قال شيخنا أبو عبد الله: من أصحابنا من يقول تقع موهبة من الله تعالى بغير نظر ولا استدلال. وهذا القائل يقول كما أخبر الله سبحانه عن عيسى ﵇ وقوله في المهد ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم آية (٣٠)] ولم يكن من أهل النظر والاستدلال، كما استخرج الذرية من ظهر آدم ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف آية (١٧٢)] ولم يكونوا من أهل النظر والاستدلال.
وقال الشيخ أبو عبد الله: المذهب أنها تقع بالاستدلال، وقد أومأ أحمد
_________________
(١) ذكره القاضي في إبطال التأويلات (١/ ١٩٣)، وابن أبي يعلى في الطبقات (١/ ١٨٨، ٢١٨).
(٢) الحسن بن ناصح الخلال نزيل كرخ سر من رأى قال الخطيب: قال عبد الرحمن بن أبي حاتم أدركته ولم أكتب عنه وكان صدوقًا. تاريخ بغداد (٧/ ٤٣٥).
(٣) ذكره القاضي في إبطال التأويلات بهذا الإسناد (١/ ١٣٣) كما ذكره الدارمي في الرد على بشر المريسي ص ١٦٣ وأخرجه الخطيب في تاريخه (١١/ ٢١٤) وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٢٢) وابن عدي في الكامل (٢/ ٦٧٧) كلهم من طريق حماد بن سلمة به. قال الخطيب: قال عفان: سمعت حماد بن سلمة سئل عن هذا الحديث فقال: دعوه حدثني به قتادة، وما في البيت غيري وغير آخر. ورواة هذا الحديث ثقاة إلا أن قتادة مدلس فهذه علة قادحة مع نكارته واضطراب ألفاظه، فقد روى من طرق كلها عن حماد عن قتادة به وفيها اختلاف، منها الرواية المذكورة هنا وفي رواية أخرى "رأيت ربي ﷿ في حلة خضراء وفي صورة شاب عليه تاج يلمع منه البصر" وفي رواية "جعدًا أمرد" وفي رواية "عليه حلة حمراء" وفي رواية "دخلت على ربي في جنة عدن شاب جعد في ثوبين أخضرين" فهذا الاختلاف والاضطراب مما يدل على عدم صحته، مع ما في لفظه من النكارة، وقد استنكره الدارمي في الرد على بشر المريسي كما استنكره ابن الجوزي في العلل المتناهية، كما أن كلام حماد لعفان الذي رواه الخطيب عنه يشير إلى أن حماد يستنكره وبين أنه من حديث قتادة، وقتادة مدلس وقد عنعنه وهذه علة قادحة والله أعلم.
[ ٧٠ ]
إلى هذا في رواية حمدان بن علي فقال: المرجئة تقول: إذا عرف ربه بقلبه وإن لم تعمل جوارحه وهذا كفر، إبليس قد عرف ربه فقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر آية (٣٩)] (^١). فقد نص على حصول المعرفة لإبليس، ولو كانت موهبة لم تحصل له لأنه كافر.
والوجه في ذلك أن الله تعالى أجرى العادة بذلك، بحصول المعرفة عند النظر والاستدلال والتفكر، كما أجرى العادة بحصول الطعم عقيب الذوق والسمع عقيب الاستماع، ولا يجوز أن يقال: إن الطعم يحصل بغير ذوق ولا استماع (^٢)، ولأن الله تعالى حث على النظر والاستدلال فلولا أن العلم يقع لم يكن به فائدة، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية آية (١٧)] وقال ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف آية (١٨٤)] وقال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق آية (٥)] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ (^٣) الآية [الحج آية (٥)].
_________________
(١) الرواية هنا مختصرة وهي عند الخلال هكذا "سألت أحمد وذكر عنده المرجئة فقلت له: إنهم يقولون إذا عرف الرجل ربه بقلبه فهو مؤمن، فقال: المرجئة لا تقول هذا بل الجهمية تقول بهذا، المرجئة تقول: حتى يتكلم بلسانه وتعمل جوارحه، والجهمية تقول: إذا عرف ربه بقلبه وإن لم تعمل جوارحه، وهذا كفر، إبليس قد عرفه ربه". السنة للخلال (١/ ٥٧١) ومعنى قوله "حتى يتكلم بلسانه وتعمل جوارحه" أنهم يقصدون أن قول اللسان هو عمل الجوارح الواجب فقط.
(٢) هكذا في المخطوط وصوابها "والسمع بلا استماع".
(٣) مما لا شك فيه أن معرفة الله ﷿ تحصل بالنظر والاستدلال معرفة تدل على وجود الخالق والصانع، وأن له صفات كمال وجلال، ولكن قد دل الدليل أيضًا على وجود معرفة سابقة وهي موهبة من الله ﷿، ألا وهي الفطرة. ومن هذه الأدلة قوله ﷿ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف آية ١٧٢]. وقوله ﷿ ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم آية ٢٠]، وحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". أخرجه: خ. الأنبياء (٤/ ١١٦)، م. المنافقين (٤/ ٢١٦٠) وحديث عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته:."ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم … ". م. ك الجنة (٤/ ٢١٩٧)، حم (٤/ ١٦٢) فهذه الأدلة تدل على أن الله قد غرز في الإنسان معرفته، إلا أن هذه الفطرة وكما =
[ ٧١ ]