قال أحمد في رواية المروذي وعلي بن سعيد (^٣) والأثرم: لما مرض النبي ﷺ قدَّم أبا بكر ليصلي بالناس (^٤) وقد كان في القوم من هو أقرأ من
_________________
(١) = حامد وابن عقيل وابن الزاغوني، وهو مبني على قولهم إن الله متكلم في الأزل، ولا يعلقون الكلام بالمشيئة والاختيار. انظر مختصر المعتمد في أصول الدين ص ٨٦، إبطال التأويلات ورقة (١٣٥/ أ - ب) وهو قول باطل غير صحيح، فإن السلف يثبتون أن الله يتكلم متى شاء كيف شاء وأن القرآن تكلم الله به في الوقت الذي شاء، وانظر درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٧٧)، مجموع الفتاوى (٦/ ١٧٨ - ١٧٩).
(٢) ما بين القوسين غير ظاهر وهكذا أمكن قراءتها.
(٣) هذا القول الأخير هو الذي نصره القاضي في مختصر المعتمد ص ١٩١ وهذه المسألة من جنس مسألة اللفظ بالقرآن لها وجهان أحدهما: يتعلق بما هو من الإيمان مثل كلام الله ﷿ وأسمائه فذلك غير مخلوق. وثانيهما: ما كان من الإيمان وهو متعلق بفعل العبد سواء كان ذلك قوله أو فعله فصوت العبد وكتابته وحركة جوارحه كل ذلك مخلوق على ما سبق بيانه في مسألة اللفظ، فالتفصيل في ذلك هو الراجح.
(٤) علي بن سعيد بن جرير النسوي، قال الخلال: كبير القدر صاحب حديث كان يناظر أبا عبد الله مناظرة شافية. طبقات الحنابلة (١/ ٣٢٤).
(٥) وذلك قوله ﷺ في حديث عائشة "مروا أبا بكر فليصل بالناس" أخرجه خ. كتاب الأذان (ب. أهل العلم والفضل أحق بالإمامة) (١/ ١١٣)، م. كتاب الصلاة (ب استخلاف الإمام ..) (١/ ٣١١).
[ ٨٦ ]
أبي بكر وإنما أراد بها الخلافة (^١)، فظاهر هذا من كلامه أنها بالنص الخفي والإشارة (^٢).
وحكى شيخنا أبو عبد الله في ذلك اختلافًا بين أصحابنا منهم من قال: بالنص (^٣)، ومنهم من قال بالاختيار (^٤).
فوجه من قال بالنص الخفي والإشارة ما احتج به أحمد من تقديمه له
_________________
(١) أخرج هذه الروايات عن الإمام أحمد الخلال في السنة (١/ ٣٠١).
(٢) ذكره القاضي أيضًا في مختصر المعتمد في أصول الدين ص (٢٢٦) وجعلها رواية عن الإمام أحمد، كما عزاها إلى الحسن البصري.
(٣) النص إما خفي أو جلي والنص الخفي ذكره القاضي رواية عن الإمام أحمد، وممن قال بأنها بالنص الجلي معاوية بن قرة وأبو عبد الله بن حامد وهو صريح قول ابن حزم وظاهر قول شارح الطحاوية، انظر الفصل في الملل والنحل (٤/ ١٠٧)، شرح الطحاوية ص (٥٢٢)، منهاج السنة النبوية (١/ ٤٨٨).
(٤) هذا قول أكثر العلماء أنها ثبتت بالاختيار من الصحابة له، وهو قول القاضي أبي يعلى وعزاه شيخ الإسلام إلى جمهور العلماء والفقهاء وأهل الحديث والمتكلمين كالمعتزلة والأشعرية وغيرهم، مجموع الفتاوى (٣٥/ ٤٧)، مختصر المعتمد ص (٢٢٣). وشيخ الإسلام أفاد قولًا فيه الجمع في المسألة حيث قال: والتحقيق أن النبي ﷺ دل المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقواله وأفعاله، وأخبر بخلافته إخبار راض بذلك حامد له، وعزم على أن يكتب بذلك عهدًا ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك … ثم قال: فخلافة أبي بكر الصديق ﵁ دلت النصوص الصحيحة على صحتها ورضا الله ورسوله ﷺ له بها، وانعقدت بمبايعة المسلمين واختيارهم له اختيارًا استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله بهذا الأمر عند الله ورسوله، فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعًا، لكن النص دل على رضا الله ورسوله بها وأنها حق وأن الله أمر بها وقدرها، وأن المؤمنين يختارونها، وكان هذا أبلغ من مجرد العهد بها. منهاج السنة النبوية (١٠/ ٥١٦ - ٥٢٤) فشيخ الإسلام يرى أنها ثابتة بالإشارة والإعلام من الله ورسوله ومنعقدة بالاختيار من الصحابة.
[ ٨٧ ]
بالصلاة وذلك أن النبي ﷺ قال: "عماد الدين الصلاة" (^١) ورأيناه أقام أبا بكر في الصلاة مقامًا نبه الأمة إلى من يقوم مقامه، فنبههم على فضله وأنه أحقهم بالخلافة بعده فيما هو دون الصلاة، وفهم الصحابة عن النبي ﷺ ذلك، ألا ترى أنهم احتجوا عليه حين قال لهم أقيلوني فقالوا: لا نقيلك رضيك رسول الله ﷺ لديننا أفلا نرضاك لدنيانا" (^٢).
وروى عطاء الخراساني (^٣) عن النبي ﷺ أنه قال: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن [أخي] (^٤) في ديني وصاحبي الذي أوجب له
_________________
(١) وذلك قوله ﷺ في حديث معاذ بن جبل ﵁: "رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد". أخرجه حم (٥/ ٢٣١، ٢٣٧)، ت في الإيمان (٥/ ١٢) وقال: حديث حسن صحيح.
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وإنما أخرج الإمام أحمد في فضائل الصحابة (١/ ١٣٢) عن أبي الجحاف من طريقين قال: لما بويع أبو بكر فبايعه علي وأصحابه قام ثلاثًا يستقيل الناس يقول: أيها الناس قد أقلتكم بيعتكم هل من كاره؟ قال فيقوم علي في أوائل الناس فيقول: والله لا نقيلك ولا نستقيلك أبدًا قدمك رسول الله ﷺ تصلي بالناس فمن ذا يؤخرك". كما أخرجه الخلال في السنة (١/ ٣٠٤) من طريق واحد وهي رواية منقطعة لأن أبا الجحاف لم يلق أبا بكر ﵁ ولا علي بن أبي طالب ﵁، وأبو الجحاف هو داود بن أبي عوف التميمي البرجمي مولاهم الكوفي، وثقه الإمام أحمد وابن معين وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عدي: ليس هو عندي ممن يحتج به شيعي عامة ما يرويه في فضائل أهل البيت، وقال العقيلي: كان من غلاة الشيعة، وقال الأزدي: زائغ ضعيف. انظر: ميزان الاعتدال (٢/ ١٨)، تهذيب التهذيب (٣/ ١٩٦) أما قوله: "رضيك رسول الله ﷺ لديننا أفلا نرضاك لدنيانا" فقد رواه الخلال في السنة (١/ ٢٧٤) عن علي ﵁ قال: "لما قبض النبي ﷺ نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي ﷺ قدم أبا بكر في الصلاة فرضينا لدنيانا ما رضي رسول الله ﷺ لديننا فقدمنا أبا بكر ﵀". وفي إسناده أبو بكر الهذلي قال في التقريب ص (٣٩٧) إخباري متروك توفي سنة ١٦٧ هـ.
(٣) عطاء بن أبي مسلم أبو عثمان الخراساني صدوق يهم كثيرًا ويرسل ويدلس، توفي سنة ١٣٥ هـ لم يصح أن البخاري أخرج له. التقريب ص (٢٣٩).
(٤) هكذا أمكن قراءتها مع عدم وضوحها.
[ ٨٨ ]
صحبتي في الغار وخليفتي في أمتي وقد توكل الله لي به فهو معي" (^١).
وروي عن العباس قال، قال رسول الله ﷺ: "إن أبا بكر خليفتي على دين الله اسمعوا له تصلحوا وأطيعوه ترشدوا" (^٢)، وروي "أن النبي ﷺ أتى بفرس فركبه ثم قال: يركبه الخليفة من بعدي فركبه أبو بكر" (^٣).
وروى سفينة "أن النبي ﷺ لما بنى مسجده وضع حجرًا ثم قال: لأبي بكر ضع حجرًا إلى جنب حجري، ثم قال لعمر: ضع حجرًا إلى جنب حجر أبي بكر، ثم قال: هؤلاء الخليفتان (^٤) بعدي" (^٥).
وروي أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ في شيء فأمرها بالرجوع إليه فقالت: إن رجعت فلم أجدك -تعرض له بالموت- قال: "إيت أبا بكر فإنه خليفتي في أمتي" (^٦).
_________________
(١) لم أقف على هذه الرواية بهذا النص وفي الصحيحين الجزء الأول منه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعًا: "لو كنت متخذ خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكنه أخي وصاحبى، وقد اتخذ الله ﷿ صاحبكم خليلًا". خ. فضائل الصحابة (٥/ ٤)، م. فضائل الصحابة (ب فضائل أبي بكر (٤/ ٨٥٥).
(٢) أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٣١٥) وقال: هذا حديث لا يصح ومدار الطريقين على عمر بن إبراهيم وهو الكردي قال الدارقطني: كان كذابًا يضع الحديث.
(٣) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٣١٩) وقال حديث موضوع.
(٤) هكذا في المخطوط وعند ابن عدي أنه أضاف إليهم عثمان وقال: هؤلاء الخلفاء من بعدي.
(٥) أخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ٨٤٦) من طريق حشرج بن نباتة عن سعيد بن جهمان عن سفينة، وذكر ابن عدي أن البخاري أنكر هذا الحديث على حشرج، كما أخرجه ابن عاصم في السنة (٢/ ٥٥٠) وذكر له ابن عدي إسنادًا آخر من طريق محمد بن الفضل بن عطية عن زياد بن علاقة عن قطبة بن مالك"، ومحمد بن الفضل ذكره في التقريب ص (٣١٥) وقال: "كذبوه" وعزاه الهيثمي إلى أبي يعلى من رواية العوام بن حوشب عمن حدثه عن عائشة، قال: ورجاله رجال الصحيح غير التابعي فإنه لم يسم، كما ذكره الهيثمي من رواية جرير، وقال: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه مجمع الزوائد (٥/ ١٧٦ - ١٧٨).
(٦) أخرج الحديث خ. في فضائل الصحابة (ب لو كنت متخذًا خليلًا ..) (٥/ ٥)، م. فضائل =
[ ٨٩ ]
وروي أن أعرابيًا قدم المدينة بقلاص فابتاعها النبي ﷺ منه إلى أجل فقال: يا رسول الله: إن حدث بك حدث فمن يقضنا بعدك قال: "أبو بكر" (^١).
وروي: أن بني المصطلق بعثوا رجلًا إلى النبي ﷺ يسأله من يلي صدقاتهم بعده (^٢) فقال له النبي ﷺ: "أبو بكر" (^٣).
وأيضًا قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم آية (٣)] أنه قال لحفصة: "الإمام بعدي أبو بكر ثم أبوك" (^٤).
ووجه من أبطل النص أن قال: الإمامة أمر عظيم فيه تفضيل كبير لا سيما إذا كان خلافة النبوة، فالدواعي تتوفر على ما جرى هذا المجرى فيجب أن يكون مستفيضًا غالبًا على كتمانه، وأن يكون الخبر فيه متواترًا شائعًا يعرفه العوام فضلًا عمن عرف السنن والأخبار، ولو كانت هذه حال النص لاضطرنا إليه، ولامتنع التشاجر والاختلاف، ولأنه لو كان النص عليه لم
_________________
(١) = الصحابة (ب فضائل أبي بكر (٤/ ١٨٥٦) من حديث جبير بن مطعم ﵁ بدون قوله "فإنه خليفتي من بعدي" حيث لم أقف عليها.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ ١٨٠) عن عصمة بن مالك قال الهيثمي: وفيه الفضل بن المختار وهو ضعيف. مجمع الزوائد (٥/ ١٧٩) وعزاه الحافظ في الفتح إلى الإسماعيلي في معجمه وقال: إسناده ضعيف. فتح الباري (٧/ ٢٤).
(٣) في المخطوط كلمة لم أتمكن من قراءاتها.
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ ١٨٠) من حديث عصمة بن مالك ﵁ إلا أنه قال فيه "قدم رجل من خزاعة .. " وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٧٩) وفيه الفضل بن المختار وهو ضعيف جدًا.
(٥) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ١١٧) من حديث ابن عباس ﵁، قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه إسماعيل بن عمرو البجلي وهو ضعيف، وقد وثقه ابن حبان، والضحاك بن مزاحم لم يسمع من ابن عباس ﵁. مجمع الزوائد (٥/ ١٧٨).
[ ٩٠ ]
يجز أن يقول لعمر: "ابسط يدك أبايعك" (^١)، وأيضًا قول عمر: "إن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله ﷺ وإن استخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر" (^٢).