فنقل مهنا (^٣) وابن القاسم (^٤) أنه سأل أحمد عن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان (^٥) فقال: هو الذي فعل بالمدينة (^٦) ما فعل، قتل فيها من أصحاب رسول الله ﷺ (^٧) ونهبها (^٨). قال له: أفنذكر عنه الحديث؟ قال: لا يذكر
_________________
(١) أخرجه حم (١/ ٥٦) من حديث ابن عباس ﵁ وفيه أن أبا بكر قال للأنصار "وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أيهما شئتم وأخذ بيدي -يعني عمر بن الخطاب- وبيد أبي عبيدة بن الجراح".
(٢) أخرجه م. الإمارة (ب الاستخلاف وتركه (٣/ ١٤٥٤) من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) مهنا بن يحيى الشامي أبو عبد الله. قال الخلال: من كبار أصحاب أبي عبد الله وكان أبو عبد الله يكرمه ويعرف له حق الصحبة. طبقات الحنابلة (١/ ٣٤٥).
(٤) ابن القاسم لم يتبين لي من هو.
(٥) يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي أمير المؤمنين ولد سنة ٢٥ هـ أو بعدها، وتولى الخلافة بعد أبيه معاوية ﵁ بعهد منه في رجب سنة ٦٠ من الهجرة، ومات سنة ٦٤ هـ. البداية والنهاية (٨/ ٢١٤).
(٦) هذا ما يعرف بوقعة الحرة التي وقعت سنة ٦٣ هـ وذلك حين خرج أهل المدينة على يزيد وخلعوا طاعته، وأمروا عليهم عبد الله بن مطيع العدوي وعبد الله بن حنظلة الغسيل، فأرسل إليهم يزيد جيشًا قوامه عشرة آلاف أو اثنا عشر ألفًا بقيادة مسلم بن عقبة فقاتلهم وقتل عددًا كبيرًا منهم. انظر أحداثها في البداية والنهاية (٨/ ٢٠٦ - ٢١٠).
(٧) ذكر ابن الجوزي في المنتظم (٦/ ١٧) وابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٢٠٩) عن الزهري أنه سئل كم كان القتلى يوم الحرة؟ قال: سبعمائة من وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ووجوه الموالي والأعراب من حر وعبد وغيرهم عشرة آلاف.
(٨) روى ابن جرير في تاريخه (٥/ ٤٩١) من طريق أبي مخنف أن مسلم بن عقبة بعد أن هزم أهل المدينة ودخلها أباحها لجنوده ثلاثة أيام يقتلون الناس ويأخذون الأموال، وأبو مخنف هو لوط بن =
[ ٩١ ]
عنه الحديث (^١) ولا ينبغي لأحد أن يذكر عنه حديثا (^٢). فظاهر هذا أنه حكم عليه بالفسق لأنه منع من سماع حديثه. وأضاف إليه نهب المدينة، وقتل قوم من الصحابة.
ورأيت بخط أبي حفص العكبري (^٣) على ظهر جزء فيه "فصل" كتب (^٤) إليَّ أبو القاسم فرج بن السوادي (^٥) قال: ثنا أبو علي الحسين بن الجندي (^٦) قال ثنا أبو طالب (^٧) العكبري (^٨) قال: سمعت أبا بكر محمد بن
_________________
(١) = يحيى قال الذهبي عنه: إخباري تالف لا يوثق به تركه أبو حاتم وغيره، وقال عنه ابن عدي: شيعي محترق صاحب اخبارهم توفي سنة ١٧٠ هـ. ميزان الاعتدال (٣/ ٤٢٠) فهذه الرواية من طريقة فلا يوثق بها وخاصة أنها تطعن في يزيد، وأبو مخنف شيعي، وللشيعة ولع بالكذب على الأمويين وشنآنهم، إلا أن هذا لا يعفي يزيدًا مما وقع، كما أن يزيد كان قد قتل جنوده الحسين بن علي ﵁ وذلك سنة ٦١ هـ، فهذا كله جعل المسلمين عمومًا يكرهونه ويبغضون ولايته، ولكن ذلك لا يمنع من القول العدل فيه كما لا يبيح الكذب والافتراء عليه.
(٢) قال الذهبي في الميزان عن يزيد "روى عن أبيه وعنه ابنه خالد وعبد الملك بن مروان، مقدوح في عدالته ليس بأهل أن يروى عنه، وقال أحمد: لا ينبغي أن يروى عنه". ميزان الاعتدال (٤/ ٤٤٠).
(٣) أخرج الرواية الخلال في السنة (١/ ٥٢٠)، وذكرها ابن أبي يعلى في الطبقات (١/ ٣٤٧).
(٤) هو عمر بن إبراهيم أبو حفص العكبري يعرف بابن مسلم قال ابن أبي يعلى: معرفته بالمذهب المعرفة العالية، توفى سنة ٣٨٧ هـ. طبقات الحنابلة (٢/ ١٦٣).
(٥) هكا أمكن قراءتها وهي غير ظاهرة.
(٦) لعله عبيد الله بن عثمان بن الفرج أبو القاسم المعروف بابن السوادي قال عنه الخطيب: كان أحد المكثرين من الحديث كتابة وسماعًا مع صدق وأمانة توفي سنة ٤٣٥ هـ تاريخ بغداد (١٠/ ٣٨٥).
(٧) الحسين بن محمد أبو علي التمار ويعرف بابن الجندي من أهل عكبرا روى عن جماعة. تاريخ. بغداد (٨/ ٩٨).
(٨) كلمتان مطموستان، لم أتمكن من قراءتهما.
(٩) لم يتبين لي من هو.
[ ٩٢ ]
العباس (^١) قال سمعت صالح بن أحمد بن حنبل (^٢) يقول: قلت لأبي أن قومًا ينسبونا (^٣) إلى تولي يزيد. فقال: يا بني وهل (^٤) يتولي يزيد أحد يؤمن بالله فقلت: ألا تلعنه؟ فقال: ومتى رأيتني ألعن شيئًا (^٥) لم لا تعلن من لعنه الله في كتابه؟ فقلت: وأين لعن الله يزيدًا في كتابه؟ فقرأ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد آية ٢٢، ٢٣]. هل يكون في قطيعة الرحم أعظم من القتل؟! وقد أعدت ذكر هذه الرواية على ظهر الجزء. وهذا يؤكد ما نقله مهنا عنه.
ونقل أبو طالب (^٦) قال: سألت أحمد عمن قال: لعن الله يزيد بن معاوية؟ قال: لا تكلم في هذا. قال النبي ﷺ: "لعن المؤمن كقتله" (^٧)، وقال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم" (^٨)، فقد كان يزيد منهم، فأرى
_________________
(١) لم يتبين لي من هو.
(٢) صالح بن الإمام أحمد بن حنبل أبو الفضل قال عنه عبد الرحمن بن أبي حاتم: كتبت عنه بأصفهان وهو صدوق ثقة توفي سنة ٢٦٦ هـ. طبقات الحنابلة (١/ ١٧٣).
(٣) عند شيخ الإسلام في الفتاوى "إن قومًا يقولون إنهم يحبون يزيد" ولعل صواب الكلمة "يُنسبون".
(٤) في المخطوط "وهو" وتصويبها مما ذكر شيخ الإسلام من الرواية.
(٥) ذكر هذه الرواية شيخ الإسلام في منهاج السنة (٤/ ٥٦٥) نقلًا عن كلام الرافضي، وذكرها أيضًا في الفتاوى مختصرة (٣/ ٤٢١) (٤/ ٤٨٣) وقال عنها: إنها رواية منقطعة غير ثابتة. المنهاج (٤/ ٥٧٣) ونقلها عن القاضي ابن الجوزي في رسالته عن يزيد ورقة ٤/ أ.
(٦) أحمد بن حميد المشكاني المتخصص بصحبة الإمام أحمد. قال الخلال: كان أحمد يكرمه ويقدمه فكان رجلًا صالحًا صبورًا مات بالقرب من موت الإمام أحمد ٢٤٤ هـ. طبقات الحنابلة (١/ ٣٩).
(٧) أخرجه خ. كتاب الأدب (ب ما ينهي عن السباب). انظر صحيح البخاري مع فتح الباري (١٠/ ٤٦٤)، حم (٤/ ٣٤) من حديث ثابت بن الضحاك ﵁.
(٨) أخرجه خ. فضائل الصحابة انظر صحيح البخاري مع فتح الباري (٧/ ٣)، م. فضائل الصحابة (٤/ ١٩٦٢) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
[ ٩٣ ]
الإمساك أحب إلي" (^١).
فظاهر هذا أنه لم يحكم بفسقه لأنه أنكر لعنه، وجعله داخلًا في القرن الذي منهم رسول الله ﷺ، ونهى عن الكلام فيه.
وجه الرواية الأولى: ما احتج به أحمد من إرسال يزيد مسلم بن عقبة (^٢) إلى المدينة ونهبها وقتل بها قومًا من الصحابة، وقد قال رسول الله ﷺ: "من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبي" (^٣)، وروي "من أخاف أهل المدينة فعليه لعنة الله" (^٤)،
_________________
(١) أخرجه الخلال في السنة (١/ ٥٢١).
(٢) مسلم بن عقبة المري الذي يسميه السلف مسرف بن عقبة، وهو قائد جيش يزيد حين توجه إلى المدينة ومات بعد فعله بأهل المدينة ما فعل وهو في طريقه إلى مكة سنة ٦٤ هـ. انظر: البداية والنهاية (٨/ ٢١٢).
(٣) أخرجه حم. (٣/ ٢٥٤، ٣٩٣) عن زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله ﵁ أن أميرًا من أمراء الفتنة قدم المدينة وكان قد ذهب بصر جابر فقيل لجابر: لو تنحيت عنه فخرج يمشي بين أبنية فنكب فقال: تعس من أخاف رسول الله ﷺ فقال ابناه أو أحدهما: يا أبت وكيف أخاف رسول الله ﷺ وقد مات؟ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أخاف أهل المدينة " وإسناده صحيح، وقد عزاه ابن كثير إلى الدارقطني من رواية ابني جابر محمد وعبد الرحمن، ثم قال: وقد استدل بهذا الحديث وأمثاله من ذهب إلى الترخيص في لعن يزيد بن معاوية وهو رواية عن أحمد واختارها الخلال وأبو بكر عبد العزيز والقاضي أبو يعلى وابنه، وانتصر لذلك أبو الفرج ابن الجوزي في مصنف مفرد، ومنع من ذلك آخرون وصنفوا فيه أيضًا لئلا يجعل لعنه وسيلة إلى أبيه أو أحد الصحابة، وحملوا ما صدر عنه من سوء تصرفات على أنه تأول وأخطأ، وقالوا إنه كان إمامًا فاسقًا والإمام إذا فسق لا يعزل بمجرد فسقه على أصح قولي العلماء، بل لا يجوز الخروج عليه لما في ذلك من إثارة الفتنة ووقوع الهرج وسفك الدماء الحرام ونهب الأموال وفعل الفواحش مع النساء وغيرهن، وغير ذلك مماكل واحدة فيها من الفساد أضعاف فسقه كما جرى مما تقدم إلى يومنا هذا. البداية والنهاية (٨/ ٢١١).
(٤) أخرجه حم (٤/ ٥٥) من حديث السائب بن خلاد ﵁ وفيه "من أخاف أهل المدينة ظلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا" وإسناده جيد وعزاه ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٢١١) إلى النسائي والحميدي.
[ ٩٤ ]
وانفاذه بالحصين بن نمير (^١) إلى مكة في طلب ابن الزبير، وهدم الكعبة وحرقها (^٢)، وانفاذه لعبيد الله بن زياد في قتل الحسين بن علي بن أبي طالب (^٣) مع جماعة كانوا معه من أهله (^٤)، وحمل الرأس إليه (^٥) مع من بقى من أهل الحسين في الأقياد (^٦)، ونقره بالقضيب على ثنيته، فروى ابن أبي الرسافي (^٧) بإسناده عن زيد بن أرقم قال: كنت عند يزيد بن معاوية فأتي برأس الحسين فجعل يزيد ينقر بالخيزران على شفتيه وهو يقول:
_________________
(١) الحصين بن نمير السكوني استدعاه مسلم بن عقبة لما حضره الموت وهو متوجه في طريقه إلى مكة لقتال ابن الزبير فقال لحصين: إن أمير المؤمنين عهد إلى إن حدث بي حدث الموت أن أستخلف عليكم حصين بن نمير السكوني، والله لو كان الأمر لي ما فعلت …، ثم دعا به فقال: انظر يا برذعة الحمار فاحفظ ما أوصيك به، عم الأخبار، ولا ترع سمعك قريشًا أبدًا ولا تردن أهل الشام عن عدوهم ولا تقيمن إلا ثلاثًا حتى تناجز ابن الزبير. تاريخ الطبري (٥/ ٤٧٩).
(٢) ذكر ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٢١٣) أن الكعبة احترقت سنة ٦٤ هـ قبل موت يزيد بتسع وعشرين ليلة، وقيل إن سبب ذلك شرارة طارت من نار كان يشعلها أناس من أهل مكة حول الكعبة فعلقت الشرارة في بعض أستار الكعبة فاحترقت، وقيل إن ذلك من المنجنيق الذي رماه بها أهل الشام.
(٣) انظر ذلك في تاريخ الطبري، أحداث سنة ٦١ هـ (٥/ ٤٠٠ وما بعدها) البداية والنهاية (٨/ ١٧٩).
(٤) قيل إنه قتل مع الحسين من أهله سبعة عشر رجلًا، وقيل ستة عشر، وقيل ثلاثة وعشرون. البداية والنهاية (٨/ ١٦٢).
(٥) ذكر ابن كثير في هذا قولين: من العلماء من قال: سير عبيد الله بن زياد الرأس إلى يزيد في الشام، ومنهم من قال لم يسيره. قال ابن كثير: والأظهر أنه سيره لكثرة الآثار في ذلك. البداية والنهاية (٨/ ١٨١).
(٦) الأقياد جمع قيد والذي ذكر: أن الذي قيد هو علي بن الحسين فقط، أما البقية فكن نساءً أركبوهن الرواحل في الهوادج ووكل بهن من يحرسهن حتى قدمن على يزيد بالشام. انظر تاريخ الطبري (٥/ ٤٦٠)، البداية والنهاية (٨/ ١٨١).
(٧) هكذا أمكن قراءتها ولم يتبين لي من هو.
[ ٩٥ ]
يفلقن هامًا من رجال أعزة … علينا وهم كانوا أعق وأظلما
فقلت: ارفع عصاك اشهد أني رأيت رسول الله ﷺ واضعًا حسينًا على فخذه اليسرى واضعًا يده اليمنى على رأس الحسن واضعًا يده اليسرى على رأس الحسين وهو يقول: "اللهم إني استودعتكهما وصالح المؤمنين" فكيف كان حفظك يا يزيد وديعة رسول الله ﷺ (^١).
وبإسناده قال: وضع رأس الحسين بين يدي يزيد وعنده أبو برزة فجعل يزيد ينكب بالقضيب على فيه ويقول:
يفلقن هاما …
فقال أبو برزة: ارفع قضيبك فوالله لربما رأيت رسول الله ﷺ واضعًا فاه على فيه يلثمه (^٢). وهذا يدل على (^٣).
وروى بإسناده أن الحسين لما أزف القتال قال: ألا تقبلون مني ما كان
_________________
(١) عزاه ابن الجوزي في كتابه عن يزيد إلى ابن أبي الدنيا ورقة (١٤/ أ) وانظر ١٥/ ب. وقال شيخ الإسلام عن حديث توديع المؤمنين الحسن والحسين: فهذا لا يعرف في شيء من كتب الحديث التي يعتمد عليها. منهاج السنة (٤/ ٥٦١) وقال أيضًا: والذي ثبت في الصحيح أن الحسين لما قتل حمل رأسه إلى قدام عبيد الله بن زياد، وأنه نكت بالقضيب على ثناياه وكان بالمجلس أنس بن مالك ﵁ وأبو برزة الأسلمي، ففي صحيح البخاري عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك ﵁ قال: أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين فجعل في طست فجعل ينكت، وقال في حسنه شيئًا، فقال أنس: كان أشبههم برسول الله ﷺ، وكان مخضوبًا بالوسمة، وقال: وقد روي بإسناد مجهول أن هذا كان قدام يزيد وأن الرأس حمل إليه وأنه هو الذي نكت على ثناياه. وهذا مع أنه لم يثبت ففي الحديث ما يدل على أنه كذب، فإن الذين حضروا نكته بالقضيب من الصحابة، لم يكونوا بالشام وإنما كانوا بالعراق. منهاج السنة (٤/ ٥٥٦) وقد روى ابن جرير في تاريخه (٥/ ٤٥٦) عن أبي مخنف أن كلام زيد بن أرقم كان مع عبيد الله بن زياد وليس مع يزيد بن معاوية ولم يذكر حديث توديع الحسن والحسين.
(٢) أخرجه ابن جرير بسنده (٥/ ٤٦٥) عن طريق هشام الكلبي عن أبي مخنف وعزاه ابن الجوزي في كتابه عن يزيد إلى ابن أبي الدنيا ورقة (١٦٠/ أ).
(٣) مقدار كلمتين لم استطع قراءتها.
[ ٩٦ ]
رسول الله ﷺ يقبله من المشركين؟ قالوا: وما كان يقبل من المشركين؟ قال: كان إذا جنح (^١) أحدهم قبل منه، قالوا: لا، قال: فدعوني أرجع قالوا: لا، قال: فدعوني آتي أمير المؤمنين، فأبوا (^٢) وأخذ له رجل السلاح وقال: أبشر بالنار، قال: بل (إني إنما أبشر) (^٣) برحمة ربي وشفاعة نبيي (^٤).
وهذا يدل على أنه لو كان خروجه طلبًا للأمر وجب (التوقف عن) (^٥) قتاله لأن الخارج إذا كف وطلب لأمان حرم قتله.
والرواية الثانية: أن خلافته انعقدت بجماعة من الصحابة منهم عبد الله
_________________
(١) أي جنح للسلم.
(٢) ذكر ابن جرير في تاريخه (٥/ ٤١٦) نحوًا من ذلك وهو أن الحسين قال لهم: اختاروا مني إما أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه، وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني وبينه رأيه، وإما أن تسيروني إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم، فأكون رجلًا من أهله لي ما لهم وعلي ما عليهم، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ١٦٦).
(٣) غير ظاهرة وهكذا أمكن قراءتها.
(٤) ذكر المؤرخون هذا عن الحسين ﵁ وفيه دلالة واضحة على أنه ﵁ قد عدل عن الخروج وطلب العافية فأبى عليه الذين واجهوه من جيش عبيد الله بن زياد وخاصة شمر بن ذي جوشن، فقاتل بعدها ﵁ مكرهًا مدافعًا عن نفسه وأهله فقتل مظلومًا، قال شيخ الإسلام في شأن الحسين: صار الناس في قتل الحسين ثلاثة أصناف: طرفين ووسط، أحد الطرفين يقول: إنه قتل بحق فإنه أراد أن يشق عصا المسلمين … وقال بعض هؤلاء: هو أول خارج خرج في الإسلام على الولاة، الطرف الآخر: قالوا بل كان هو الإمام الواجب طاعته الذي لا ينفذ أمرًا من أمور الإيمان إلا به، وأما الوسط فهم أهل السنة الذين لا يقولون هذا ولا هذا بل يقولون قتل مظلومًا شهيدًا، ولم يكن متوليًا لأمر الأمة والحديث المذكور - يعني حديث "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه" أخرجه م. (٣/ ١٤٨٠) لا يتناوله فإنه لما بلغه ما فعل بابن عمه مسلم بن عقيل -وذلك أنه قتله عبيد الله بن زياد- ترك طلب الأمر وطلب أن يذهب إلى يزيد ابن عمه أو إلى الثغر أو إلى بلده فلم يمكنوه وطلبوا منه أن يستأسر لهم، وهذا لم يكن واجبًا عليه. منهاج السنة (٤/ ٥٥٣).
(٥) غير ظاهرة تمامًا وأمكن قراءتها هكذا.
[ ٩٧ ]
ابن عمر وعبد الله بن عباس (^١) والمسور بن مخرمة وجابر بن عبد الله، وذكر ذلك الواقدي (^٢) في تاريخه (^٣).
وامتنع من البيعة الحسين وابن الزبير، ثم خرج الحسين بن علي وعبد الله ابن الزبير، الحسين بالكوفة، وابن الزبير بمكة (^٤)، وجماعة من أهل المدينة خرجوا عليه فخلعوه، وهذا أعذر له مع ما قد ظهر من إنكاره لقتل الحسين، فذكر الواقدي في تاريخه: أنهم أخرجوا بني أمية من المدينة فقال مروان (^٥) لابنه عبد الملك (^٦): "يا بني إن هؤلاء لم يتدبروا ما صنعوا بأمر لم يستخيروا الله فيه، قال ابنه: علي أي وجه؟ قال: حيث لم يقتلونا، ولم يحبسونا" فبعث إليهم يزيد الجنود عليهم مسلم بن عقبة فقاتل أهل المدينة، وفيها قتل عبد الله بن زيد المازني صاحب رسول الله ﷺ (^٧) ومعاذ ابن الحارث (^٨) صاحب النبي ﷺ وعبد الله بن حنظلة (^٩) ومعقل بن سنان الأشجعي (^١٠) صبرًا ومحمد بن أبي الجهم بن حذيفة بن غانم (^١١) ويزيد بن
_________________
(١) انظر تاريخ الطبري (٥/ ٣٤٣).
(٢) محمد بن عمر بن واقد الأسلمي الواقدي المدني القاضي نزيل بغداد، متروك مع سعة علمه توفي سنة ١٨٧ هـ. التقريب ص (٣١٣).
(٣) التاريخ للواقدي مفقود مع كثير من كتبه، ولم يصل إلينا من كتبه سوى المغازي للرسول ﷺ انظر د. شاكر مصطفى التاريخ العربي والمؤرخون (١/ ١٦٣).
(٤) انظر تاريخ الطبري (٥/ ٣٤١).
(٥) مروان بن الحكم بن أبي العاص أبو عبد الملك الأموي المدني ولي الخلافة آخر سنة ٦٤ ومات سنة ٦٥ هـ لا يثبت له صحبة. التقريب ص (٣٣٢).
(٦) عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي الخليفة توفي سنة ٨٦ هـ. التقريب ص (٢٢٠).
(٧) عبد الله بن زيد المازني أبو محمد صحابي شهيرًا استشهد يوم الحرة سنة ٦٣ هـ. التقريب ص ١٧١.
(٨) معاذ بن الحارث الأنصاري النجاري القاري أحد من أقامه عمر يصلي التراويح صحابي صغير استشهد يوم الحرة سنة ٦٣ هـ التقريب ص ٣٤٠.
(٩) عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الراهب الأنصاري له رؤية وأبوه غسيل الملائكة استشهد يوم الحرة وكان أمير الأنصار يومئذ. التقريب ص ١٧١.
(١٠) معقل بن سنان الأشجعي صحابي استشهد يوم الحرة. التقريب ص ٣٤٣.
(١١) محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي ذكره ابن حجر في الإصابة (٩/ ٣١٠) وقال ولد على عهد النبي ﷺ وشهد الحرة وقتله مسلم بن عقبة صبرًا سنة ٦٣ هـ.
[ ٩٨ ]
عبد الله بن زمعة (^١) صبرًا بالسيف، وأنهب المدينة ثلاثًا، وحج بالناس عبد الله بن الزبير قبل أن يبايعه الناس.
وذكر أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي (^٢) في تاريخه (^٣): لما بويع ليزيد أخرج ابن الزبير من … (^٤) في المدينة وجعل يقول: "إن يزيد قد اشتغل بشرب الخمور واللعب بالقرود"، فسار حتى نزل المدينة فقاتل أهلها وتلك وقعة الحرة فأباحها ثلاثة أيام، وكثر القتل في الأعراب، وأنزل أهل المدينة على أنهم عبيد قن ليزيد وختم أعناقهم (^٥)، وأن الحسين خرج ولم يكن راضيًا بقتله (^٦).
_________________
(١) يزيد بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب ممن قتله مسلم صبرًا سنة ٦٣ هـ. الطبقات الكبرى ص (١٠٤) الجزء المتمم.
(٢) إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي نفطويه مشهور له تصانيف بقى إلى حدود ٣٢٠ هـ قال الدارقطني ليس بالقوي وقال الخطيب كان صدوقًا. ميزان الاعتدال (١/ ٦٤).
(٣) له كتاب في التاريخ يقع في ثلاثة مجلدات قال الشاكر مصطفى في التاريخ العربي والمؤرخون (١/ ٤١٧) "وهو من الكتب التي لم تصل إلينا".
(٤) كلمة لم أتمكن من قراءتها.
(٥) لا يصح أن مسلم بن عقبة أخذ البيعة من أهل المدينة على أنهم عبيد ليزيد، خاصة وأن في المدينة من كان منكرًا لعمل من خلعوا يزيد مثل ابن عمر وجابر ومحمد بن الحنفية وآل أبي طالب كلهم وبني أمية أيضًا، ولكن الروايات أكثرها على أن مسلمًا قدم من بقي حيًا من رؤوس الناس في تلك الفتنة مثل يزيد بن عبد الله بن زمعة ومحمد بن أبي الجهم ومعقل بن سنان الأشجعي ﵁ وعرض عليهم المبايعة على أنهم عبيد ليزيد يحكم في أنفسهم وأموالهم ما شاء، فقد روى ابن سعد قال: لما دخل مسلم بن عقبة المدينة وأنهبها وقتل من قتل دعا الناس إلى البيعة فكانت بنو أمية أول من بايعه ثم دعا بني أسد بن عبد العزى -وكان عليهم حنقًا- إلى قصره فقال تبايعون لعبد الله يزيد أمير المؤمنين ولمن استخلف بعده على أن أموالكم وأنفسكم خول له يقضي فيها بما يشاء - وقال بعضهم: قال ليزيد بن عبد الله خاصة: بايع على أنك عبد العصا. انظر طبقات ابن سعد الجزء المتمم ص (١٠٤)، فيظهر أنه خص بها هؤلاء الناس حتى يزيد في إذلالهم وإهانتهم فيما يرى، انظر مواقف المعارضة في خلافة يزيد، رسالة ماجستير ص ٤٩٢.
(٦) يقصد بذلك يزيد بن معاوية.
[ ٩٩ ]
وروى ابن أبي الدنيا (^١) بإسناده عن القعنبي قال: قال يزيد حين أتاه قتل الحسين: "قد كنت أرضي من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين ﵁، رحم الله أبا عبد الله عجل عليه ابن زياد، أما والله لو كنت صاحبه ثم لم أقدر على دفع القتل عنه إلا ببعض عمري لأحببت أن أدفعه عنه" (^٢).
وبإسناده قال: "لما أتى برأس الحسين فوضع بين يديه فلما نظر إليه بكى ولعن ابن زياد" (^٣).
وبإسناده عن محمد بن حسن بن علي (^٤) قال: "أدخلنا على يزيد بن معاوية ونحن اثنا عشر غلامًا مغلغلين في الجوامع وعلينا قمص، فقالت فاطمة بنت الحسين (^٥): يا يزيد بنات رسول الله ﷺ سبايا، فبكى حتى كادت نفسه تخرج، وبكى أهل الدار حتى علت أصواتهم، ثم قال: خلوا عنهم فاذهبوا بهم إلى الحمام واغسلوهم اضربوا لهم القباب، وأمر لهم (^٦) بالطبخ، وكساهم وأخرج لهم جوائز كثيرة" (^٧) وهذا يدل على أنه لم يأمر بقتله ولم يرض به.
ومن نصر الرواية الأولى يجيب عن هذا ويقول: خروج أهل المدينة والحسين لم يك طلبًا للإمر وإنما كان لأمور ظهرت منه تنافي الإمامة.
يبين صحة هذا أنه كان بالمدينة جماعة من الصحابة علماء أعلم منه
_________________
(١) هو عبيد الله بن محمد بن عبيد أبو بكر القرشي مولى بني أمية المعروف بابن أبي الدنيا صاحب الكتب المصنفة قال عنه أبو حاتم: بغدادي صدوق توفي سنة ٢٨١ هـ. تاريخ بغداد (١٠/ ٨) ولم يتبين لي الكتاب الذي نقل عنه القاضي هنا.
(٢) أخرج نحوه ابن جرير في تاريخه (٥/ ٤٥٩).
(٣) أخرجه ابن جرير في تاريخه ضمن الرواية السابقة.
(٤) لم بتبين لي من هو.
(٥) فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمية زوج الحسن بن الحسن بن علي ثقة من الرابعة ماتت بعد المائة وقد أسنت، التقريب ص (٤١٧).
(٦) في المخطوط غير ظاهرة وما أثبت نقلًا عن قيد الشريد من أخبار يزيد لشمس الدين بن طولون ورقة (١٦/ أ).
(٧) ذكر نحو هذه الرواية ابن طولون في قيد الشريد من أخبار يزيد (١٥/ ب).
[ ١٠٠ ]
بالأحكام، وكذلك الحسين فوجب حمل خروجهم وامتناع من امتنع من بيعته على وجه يسوغ فيه التأويل.
ومنه ما قال عبد الله بن الزبير: "إن يزيد قد اشتغل بشرب الخمور واللعب بالقرود" (^١).
وروى محمد بن عرفة في تاريخه: "أن الحسن بن علي وعبد الله بن عباس استأذنا على يزيد بن معاوية وهو على شراب ولهو، فأذن للحسن وحجب ابن عباس، فلما دخل الحسن شم الرائحة فقال: ما هذه الرائحة؟ قال: طيب يصنع لنا بالشام، ثم عاد يزيد إلى حالته، فأظهر شرابه ولهوه ثم ندم وانقبض، فقال له الحسن: أيها الرجل خفض عليك، فقال له يزيد: اجلس، فنهض الحسن ليقوم" (^٢).
_________________
(١) سبقت الرواية ص ١٠١ ويلاحظ أن ذم يزيد بهذا الأمر وهو شرب الخمر قد ورد في عدة روايات وقد دافع عن يزيد في هذا محمد بن الحنفية فقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٢٢٠) أن عبد الله بن مطيع وأصحابه جاءوا إلى محمد بن الحنفية فأرادوه على خلع يزيد فأبى عليهم: فقال ابن مطيع: إن يزيد يشرب الخمر ويترك الصلاة ويتعدى حكم الكتاب، فقال لهم: ما رأيت منه ما تذكرون، وقد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواظبًا على الصلاة متحريًا للخير يسأل عن الفقه ملازمًا للسنة قالوا: فإن ذلك كان منه تصنعًا لك فقال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إلي الخشوع؟ أفاطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر؟ فلئن كان أطلعكم فيما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا قالوا: إنه عندنا لحق وإن لم نكن رأيناه فقال لهم: أبى الله ذلك على أهل الشهادة فقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، في كلام طويل، ومحمد بن الحنفية موتور بلا شك من يزيد لأن قتل الحسين أخيه كان قبل الحرة، فلو ثبت لديه إعلان يزيد بالمنكرات لكان من الطالبين لشنآنه وتنقصه … والله أعلم، وانظر مواقف المعارضة في خلافة يزيد بن معاوية (٤٠٨ - ٤٣٣). (رسالة ماجستير).
(٢) ذكر نحو هذه الرواية بأطول مما هنا ابن عساكر في تاريخه (١٨/ ق ٣٩٦) من رواية عمر بن شبه وقال ابن عساكر: هذه الحكاية منقطعة، عمر بن شبه بينه وبين يزيد زمان.
[ ١٠١ ]
وهذا يدل على أنه ظهر منه أمور كرهوها، وعلى أن خروجهم لم يقتض القتل والذبح ونهب الأموال، لأن من ظهر عليه الإمام من البغاة لا يقتله ولا ينهب ماله، وقد فعل ذلك بأهل المدينة فاسترق وجهاء منهم (^١) (^٢) ونهبوا المال وقتلوا صبرًا، ولأنا قد بينا ما فعلوا في أهل المدينة .. (^٣).
فأخرج الطبري (^٤) في التاريخ بإسناده: أن أهل المدينة لما بايعوا عبد الله ابن حنظلة الغسيل الأنصاري على خلع يزيد بن معاوية وثبوا على عثمان ابن محمد بن أبي سفيان ومن بالمدينة من بني أمية ومواليهم ومن رأى رأيهم من قريش فكانوا نحوًا من ألف رجل، فخرجوا بجماعتهم حتى نزلوا دار مروان بن الحكم، فحاصرهم الناس فيها حصارًا ضعيفًا (^٥) فسار إليهم مسلم بن عقبة، فأباح مسلم المدينة ثلاثًا، يقتلون الناس ويأخذون الأموال، فأفزع ذلك من كان بها من الصحابة، فخرج أبو سعيد الخدري حتى دخل في كهف في الجبل، فبصر به رجل من أهل الشام فجاء حتى اقتحم عليه الغار قال أبو سعيد: فانتضيت سيفي فمشيت إليه لأرعبه لعله ينصرف عني، فأبى إلا الإقدام علي فلما رأيت أن قد جدَّ شممت سيفي وِقلت ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨]، فقال: من أنت لله أبوك؟ قلت: أنا أبو سعيد الخدري، قال: صاحب رسول الله ﷺ؟ قلت: نعم، فانصرف عني.
_________________
(١) سبق أن ذكرنا ما يتعلق بدعوى الاسترقاق ص ١٠١.
(٢) مقدار أربع كلمات لم أتمكن من قراءتها.
(٣) مقدار كلمتين لم أتمكن من قراءتهما.
(٤) محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب، أبو جعفر الطبري صاحب التفسير والتاريخ قال الخطيب: كان أحد أئمة العلماء يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله … وأطال في الثناء عليه وعلى كتبه توفي سنة ٣١٠ هـ. تاريخ بغداد (٢/ ١٦٢).
(٥) مقدار أربع كلمات غير ظاهرة. ولعلها تتضمن اختصار خبر إرسال بني أمية رجلًا يخبر يزيد بما حل بهم، لأن الطبري أورد ذلك مطولًا في هذا الموضع المنقول عنه الكلام هنا.
[ ١٠٢ ]
ثم دعا مسلم الناس إلى البيعة، وطلب الأمان لرجلين من قريش ليزيد ابن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزي، ومحمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي، ولمعقل بن سنان الأشجعي، فأتى بهم بعد الوقيعة بيوم، فقال: بايعا، فقال القرشيان: بايعنا على كتاب الله وسنة نبيه، قال: لا والله، (^١) فضربت أعناقهم فجاء معقل بن سنا، فدعا بشراب فشرب (^٢) حتى روي ثم قال: والله لا شربت بعده أبدًا إلا الحميم في نار جهنم، فقدمه فضرب عنقه، ثم توجه مسلم بن عقبة إلى مكة يريد ابن الزبير فمات في الطريق، فولى الحصين بن نمير الأمر وقال: إن يزيد قد أمره بذلك، وقدم على ابن الزبير بمكة وقد بايعه أهلها وأهل الحجاز، وقدم من أهل المدينة المنذر بن الزبير فخرج إليهم فقاتلهم فقتل وشدوا عليهم أهل الشام فانكشف أصحابه، وصابرهم ابن الزبير (^٣) فقاتلهم بقية المحرم وصفر كله حتى إذا مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع الأول قذفوا البيت بالمنجنيق (^٤) وحرقوه وأخذوا يرتجزون.
كيف ترى صنيع أم فروة (^٥) … تأخذهم بين الصفا والمروة.
وقال آخر:
خطارة مثل الفنيق (^٦) المزبد … نرمي بها أعواد هذا المسجد.
_________________
(١) يبدو أنه أراد منهما أن يبايعا مطلقًا بدون قيد ولا شرط أو أنه على ما سبق ذكره ص ١٠١ من أنه أراد منهما المبايعة على أن يكونا عبيدًا ليزيد بن معاوية.
(٢) غير ظاهرة في المخطوط وما كتبت يتفق مع سياق الطبري.
(٣) يعني عبد الله بن الزبير بن العوام ﵁.
(٤) المنجنيق: آلة قديمة من آلات الحصار كانت ترمى بها الحجارة ثقيلة على الأسوار فتهدمها. المعجم الوسيط ص ٨٥٥.
(٥) أم فروة يقصدون بها المنجنيق ذكر ذلك الطبري في تاريخه (٥/ ٤٩٨).
(٦) الفنيق: المراد به الفحل من الإبل. المعجم الوسيط ص ٧٠٣.
[ ١٠٣ ]
قال محمد بن عمر: (^١) "احترقت الكعبة يوم السبت قبل أن يأتي نعي يزيد بن معاوية"، وقال رباح بن مسلم (^٢) عن أبيه: "كانوا يوقدون حول الكعبة، فأقبلت شرارة هبت بها الريح فحرقت ثياب الكعبة واحترق خشب البيت".
وقال عروة بن أذينه: (^٣) "قدمت مكة يوم احترقت الكعبة فقلت: ما أصاب الكعبة؟ فأشاروا إلى رجل من أصحاب عبد الله بن الزبير قالوا: احترقت بسببه، أخذ قبسًا في رأس رمح له فطيرت الريح به.
[فضربت أستار الكعبة ما بين الركن اليماني والأسود] (^٤)
(^٥)
_________________
(١) يعني الواقدي.
(٢) لم أقف على ترجمته ولا ترجمه أبيه.
(٣) عروة بن أذينة الليثي مدني قال الذهبي: صدوق. انظر الجرح والتعديل (٦/ ٣٦٩) ميزان الاعتدال (٣/ ٦٣).
(٤) تاريخ الطبري (٥/ ٤٨٢ - ٤٩٩) وقد اختصر منه المؤلف في مواضع عدة.
(٥) مسح في الكتاب مقدار نصف صفحة، ويبدو أن المصنف ﵀ أنهى مسألة يزيد بن معاوية والموقف منه، وقد ذكر القاضي ﵀ هنا قولين عن الإمام أحمد في يزيد من معاوية. ويزيد بن معاوية هو أحد ملوك المسلمين لا شك وله أخطاء من أعظمها عند المسلمين قتل الحسين في عهده وأمره بنهب المدينة، وما فعل قائده مسلم بن عقبة بالمدينة، وهي جرائم لا شك خطيرة لكنها لا تنفي إسلامه ولا تبيح لعنه لأنه لا يجوز لعن المسلم، وقد افترق الناس في يزيد إلى ثلاث فرق: فرقة تلعنه، وعزا ذلك ابن كثير إلى الخلال وأبو بكر عبد العزيز والقاضي أبي يعلى، وقد صنف ابنه رسالة في جواز ذلك، وكذلك ابن الجوزي صنف في ذلك ومنهم النسفي والكيا الهراس، ومآخذهم عليه هي ما ذكر القاضي ﵀ هنا من مسألة الحسين وأهل المدينة فيلعنونه على ذلك. وفرقة أحبته، كالغزالي والدستي لأنه مسلم ولي أمر الأمة على عهد الصحابة وكان متأولًا فيما =
[ ١٠٤ ]
عن ابن عمر أنه قال حين حضره الموت: "ما أجد في نفسي من أمر الدنيا إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي" (^١)، وفي لفظ آخر رواه بإسناده عن أبي بكر بن الجهم (^٢) سمعت ابن عمر يقول: "ما آسى على شيء إلا على تركي القتال للفئة الباغية مع علي" (^٣).
_________________
(١) = ينكر عليه من أمر الحرة وغيره وهو مجتهد مخطئ، وأما قتل الحسين فلم يأمر به ولم يرض به ولأنه ورد عن النبي ﷺ أنه قال: "أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له" وأول جيش غزاها كان أميره يزيد. وقرقة لا تلعنه ولا تحبه، قال شيخ الإسلام: وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد وعليه المقتصدون من أصحابه وغيرهم من جميع المسلمين فلا يلعن لما ورد عن النبي ﷺ "لعن المؤمن كقتله" كما أنه لا يجوز لعن الفاسق المعين، ولا يحب لأنه لم يصدر عنه من الأعمال الصالحة ما يحب عليها وهو من ملوك المسلمين المسلطين، وهذا القول الأخير هو أعدل الأقوال وأحراها بالصواب، والله أعلم. انظر مجموع الفتاوى (٤/ ٤٨٣ - ١٨٦) (٣/ ٤٠٩ - ٤١٣) البداية والنهاية لابن كثير (٨/ ٢١١) الرد على المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد لابن الجوزي (مخطوط) ورقة (٣ - ٤) الحجة في بيان المحجة لأبي القاسم الأصبهاني (٢/ ٥٢٢) مواقف المعارضة في خلافة يزيد بن معاوية، محمد بن عبد الهادي الشيباني ص (٥٤٣ - ٥٥٩) رسالة ماجستير.
(٢) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٣/ ٢٣١) وذكره ابن سعد في الطبقات (٤/ ١٨٧) بدون أن يذكر قوله: "مع علي".
(٣) أبو بكر عبد الله بن أبي الجهم العدوي وقد ينسب إلى جده ثقة من الرابعة، التقريب ص (٣٩٥)
(٤) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٣/ ٢٣٢). وقد روى ابن سعد في الطبقات بسند صحيح عنه أنه قال: "ما آسى من الدنيا إلا على ثلاث، ضميء الهواجر، ومكابدة الليل، وألا أكون قاتلت هذه الفئة الباغية التي حلت بنا" وكأنه يشير إلى قتال الأمويين مع ابن الزبير وفي رواية أخرى عن الزهري عن حمزة بن عبد الله قال: أقبل ابن عمر علينا فقال ما وجدت في نفسي شيئًا من أمر هذه الأمة ما وجدت في نفسي من أن أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله. قلنا: من ترى الفئة الباغية؟ قال ابن الزبير بغى على هؤلاء القوم فأخرجهم من ديارهم ونكث عهدهم. سير أعلام النبلاء (٣/ ٢٢٩)، ولم يتبين لي ترجيح قول من هذه الأقوال.
[ ١٠٥ ]
وبإسناده عن سعيد بن أبي عروبة (^١) قال: "رأى عمر بن عبد العزيز (^٢) أن رسول الله ﷺ في بيت على سرير إذ أتي بعلي ومعاوية فأدخلا في بيت فاختصما ثم خرجا فخرج علي وهو يقول: قضى لي ورب الكعبة، وخرج معاوية وهو يقول: غفر لي ورب الكعبة (^٣).