قال حنبل: سمعت هارون الحمال (^٥) يقول لأبي عبد الله: كنا عند سفيان بن عيينة (^٦) بمكة فحدثنا أن النبي ﷺ قال: "لا تسبوا الدهر فإن
_________________
(١) = دلت الأدلة السابقة قابلة للانحراف بسبب مؤثرات عديدة وهي الشياطين والأبوان والمجتمع وكذلك الغفلة، فتحتاج بعد انطماسها إلى نظر واستدلال وتوفيق من الرحمن لانبعاثها مرة أخرى والله أعلم.
(٢) مراده بالمعرفة هنا العلم.
(٣) أخرجه الخلال في السنة (١/ ٥٨٠).
(٤) أخرجه الخلال في السنة (١/ ٥٨٠) ونص الرواية "قلت لأبي عبد الله في معرفة الله ﷿ في القلب يتفاضل فيه؟ قال: نعم، قلت: ويزيد؟ قال: نعم".
(٥) أخرجه: خ. تفسير سورة الجاثية. انظر فتح الباري (٨/ ٥٦٤)، م. الألفاظ (٤/ ١٧٦٢) عن أبي هريرة واللفظ لمسلم، حم (٢/ ٢٧٢).
(٦) هارون بن عبد الله بن مروان البغدادي الحمال البزاز، ثقة توفي ٢٤٣ هـ. التقريب ص ٣٦١.
(٧) سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي ثقة حافظ فقيه إمام حجة توفي في رجب سنة ١٩٨ هـ. التقريب ص ١٢٩.
[ ٧٢ ]
الله هو الدهر" فقام فتح بن سهل (^١) فقال يا أبا محمد تقول يا دهر ارزقنا (^٢)؟!!! فقال سفيان: خذوه هذا جهمي.
قال أبو عبد الله: "القوم يردون الآثار عن رسول الله ﷺ، ونحن نؤمن بها ونصدق بها ولا نرد على رسول الله ﷺ، قوله" (^٣).
فظاهر كلامه أنه أخذ بظاهر الحديث، وأن هذه الصفة تطلق على الله تعالى (^٤). قال شيخنا أبو عبد الله (^٥): لا يجوز إطلاق هذه الصفة على الله فقد قال بشر بن موسى (^٦): "سألت أبا عبد الله أحمد عن الدهر: فلم يجبني فيه بشيء"، فظاهر هذا أنه لم يأخذ بظاهر الخبر في مطلق هذه التسمية، ولفظ الحديث ما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تسبوا الدهر فإن الله يقول أنا الدهر لي الليل والنهار أجدده وأبليه، أذهب بملوك وآتى بملوك" (^٧).
وروى الميموني (^٨) قال: ثنا القعنبي (^٩)، عن مالك (^١٠) عن أبي الزناد (^١١)
_________________
(١) لم أقف له على ترجمة.
(٢) كأن الرجل أراد الاستهزاء بأن يسمي الله (دهرًا) ويدعوه بهذا الاسم.
(٣) ذكره في إبطال التأويلات ورقة ١٠٧ - أ.
(٤) ذكر القاضي في إبطال التأويلات (١٠٧/ أ) بعد أن ذكر الوجه المذكور هنا ووجهًا آخر وهو قوله "ويحتمل أن يكون قوله: نحن نؤمن بها، راجع إلى أخبار الصفات في الجملة ولم يرجع إلى هذا الحديث خاصة" قلت: هذا الوجه هو الأوجه.
(٥) يقصد الشيخ أبا عبد الله الحسن بن حامد.
(٦) بشر بن موسى بن صالح بن شيخ بن عميرة أبو علي الأسدي البغدادي كان ثقة دينًا عاقلًا ذكيًا توفي سنة ٢٨٨ هـ. طبقات الحنابلة (١/ ١٢١).
(٧) أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد في المسند (٢/ ٤٩٦)، وقال الحافظ في الفتح (١٠/ ٥٦٥): سنده صحيح.
(٨) عبد الملك بن عبد الحميد بن ميمون بن مهران الجزري ثم الرقي أبو الحسن الميموني ثقة فاضل، لازم أحمد أكثر من عشرين سنة توفي سنة ٢٤٧ هـ. التقريب ص (٢١٩).
(٩) عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي الحارثي أبو عبد الرحمن ثقة عابد توفي سنة ٢٢١ هـ. التقريب ص (١٨٩).
(١٠) مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد الله المدني الفقيه، إمام دار الهجرة رأس المتقين وكبير المثبتين توفي سنة ١٧٩ هـ. التقريب ص (٣٢٦).
(١١) عبد الله بن ذكوان القرشي أبو عبد الرحمن المدني المعروت بأبي الزناد ثقة فقيه توفي سنة ١٣٠ هـ وقيل بعدها. التقريب ص (١٧٣).
[ ٧٣ ]
عن الأعرج (^١) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر" (^٢) وقوله: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر".
قال أبو بكر الخلال: سألت إبراهيم الحربي (^٣) عن قول النبي ﷺ "لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر"، وقوله "لا تسبوا الدهر" قال: "الله هو الدهر" فقال: كانت الجاهلية تقول الدهر: هو الليل والنهار، ويقولون: الليل والنهار يفعل بنا كذا، قال الله تعالى: أنا أفعل ليس الدهر فقال النبي ﷺ: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" قال: وأنشدني هذا البيت:
فإن تكن الأيام أحسن مرة … إليَّ فقد عادت لهن ذنوب
فجعل الإحسان للأيام وأنشد أيضًا:
رابنا يا مسروق -دمت- فراقنا على … حين شاب الرأس واحد ودب الظهر
فألقى علي الدهر رجلا وكلكلًا (^٤) … فأصبحت أشكو اليوم ما فعل الدهر
فجعل الليل والنهار رأسًا ورجلًا، وإنما هذا كله من الله والليل والنهار لا يفعلان شيئًا (^٥).
_________________
(١) عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أبو داود المدني ثقة ثبت عالم توفي سنة ١١٧ هـ. التقريب ص (٢١١).
(٢) أخرجه م. الألفاظ (٤/ ١٧٦٢).
(٣) إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم أبو إسحاق الحربي كان إمامًا في العلم رأسًا في الزهد عارفًا بالفقه. قال الدارقطني: كان إمامًا وكان يقاس بأحمد بن حنبل في علمه وزهده وورعه. توفي سنة ٢٥٨ هـ. طبقات الحنابلة (١/ ٨٦).
(٤) قال في القاموس: والكلكل والكلكال: الصدر أو ما بين الترقوتين أو باطن الزور. القاموس المحيط ص (١٣٦٢).
(٥) ذكره القاضى في إبطال التأويلات ورقة (١٠٧/ ب)، وهذا هو الصحيح، وهو أن الله لا يجوز أن يسمى دهرًا، وإنما معنى ذلك أن الله هو الذي يقدر ما يقع في الليل والنهار وهذا هو الدهر فمن سب الدهر فقد سب من قدَّر ذلك وهو الله ﷿. وانظر بيان تلبيس الجهمية ١/ ١٢٥، ومجموع الفتاوى ٢/ ٤٩٢، غريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ١٤٥).
[ ٧٤ ]