_________________
(١) = بحد، أو يقدرون ذلك بقدر، أو أن يبلغوا إلى أن يصفوا ذلك، وذلك لا ينافى ما تقدم من إثبات أنه في نفسه له حد يعلمه هو لا يعلمه غيره .. وهكذا كلام سائر أئمة السلف يثبتون الحقائق وينفون علم العباد بكنهها. تلبيس الجهمية (١/ ٤٣٣) وانظر كلام الدارمي في رده على بشر المريسي ص ٢٤.
(٢) هكذا العبارة أمكن قراءتها وكأن فيها سقطًا والمعنى ظاهر من أن المراد نفي توهم أن يكون العرش لا حد له.
(٣) يثبت السلف ﵏ صفة النزول لله ﷿ كما ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة عن جماعة من الصحابة، وقد ذكرها الأئمة في كتبهم وأفردها الدارقطني ﵀ في كتاب سماه النزول، وانظر شرح السنة للالكائى (٣/ ٤٥٥)، التوحيد لابن خزيمة ص ١٢٥، ونقل شيخ الإسلام عن أبي عمر الطلمنكي إجماع السلف على ذلك. مجموع الفتاوي (٥/ ٥٧٧). ويختلف السلف من ذلك في مسألتين الأولى: هل نزوله انتقال وحركة أم لا: إلى قولين سيذكرهما المصنف ﵀. أما الثانية فهى هل يخلو منه العرش على ثلاثة أقوال: الأول: قول جمهور أهل الحديث ومنهم الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وحماد بن زيد وعثمان ابن سعيد الدارمي وغيرهم: أنه لا يخلو منه العرش. الثاني: قول طائفة قليلة من أهل الحديث منهم أبو القاسم عبد الرحمن بن منده. أنه يخلو منه العرش. الثالث: من ينكر هذا القول فلا يقال يخلو أو لا يخلو وهو قول الحافظ عبد الغني المقدسي. انظر مجموع الفتاوى (٥/ ٣٧٥، ٣٨٠، ٣٩٦). =
[ ٥٥ ]
فروى عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: ثنا عبد الصمد (^١) عن عبد العزيز بن مسلم (^٢) عن أبي إسحاق الهمذاني (^٣) عن أبي الأحوص (^٤) عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان ثلث الليل الباقي (^٥) يهبط الله تعالى إلى سماء الدنيا ثم تفتح له أبواب السماء ثم يبسط يده فيقول: هل من سائل فيعطي سؤله فلا يزال هكذا حتى يطلع الفجر" (^٦).
_________________
(١) = أما المعطلة فينفون بجميع طوائفهم النزول بناء على نفيهم الصفات الاختيارية عن الله ﷿ ولهم فيه تأويلان: الأول: أن الله لا ينزل بفسه وإنما تنزل رحمته وأمره ذكر ذلك الدارمي عن بشر المريسي، ورد عليه بأن الرحمة والأمر ينزل من الله في كل ساعة ولماذا تنزل فقط في ذلك الوقت المعين من الليل؟ ثم هى أيضًا تصعد عند طلوع الفجر، ثم هل الرحمة والأمر يناديان ويطلبان من أصحاب الحاجات أن يرفعوا حاجتهم دون الله ﷿؟!، ثم من الذي يقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ لا شك أن ذلك كلام باطل وتأويل ساقط. انظر رد الدارمي على بشر المريسى ص ٢٠، مجموع الفتاوى (٥/ ٤١٥)، مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٩). التأويل الثاني: أن المراد نزول ملك من الملائكة وهو تأويل الجويني في الإرشاد ص (١٥١)، والآمدي في غاية المرام في علم الكلام ص (١٤٣) وهذا باطل مثل الذي قبله، إذ لا يمكن أن الملائكة بحال تقول "من يدعوني فأستجب له، من يسألني فأعطيه"، وانظر مجموع الفتاوى (٥/ ٤١٥ - ٤١٦).
(٢) عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد العنبري مولاهم التُّنوري أبو سهل البصري صدوق ثبت في شعبة. مات سنة ٢٠٧ هـ. التقريب ص (٢١٣).
(٣) عبد العزيز بن مسلم القسملي مولاهم أبو زيد الممروزي ثم البصري ثقة عابد ربما وهم مات سنة ١٦٧ هـ التقريب ص (٢١٦).
(٤) عمرو بن عبد الله الهمذاني أبو إسحاق السبيعي ثقة عابد اختلط بآخره توفي سنة ١٢٩ هـ. التقريب ص (٢٦٠).
(٥) عمرو بن مالك بن نضلة الجشمي أبو الأحوص الكوفي ثقة قتل في ولاية الحجاج على العراق. التقريب ص (٢٦٧).
(٦) في الأصل (الثانى) والتصويب من المسند.
(٧) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٣٨٨، ٤٠٣).
[ ٥٦ ]
وروى أبو هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا بقي ثلث الليل ينزل الله تعالى يعني إلى السماء الدنيا فيقول من ذا الذي يدعني استجب له، من ذا الذى يستغفرني فأغفر له، من ذا الذي يسترزقني أرزقه، من ذا الذي يستكشف الضر أكشفه" (^١).
أخبرنا أبو الفرج أحمد بن محمد بن عمر بن الحسين ابن المسلمة العدل (^٢) قراءة عليه في داره وأنا حاضر قال: ثنا عبد الرحمن (^٣) بن المبارك (^٤)، قال: ثنا الفضيل بن سليمان النميري (^٥)، قال: ثنا موسى بن عقبة (^٦) عن إسحاق بن يحيى بن الوليد (^٧) عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: "ينزل الله ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر،
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ وأصل هذا الحديث في الصحيحين فقد أخرجه خ كتاب التوحيد. فتح الباري (١٣/ ٤٦٤)، م. صلاة المسافرين (١/ ٥٢١).
(٢) أحمد بن محمد عمر المعروف بـ ابن المسلمة قال الخطيب عنه: كان ثقة يسكن في الجانب الشرقي في درب سليم وكان أحد الموصوفين بالعقل، والمذكورين بالفضل كثير البر والمعروف. توفي سنة ٤١٥ هـ. تاريخ بغداد (٥/ ٦٧).
(٣) يلاحظ أن هنا سقطًا في الإسناد بين أبي الفرج وعبد الرحمن، لأن الرواية قد أوردها القاضي في إبطال التأويلات (١/ ٢٥٧) عن أبي الفرج قال: (أنا أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم الجواليقي قال: نا محمد بن عثمان بن أبي سويد الزارع القرشي قال: نا عبد الرحمن بن المبارك ).
(٤) عبد الرحمن بن المبارك العيشي ثقة توفي سنة ٢٢٨ هـ. الكاشف للذهبي (٢/ ١٨٤).
(٥) فضيل بن سليمان النميري أبو سليمان البصري صدوق له خطأ كثير توفي سنة ١٨٣ هـ. التقريب ص (٢٧٦).
(٦) موسى بن عقبة أبي عياش الأسدي مولى آل الزبير ثقة فقيه إمام في المغازي توفي سنة ١٤١ هـ. وقيل بعد ذلك. التقريب ص (٣٥٢).
(٧) إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت أرسل عن عبادة بن الصامت وهو مجهول الحال، قتل سنة ١٣١ هـ. التقريب ص (٣٠).
[ ٥٧ ]
فيقول: هل من سائل فيعطي سؤله، هل من مستغفر فيغفر له، هل من عان فينفك عانيه (^١)، قال: فيكون ذلك كذلك حتى يُصلى الفجر ثم يعلو ربنا ﵎ على كرسيه" (^٢).
واختلفوا في صفته: فذهب شيخنا أبو عبد الله (^٣) إلى أنه نزول انتقال (^٤)، قال: لأن هذا حقيقة النزول عند العرب، وهذا نظير قوله في الاستواء، يعني قعد، وهذا على ظاهر حديث عبادة بن الصامت، ولأن أكثر ما في هذا أنه من صفات الحدث في حقنا، وهذا لا يوجب كونه في حقه محدثًا، كالاستواء على العرش، هو موصوف به مع اختلافنا في صفته، وإن كان هذا الاستواء لم يكن موصوفا به في القدم، وكذلك نقول تكلم بحرف وصوت، وإن كان هذا يوجب الحدث في صفاتنا ولا يوجبه في حقه، كذلك النزول.
وحكي شيخنا عن طائفة من أصحابنا أنهم قالوا: ينزل معناه: قدرته، ولعل هذا القائل ذهب إلى ظاهر كلام أحمد في رواية حنبل أنه قال: احتجوا علىَّ يومئذ بقوله تجئ البقرة يوم القيامة ويجئ تبارك (^٥) وقلت
_________________
(١) هكذا وفي الشريعة ومجمع الزوائد (فأفك عنه).
(٢) أخرجه الآجرى في الشريعة ص (٣١٢) والطبراني في الكبير والأوسط. انظر: مجمع الزوائد (١٠/ ١٥٤)، والقاضي أبي يعلى في إبطال التأويلات (١/ ٢٥٧) قال الهيثمي: يحيى بن إسحاق لم يسمع من عبادة ولم يرو عنه غير موسى بن عقبة.
(٣) يقصد الشيخ أبا عبد الله الحسن بن حامد.
(٤) حكى عنه هذا القول ابن الجوزي في دفع شبه التشبيه ص (٤٥)، وشيخ الإسلام في شرح حديث النزول مجموع الفتاوى (٥/ ٤٠٢).
(٥) هكذا في المخطوط ولدى ابن القيم في مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٣) حيث أورد هذا الكلام بنصه والوارد في القصة انهم احتجوا عليه بحديث (مجيء البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان …) الحديث، وقالوا للإمام أحمد لا يوصف بالإتيان والمجئ إلا المخلوق، فعارضهم الإمام أحمد بأن المراد مجئ ثواب البقرة وآل عمران وانظر مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩٨).
[ ٥٨ ]
لهم: الثواب قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ الفجر آية (٢٢)، إنما تأتى قدرته (^١)، وإنما القرآن أمثال ومواعظ وزجر.
وذكر أيضًا فيما خرجه من الحبس (^٢) كلام الله لا يجيء ولا يتغير من حال إلى حال (^٣).
ووجه هذا القائل: أن النزول هو الزوال والانتقال وهذا من صفات الحدث، ولهذا قلنا في الاستواء: لا بمعنى المماسة ولا المباينة (^٤)، لأن ذلك من صفات الحدث.
وحكى شيخنا عن طائفة أخرى من أصحابنا أنهم قالوا: يثبت نزولًا لا يعقل معناه، هل هو زوال أو بغير زوال كما جاء الخبر (^٥). ومثل هذا
_________________
(١) هكذا في المخطوط ولدى ابن القيم في مختصر الصواعق (٢/ ٥٣) أيضًا، ولم أقف على الرواية في المطبوع من محنة أحمد بن حنبل برواية حنبل والتي طبعت بتحقيق د. محمد نغش وقد نقل شيخ الإسلام من الرواية في الفتاوى (٥/ ٣٩٨) من هذا الموضع وفيها اختلاف، وجاء فيها أنه استدل بقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ قال قيل: إنما يأتي أمره، وقال القاضي في إبطال التأويلات (١/ ١٣٢) "قد قال أحمد في رواية حنبل في قوله ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ قال: قدرته، قال أبو إسحاق بن شاقلا: هذا غلط من حنبل لا شك فيه، وأراد أبو إسحاق بذلك أن مذهبه حمل الآية على ظاهرها في مجيء الذات، هذا ظاهر كلامه، والله أعلم، وقد قال أحمد في رواية أبي طالب ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ البقرة آية (٢١٠) ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ الفجر آية (٢٢) فمن قال إن الله لا يرى فقد كفر. وظاهر هذا أن أحمد أثبت مجيء ذاته لأنه احتج بذلك على جواز رؤيته، وإنما يحتج بذلك على جواز رؤيته إذا كان الإتيان والمجيء مضافًا إلى الذات".
(٢) هكذا في المخطوط ولدى ابن القيم في مختصر الصواعق (في الحبس) ولم يتبين لي معناها.
(٣) ذكر شيخ الإسلام في مجموع الفتاوي (٥/ ٤٠٢) أن هذا قول أبي الحسن التميمي وأهل بيته.
(٤) سبق بيان هذا ص ٥٢.
(٥) عزا هذا القول شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٥/ ٤٠٢) إلى عبد الله بن بطة العكبري وغيره قال ابن بطة في الإبانة ورقة (٢٠٠/ أ) "فنقول كما قال ربنا ﷿ ولا نقول إن نزوله … لا نصف نزوله ولا نحده ولا نقول إن نزوله زواله". قال ابن القيم ﵀ "وأما الذين أمسكوا عن الأمرين، وقالوا: لا نقول يتحرك وينتقل ولا =
[ ٥٩ ]