القاضي ﵀ كان ذا باع واسع في الفقه خاصة في مذهب أحمد ابن حنبل فكل من جاء بعده عالة عليه وعلى ترجيحاته بين أقوال الإمام أحمد وتخريجه للمسائل. وهذا ظاهر في مصنفات الحنابلة، سواء في الفقه أو الأصول. فهو بحق يعد إمامًا فيها، وقد شهد له بهذا القاصي والداني.
قال عنه ابنه أبو الحسين في الطبقات: "وكان له في الأصول والفروع القدم العالي" ثم قال: ". . . . وأصحاب الإمام أحمد له يتبعون ولتصانيفه يدرسون ويدرسون، وبقوله يفتون، وعليه يعولون. . ."، ثم قال: ". . . وقد شوهد له من الحال ما يغني عن المقال، لا سيما مذهب إمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل واختلاف الروايات عنه ومما صح لديه منه" (^٤).
وقال ابن الجوزي: "وكان إمامًا في الفقه له التصانيف الحسان الكثيرة في مذهب أحمد ودرس وأفتى سنين، وانتهت إليه رئاسة المذهب وانتشرت
_________________
(١) انظر ترجمته في ط. الحنابلة (٢/ ١٧٨)، ت. بغداد (٨/ ١٥)، البداية والنهاية (١١/ ٣٩٣).
(٢) تقدمت ترجمته ص ١٥.
(٣) انظر ترجمته في ت. بغداد (١١/ ٣٢٩) المنتظم (٨/ ٢٨)، العبر (٣/ ١٢٥).
(٤) طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٣.
[ ١٥ ]
تصانيفه وأصحابه، وجمع الإمامة والفقه والصدق وحسن الخلق والتعبد والتقشف والخشوع وحسن السمت عما لا يعني واتباع السلف" (^١).
وقال الذهبي: "صاحب التصانيف، وفقيه العصر، كان إمامًا لا يدرك قراره ولا يشق غباره". ثم قال: "وجميع الطائفة معترفون بفضله ومغترفون من بحره" (^٢).
وقال ابن كثير: "شيخ الحنابلة وممهّد مذهبهم في الفروع" (^٣).
ومن نظر في كتب الحنابلة المؤلفة، سواء في الففه أو الأصول، يدرك ما للقاضي من قيمة في المذهب حيث يقل أن تذكر مسألة إلا ويذكر ما للقاضي فيها من رأي.
ومن علوم القاضي ﵀ أيضًا علوم القرآن، فقد ذكر عنه غير واحد أنه حفظ القرآن وقرأه بالقراءات العشر وأجاد علوم القرآن وتفسيره (^٤).
وذكر د. محمد أبو فارس أن كثيرًا من تفسيره للقرآن مبثوث في "زاد المسير" لابن الجوزي وأورد على ذلك عدة أمثلة (^٥).
ومن العلوم التي شارك فيها: الحديث وعلومه.
قال أبو الحسين بن أبي يعلى: "هذا مع تقدمه في هذه البلدة على فقهاء زمانه بقراءته للقرآن بالقراءات العشر وكثرة سماعه للحديث وعلو إسناده في المرويات" (^٦).
ويوجد في الجامعة الإسلامية نسخة من إملاءاته وهي ستة مجالس آخرها
_________________
(١) المنتظم ٨/ ٢٤٤.
(٢) العير في خير من غير ٣/ ٢٤٣.
(٣) البداية والنهاية ١٢/ ١٠٢.
(٤) ط الحنابلة ٢/ ٢٠٠، ٢٠٦، سير أعلام النبلاء ١٨/ ٩٠.
(٥) القاضي أبو يعلى وكتابه الأحكام السلطانية ص ١٠٩ وما بعدها. . .
(٦) ط. الحنابلة ٢/ ٢٠٠.
[ ١٦ ]
إملاء كان يوم الجمعة بعد الصلاة من المحرم سنة ثمان وخمسين وأربعمائة.
وقال راوي هذه الأمالي الشيخ أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد الأنصاري: "إن هذا المجلس آخر المجالس التي أملاها ﵀ (^١).
وكان ﵀ يملي الحديث بجامع المنصور يوم الجمعة على كرسي عبد الله بن الإمام أحمد وكان يحضر مجلسه للسماع والكتابة الخلق الكثير.