على ثلاثة مذاهب: فكان شيخنا أبو عبد الله يقول هذا غير مخلوق في الجملة (^٣)، وهو ظاهر كلام الخلال وصاحبه أبو بكر عبد العزيز (^٤)، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية المروذي، وقيل له: ها هنا رجل قد تكلم في
_________________
(١) يقصد قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى آية (٥١)].
(٢) مسألة حروف المعجم من جنس المسألة السابقة وهي مسألة اللفظ: فمن نظر إلى حقيقة الحروف وأن الله تكلم بها وأن كلامه غير مخلوق قال إن الحروف واحدة، وقد تكلم الله بها فلا تكون مخلوقة، ومن نظر إلى أن الحروف تبع لمن تكلم بها فإنهم يقولون الحرف حرفان، ويفرقون بين الحروف التي تكلم الله بها والحروف التي يتكلم بها الخلق، فعليه يقولون إن حروف المعجم التي ينطق بها الناس مخلوقة، والصواب من ذلك التفريق فأصل الحروف التي تكلم الله بها وهي من جنس حروفنا وهي الحروف التي نزل بها القرآن والمقصود بها كلامه ليس مخلوقًا، والحروف التي يتكلم بها الناس وليست كلمات القرآن فهي مخلوقة لأن أفعالهم وأقوالهم وحركاتهم كلها مخلوقة. انظر مجموع الفتاوي (١٢/ ٤٢١ - ٤٦٣)، مختصر الصواعق (٢/ ٣٠٤).
(٣) وهذا وفق قوله السابق في اللفظ بالقرآن بأنه غير مخلوق. انظر ص ٧٨.
(٤) عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد بن معروف أبو بكر المعروف بغلام الخلال، الفقيه الحنبلي أحد مشاهير الحنابلة، توفي سنة ٣٦٣ هـ. تاريخ بغداد (١٠/ ٤٥٩)، طبقات الحنابلة (٢/ ١١٩).
[ ٨٣ ]
ذلك الجانب، وقال: أعرضوا كلامي على أبي عبد الله، فذكر في رقعة أشياء منها:
أن صلاتنا وإيماننا مخلوق على الحركة والفعل لا على القول فرمى أحمد بالرقعة وغضب، ثم قال: "هذا أهل أن يحذر هذا كلام جهم، إذا قال الإيمان مخلوق فإيش بقي الذي يقول الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله، ولا إله إلا الله مخلوق" (^١) فقد أنكر القول بالخلق في الجملة.
وحكي عن أبي الحسن التميمي أنه كان يقول: الإيمان يشتمل على قول وعمل، فالقول منه غير مخلوق، وهو القرآن وأسماؤه وذكره، والفعل منه مخلوق كإماطة الأذى، وعيادة المرضى، والحركات بالركوع، والسجود ونحو ذلك.
وقال أبو إسحاق بن شاقلا (^٢) فيما وجدته معلقًا بخطه مرات في كتاب السنة جمع أبي بكر الخلال: أخبرني محمد بن العباس (^٣) قال سمعت أبا بكر بن صدقة (^٤) يقول:
"من قال الإيمان مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو
_________________
(١) لم أقف على هذه الرواية وقد ذكر ابن أبي يعلى في الطبقات عن أبي طالب أن الإمام أحمد قال في الإيمان: من قال إنه مخلوق فهو جهمي، ومن قال إنه غير مخلوق فقد ابتدع وأنه يهجر حتى يرجع". طبقات الحنابلة (١/ ١٧٦) وقال في الطبقات عن إبراهيم بن الحكم القصار أنه قال: سئل الإمام أحمد عن الإيمان أمخلوق أم لا قال: ما كان من مسموع فهو غير مخلوق، وأما ما كان من عمل الجوارح فهو مخلوق". طبقات الحنابلة (١/ ٩٤).
(٢) إبراهيم بن أحمد بن عمر بن شاقلا أبو إسحاق قال الخطيب أحد شيوخ الحنابلة. توفي سنة ٣٦٩ هـ. تاريخ بغداد (٦/ ١٧)، ط الحنابلة (٢/ ١٢٨).
(٣) لم يتبين لي من هو.
(٤) أحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة أبو بكر الحافظ قال الدارقطني ثقة. توفي سنة ٢٩٣ هـ. تاريخ بغداد (٥/ ٤٠).
[ ٨٤ ]
مبتدع" (^١) قال أبو إسحاق: قلت أنا: فلا جائز أن يقال إنه مخلوق لأن النبي ﷺ قال: "الإيمان: شهادة أن لا إله إلا الله" (^٢) والصلاة من الإيمان وفيها القرآن فيكون قائل ذلك كافرًا، ولا جائز أن يقال: إنه غير مخلوق، لأن رسول الله ﷺ قال: "وأدناه إماطة الأذى عن الطريق" (^٣)، ومن قال إماطة الأذى عن الطريق غير مخلوق فقد زعم أن أفعال العباد غير مخلوقة، وقائل ذلك كافر، فلا جائز أن يقال مخلوق ولا غير مخلوق، ولأنه لم يقله أهل العلم قبلنا.
فقد صرح بالقول بخلق الأفعال ونفي الخلق عن الأقوال، إلا أنه توقف على إطلاق القول بالخلق في الجملة والتفصيل.
وجه من نفى الخلق في الجملة (^٤) أن قال: أكثر ما في ذلك أن هذه الحركات والأفعال موجودة بوجودي ومعدومة بعدمي، وهذا لا يمنع نفي الخلق بدليل صوتي بالقرآن وحركات لساني وكذلك كتابتي للقرآن ذلك الصوت وذلك المكتوب غير مخلوق، وإن كان كسبًا لي وفعلًا أثاب عليه، كذلك ههنا.
ووجه الثاني في التفصيل (^٥) أن قال: القرآن والأسماء (^٦) وقد دل الدليل على نفي الخلق في هذه الأشياء، أما الأفعال فهي موجودة بوجودي ومعدومة بعدمي وليس كذلك قراءتي للقرآن وكتابتي له، لأنني إذا قرأت فأنا أقرأ شيئًا قديمًا (^٧) تكلم الله به قبل خلقي وخلق الأشياء، وكذلك إذا كتبت
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) لعله يقصد حديث وفد عبد القيس وفيه: "أتدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله … " الحديث أخرجه خ. في الإيمان (١/ ١٦)، م. في الإيمان (١/ ٤٦) من حديث ابن عباس ﵁.
(٣) أخرجه م. الإيمان (١/ ٦٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) وهو قول الشيخ أبي عبد الله الحسن بن حامد.
(٥) وهو القول المحكي عن أبي الحسن التميمي.
(٦) أي أسماء الله ﷿.
(٧) هذا القول بأن "القرآن قديم" قول غير صحيح وهو مذهب القاضي، وهو قول أبي عبد الله بن =
[ ٨٥ ]
المعنى معدوم في غيره من (سائر الأشياء) (^١).
ووجه من وقف قال: لأن هذا الإطلاق بنفي الخلق فيه ولا يجوز، لأنه يدخل في ذلك الفعل، وذلك الفعل محدث بحدثي ولا يجوز إطلاق القول بالخلق، لأنه يدخل فيه القرآن وذلك قديم، ولا يمكن التفصيل لأنه قول محدث لم يتقدم القول فيه من التابعين ولا من بعدهم، فلم يجز إحداث قول يخالف السلف (^٢).