرنا أبو الطيب عثمان بن عمرو بن المنتاب الإمام الشيخ العالم قراءة عليه سنة خمس وثمانين وثلاثمائة وهو أول شيخ سمعت منه الحديث. ." ثم ذكر سنده إلى النبي ﷺ وهو حديث "ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته (^٣) فابتداء تكوين القاضي ﵀ علميًا كان من نعومة أظفاره، وبعد وفاة
_________________
(١) ط. الحنابلة ٢/ ١٩٤، البداية والنهاية ١١/ ٣٦٥، تاريخ بغداد ٨/ ١٠٢.
(٢) ت. بغداد ١٠/ ٣٧٧، الأنساب للسمعاني ١٣٨/ ب، البداية والنهاية ١١/ ٣٦٥. وذكر ابن أبي يعلى في الطبقات أنه جد القاضي لأمه وذكر ذلك أيضًا ابن كثير.
(٣) أمالي القاضي أبي يعلى. مجموع رقم ١٥٢٠ يبتدئ من ورقة (٩ - ١٤) وموضع النقل المذكور ورقة ١١/ أ وما نقلته عن القاضي خلاف ما ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء من أن أول سماع للقاضي كان من علي بن معروف. أنظر سير أعلام النبلاء ١٨/ ٩٠.
[ ١٣ ]
والده عام ٣٩٠ هـ كان الوصي عليه رجل يعرف بالحربي يسكن بدار العز فنقله إليه، وكان جوار داره مسجد يصلي فيه شيخ صالح يعرف بابن مفرحة المقرئ يقرئ القرآن ويلقن من يقرأ عليه العبارات من مختصر الخرقي، فلقن القاضي العبادات، ولعل هذا كان ابتداء تحول القاضي ﵀ إلى دراسة المذهب الحنبلي لأن والده كان فقيها على مذهب الأحناف، ثم مضى القاضي ﵀ إلى الشيخ أبي عبد الله الحسن بن حامد وهو شيخ الحنابلة في وقته ومدرسهم وفقيههم، فلازمه إلى أن توفي ﵀.
وبعد وفاة الشيخ ابن حامد تولى القاضي التدريس نيابة عنه وذلك عام ٤٠٣ هـ فتكون بهذا مدة التحصيل والدراسة عند القاضي ما يقارب ١٧ عامًا وهي الفترة الواقعة بين عام ٣٨٥ هـ ابتداء سماع القاضي وعام ٤٠٣ هـ ابتداء جلوسه للتدريس.
ويدل على ضخامة ما حوى القاضي من علم في تلك الفترة أن الشيخ ابن حامد أنابه عنه في تدريس تلاميذه حين سفره إلى الحج عام ٤٠٢ هـ (^١) وأوكل إليه الجلوس على كرسيه والقيام بمهمته وهو شيخ الحنابلة في زمنه.