ليس يمتنع في صفاته، كما يثبت له ذاتًا ينفي عنها ماهيتها (^١).
وهذه الطريقة هي المذهب، وقد (^٢) نص أحمد عليها في مواضع، فقال حنبل: قلت لأبي عبد الله ينزل الله ﷿ إلى السماء الدنيا؟ قال: نعم، قلت: بعلمه أم بماذا؟ فقال لي: اسكت عن هذا وغضب غضبًا شديدًا، وقال: أمض الحديث على ما روى (^٣).
مسألة: لا يختلف أصحابنا في إثبات ليلة الإسراء وأنها وحي من الله تعالى إلى نبيه، وقد نص على هذا في مواضع، فقال أبو بكر المروذي قلت لأبي
_________________
(١) = ننفي ذلك عنه أسعد بالصواب والاتباع، فإنهم نطقوا بما نطق به النص وسكتوا عما سكت عنه " ثم أطال ﵀ في بيان وجه الحق في ذلك … انظر مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٧).
(٢) قال الجرجاني: الماهية تطلق غالبًا على الأمر المتعقل، حيث إنه مقول في جواب ما هو؟ ومن حيث ثبوته في الخارج يسمى حقيقة، ومن حيث امتيازه عن الأغيار هوية، ومن حيث حمل اللوازم له ذاتًا، ومن حيث يستنبط من اللفظ مدلولًا، ومن حيث أنه محل الحوادث جوهرًا، التعريفات ص ١٩٥. فإذا قصد القاضي هنا نفي حقيقة الذات فهو قول باطل، لأن لله ﷿ ذاتًا حقيقية تليق بجلاله، وكماله وسمع وبصرًا حقيقيًا على صفة تليق به جل وعلا، أما إذا قصد الجوهر، فالجوهر المقصود به معان عدة. انظر التعريفات ص ٧٩، من تلك المعاني الجسم، فإذا كان هذا مراد القاضي فإنه لم يرد في الشرع نفي الجسم عن الله تعالى ولا إثباته فلا يحل نفيه عن الله ﷿، إلا إذا تضمن معنى باطلًا شرعًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولفظ الجسم والجوهر ونحوهما لم يأت في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين التكلم بهذا في حق الله تعالى ولا بنفي ولا إثبات .. وهذه الألفاظ لما لم تأت في الكتاب ولا السنة وجب أن لا تثبت ولا تنفى إلا بعد معرفة المراد منها فإن كانت توافق حقًّا ثابتًا في القرآن والسنة قبل المعنى وغير اللفظ إلى ما يوافق الكتاب والسنة حتى لا يقع السامع في لبس وخلط، وإن كان المراد منها يخالف الكتاب والسنة ردت ولم تقبل … ". مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٠٤، ٣١٣) وانظر: الصواعق المرسلة (٣/ ٩٢٩، ٩٤٤) فعليه كان الأولى بالقاضي ﵀ أن يقول: ذاتًا لا تشبه ذوات المخلوقين".
(٣) في المخطوط (قد) وما أثبت من مختصر الصواعق.
(٤) ذكر الرواية القاضي في إبطال التأويلات (١/ ٢٦١). وفيها دلالة واضحة على مذهب الإمام أحمد وهو إثبات النزول كما ورد في الأحاديث والسكوت عما سوى ذلك.
[ ٦٠ ]
عبد الله: يحكى عن موسى بن عقبة أنه قال: أحاديث الإسراء منام فقال: "هذا كلام الجهمية"، وقال: "منام الأنبياء وحي" (^١).
وكذلك نقل يعقوب بن بختان (^٢) عنه وقد سئل عن المعراج فقال: "رؤية الأنبياء وحي" فقد نص على إثبات ذلك وأنه وحي، وقد نطق القرآن بذلك، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء آية (١)].
فروى عبد الله قال حدثني أبي قال: ثنا يحيى بن سعيد (^٣) قال: ثنا هشام (^٤)
_________________
(١) الإسراء والمعراج ثبت بالأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة، وقد تنكر الجهمية أشياء منه تخالف مذهبهم، حيث فيه إثبات العلو والكلام، وفيه إثبات رؤية النبي ﷺ لربه لمن يرى ذلك. وجمهور المحدثين والفقهاء والمتكلمين أن الإسراء كان يقظة أسري بجسده وروحه ﵊، وقيل: إن الإسراء كان بالروح لا بالجسد، وهو مروي عن عائشة ﵂ ومعاوية بن أبي سفيان ﵁ والحسن البصري، ذكر ذلك عنهم ابن إسحاق. وقيل: إن الإسراء كان منامًا ذكره القاضي هنا عن موسى بن عقبة، كما نسبه ابن حجر إلى ميسرة التابعي، ومنهم من قال: إنه تكرر أكثر من مرة منه ما هو منام ومنه ما هو يقظة، ومن العلماء من توقف في ذلك وهو قول ابن إسحاق صاحب المغازي والذي عليه المعول عند العلماء قول الجمهور لتظافر الأدلة عليه. انظر تفسير ابن جرير (١٥/ ١٦)، سيرة ابن هشام (٢/ ٣٢ - ٣٦)، زاد المعاد (٣/ ٣٤ - ٤٢)، شرح العقيدة الطحاوية ص (٢٤٦)، فتح الباري (٧/ ١٩٧).
(٢) يعقوب بن إسحاق بن بختان أبو يوسف، قال الخطيب: كان أحد الصالحين الثقات. تاريخ بغداد (١٤/ ٢٨٠)، طبقات الحنابلة (١/ ٤١٥).
(٣) يحيى بن سعيد بن فروخ التميمي أبو سعيد القطان البصري ثقة متقن حافظ إمام قدوة توفي سنة ١٩٨ هـ التقريب ص (٣٧٥).
(٤) هشام بن أبي عبد الله سنبر أبو بكر البصري الدستوائي ثقة ثبت وقد رمي بالقدر، توفي سنة ١٥٤ هـ. التقريب ص (٣٦٤).
[ ٦١ ]
قال: ثنا قتادة (^١) عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ قال: "بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ أقبل إلي أحد الثلاثة بين الرجلين (^٢) وأتيت بطست من ذهب ملآن حكمة وإيمانًا فشق من النحر إلى مراق البطن، فغسل القلب بماء زمزم ثم ملئ حكمة وإيمانًا، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار ثم انطلقت مع جبريل فأتينا السماء الدنيا … " (^٣)، وذكر الخبر بطوله.
وفي لفظ آخر رواه مالك بن صعصعة أن نبي الله سئل عن ليلة الإسراء فقال: "بينما أنا في الحطيم، وربما قال قتادة: في الحجر: إذ أتاني آت فجعل يقول لصاحبه … " (^٤)، وذكر الخبر.
وروى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال له أصحابه: أخبرنا عن ليلة أسرى بك فيها فأخبرنا قال: "قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ وقرأ الآية قال: "بينما أنا نائم في المسجد إذ أتاني آت فأيقظني … " (^٥)، وذكر الخبر بطوله.
ولأنه ليس في إثبات ذلك ما يحيل شيئًا من صفاته.
واختلفت الرواية، هل رأى ربه تعالى في ليلة الإسراء أم لا (^٦)؟ على
_________________
(١) قتادة بن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري ثقة ثبت توفي سنة ١١٧ هـ. التقريب ص (٢٨١).
(٢) هكذا عند الإمام أحمد وعند مسلم "إذا سمعت قائلًا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين".
(٣) خ. بدء خلق (ب ذكر الخلق) (٤/ ٨٧) م. الإيمان (ب الإسراء (١/ ١٥٠)، حم (٤/ ٢٠٧).
(٤) حم (٤/ ٢٠٨).
(٥) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١١)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ١٣٦).
(٦) اختلف الصحابة في رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا على قولين: القول الأول: إنه رآه. وقال بهذا ابن عباس ومن وافقه من أصحابه وغيرهم كالحسن وعكرمة وكعب الاْ حبار، وهو رواية عن أبي ذر والزهري ومعمر، وهو قول الأشعري وعامة أتباعه. القول الثاني: إنه لم يره. وقال بهذا عائشة وابن مسعود وأبو هريرة ورواية عن أبي ذر رضي الله =
[ ٦٢ ]
ثلاث روايات:
أحدها: أنه رآه. قال المروذي: "قلت لأبي عبد الله يقولون: إن عائشة قالت: من زعم أن محمدًا قد رأى ربه فقد أعظم الفرية (^١)، فبأي شيء ندفع قول عائشة (^٢) بقول النبي ﷺ "رأيت ربي" (^٣) قول النبي ﷺ أكثر من قولها".
وذكر في موضع آخر أنه قال لأبي عبد الله: "ها هنا رجل يقول: إن الله يرى في الآخرة، ولا أقول إن محمدًا رأى ربه في الدنيا، فغضب وقال: هذا أهل أن يجفا، يسلم الخبر كما جاء"، فظاهر هذا أنه أثبت رؤيا عين (^٤).
ونقل حنبل قلت لأبي عبد الله: "النبي ﷺ رأى ربه رؤيا حلم، رآه بقلبه" فظاهر هذا نفي الرؤية.
وكذلك نقل الأثرم، وقد سأله عن حديث عبد الرحمن بن عائش (^٥)
_________________
(١) = عنه، وأخذ بهذا القول مجموعة من العلماء، ثم صار في المسألة قولان آخران أحدهما: التوقف لعدم وضوح الدليل، وبه قال سعيد بن جبير وسيذكره المصنف ص ٧١، والقرطبي في المفهم، وثانيهما: من جمع بين القولين بإثبات الرؤية القلبية ونفيها عن البصر، وقالوا: إن ابن عباس أثبت الرؤية مطلقًا وثبت عنه في رواية الرؤية القلبية فيحمل قوله عليها، وبهذا قال شيخ الإسلام وابن القيم وابن حجر وغيرهم. انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٥٠٩)، زاد المعاد (٣/ ٣٧)، البيان في أقسام القرآن ص (١٦٠ - ١٦٤)، فتح الباري (٨/ ٦٠٨).
(٢) أخرجه م. كتاب الإيمان (ب. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (١/ ١٥٩)، حم (٦/ ٢٣٦، ٢٤١).
(٣) هكذا في المخطوط ويبدو فيها سقطًا وهو "قال".
(٤) سيأتي تخريجه.
(٥) على هذا القول القاضي في إبطال التأويلات (١/ ١١١)، وأخذ به أيضًا أبو بكر النجاد، إلا أن الإطلاق من الإمام أحمد ﵀ لا يدل على أنه يقصد رؤيا العين، وإنما تابع الإمام أحمد ﵀ الحديث الذي ورد فيه إطلاق الرؤية، وانظر كلام ابن القيم في التبيان في أقسام القرآن ص (٢٦٠).
(٦) عبد الرحمن بن عائش الحضرمي مختلف في صحبته، وقال أبو حاتم من قال في روايته سمعت النبي ﷺ قد أخطأ. التقريب ص (٢٠٤).
[ ٦٣ ]
عن النبي ﷺ "رأيت ربي في أحسن صورة" (^١). فقال: مضطرب، لأن معمر (^٢) رواه عن أيوب (^٣) عن معبد (^٤) عن عبد الرحمن بن عائش عن النبي ﷺ (^٥).
ورواه حماد (^٦) عن قتادة عن عكرمة (^٧) عن ابن عباس (^٨) ورواه يوسف ابن عطية (^٩) عن قتادة عن أنس (^١٠).
_________________
(١) الحديث أخرجه الآجري في الشريعة ص ٤٩٧، واللالكائي في شرح السنة (٣/ ٥١٤)، والدارقطني في الرؤية ص ٣١٨ وفيه "رأيت ربي ﷿ في أحسن صورة، فقال لي: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ … " الحديث.
(٢) معمر بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري نزيل اليمن ثقة ثبت. توفي سنة ١٥٤ هـ. التقريب (٣٤٤).
(٣) أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني أبو بكر البصري ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد. توفي ١٣١ هـ. التقريب ص (٤١).
(٤) لم يتبين لي من هو.
(٥) هكذا في المخطوط، والذي يبدو أن فيها سقطًا وتداخلًا، لأن الرواية كما في إبطال التأويلات "فقال مضطرب في إسناده لأن معمرًا روى عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس عن النبي ﷺ .. " كما لم أقف على رواية من طريق معمر عن أيوب عن عبد الرحمن بن عائش. ومن الملاحظ هنا أن ابن القيم ﵀ نقل كلام القاضي هنا كما هو في المخطوطة هنا. انظر التبيان في أقسام القرآن ص (٢٥٨ - ٢٦٠).
(٦) حماد بن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة ثقة عابد وتغير حفظه بأخرة. توفي سنة ١٦٧ هـ. التقريب ص ٨٢.
(٧) عكرمة بن عبد الله مولى ابن عباس أصله بربري ثقة عالم بالتفسير ولم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة توفي سنة ١٠٧ هـ. التقريب ص (٢٤٣).
(٨) أخرج هذه الرواية حم (١/ ٢٨٥)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٩١)، والدارقطني في الرؤية ص ٣٤٥.
(٩) يوسف بن عطية بن ثابت الصفار البصري أبو سهل متروك توفي سنة ١٨٧ هـ. التقريب ص (٣٨٨).
(١٠) أخرجها الدارقطني في الرؤية ص (٣٣٣).
[ ٦٤ ]
ورواه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر (^١) عن خالد بن اللجلاج (^٢) عن عبد الرحمن بن عائش عن رجل من أصحاب النبي ﷺ (^٣).
ورواه يحيى بن أبى كثير (^٤) فقال عن ابن عائش عن معاذ عن النبي ﷺ (^٥) وأصل الحديث واحد (^٦).
قال الاثرم: قلت لأبي عبد الله إلى أي شيء تذهب قال، قال الأعمش (^٧) عن زياد بن الحصين (^٨) عن أبي العالية (^٩) عن ابن عباس قال: "رأى محمد
_________________
(١) عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي الداراني ثقة. توفي سنة ١٥٤ هـ وقيل غير ذلك. التقريب ص (٢١١).
(٢) خالد بن اللجلاج العامري أبو إبراهيم حمصي، وقيل دمشقي صدوق فقيه من الثانية. التقريب ص (٩٠).
(٣) أخرجها حم (٥/ ٣٧٨)، وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٥٣٨).
(٤) يحيى بن أبي كثير الطائي مولاهم أبو نصر اليمامي ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل. توفي سنة ١٣٢ هـ. التقريب ص (٣٧٨).
(٥) أخرجه حم (٥/ ٢٤٣)، ت. تفسير القرآن (ب ٣٩) (٥/ ٣٦٨) وقد صحح الحديث على الرواية الأخيرة الترمذي، ونقل ذلك عن البخاري أيضًا فقال: هذا حديث حسن صحيح سألت محمد ابن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح، انتهى. وظاهر من نص الرواية في بعض طرقها أن المراد رؤية منامية، ففي الترمذي نص الرواية هكذا "احتبس عنا رسول الله ﷺ ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعًا فثوب بالصلاة فصلى رسول الله ﷺ وتجوز في صلاته، فلما سلم دعا بصوته قال لنا: على مصافكم كما أنتم ثم انفتل إلينا ثم قال: أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة: إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا أنا بربي ﵎ في أحسن صورة فقال: يا محمد قلت لبيك رب قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري … " الحديث.
(٦) ذكر ذلك القاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات (١/ ١٤٠) واستقصى أكثر الروايات الدارقطني في الرؤية ص (٣٠٨ - ٣٥٧)، وانظر كلام ابن حجر في الإصابة (٦/ ٢٩٣).
(٧) سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي أبو محمد الكوفي الأعمش ثقة حافظ عارف بالقراءة ورع ولكنه يدلس توفي سنة ١٤٧ هـ. التقريب ص ١٣٦.
(٨) زياد بن الحصين بن أوس النهشلي ثقة. التقريب ص (١٠٩).
(٩) رفيع بن مهران أبو العالية الرياحي "بكسر الراء" ثقة كثير الإرسال توفي سنة ٩٠ هـ. التقريب ص (١٠٤).
[ ٦٥ ]
ربه بقلبه" (^١).
ونقل الأثرم: أن رجلًا قال لأحمد عن حسن الأشيب (^٢)، أنه قال: لم ير النبي ﷺ ربه تعالى، فأنكر عليه إنسان وقال: لم لا تقول رآه، ولا تقول بعينيه، ولا بقلبه كما جاء الحديث، فاستحسن الأشيب، فقال أبو عبد الله: حسن (^٣).
فظاهر هذا إثبات رؤية لا يعقل معناها هل كانت بعينه أم بقلبه (^٤).
وجه الرواية الأولى وهي اختيار شيخنا (^٥) ما روى أحمد قال: حدثنا عبد الله بن وهب (^٦) قال أخبرني عمرو بن الحارث (^٧) عن سعيد بن أبي هلال (^٨) أن مروان بن عثمان (^٩) حدثه عن عمارة بن عامر (^١٠) عن أم الطفيل
_________________
(١) أخرجها م. الإيمان (١/ ١٥٨)، والدارقطني في الرؤية ص (٣٥١)، فعليه تكون هذه الرواية الثانية عن الإمام أحمد وهي نفي رؤيا العين وإثبات الرؤية القلبية.
(٢) في المخطوطة (حسين) وكذلك لدى ابن القيم في التبيان في أقسام القرآن ص (٢٥٩) وصوابه حسن وهو ابن موسى الأشيب ذكر في الطبقات أنه روي عن الإمام أحمد، وروي عنه الإمام أحمد وقال في التقريب: أبو علي البغدادي قاضي الوصل وغيرها ثقة مات ٢٠٩ هـ. طبقات الحنابلة (١/ ١٣٨)، التقريب ص (٧٢).
(٣) لم أقف على الرواية.
(٤) تكون هذه الرواية الثالثة عن الإمام أحمد وهو إطلاق الرؤية على رأي القاضي ﵀، ومن تأمل ذلك يتضح له أنها تتفق مع الرواية الأولى صـ ٦٥ إذ ليس في تلك ما يدل على أنه قصد إثبات رؤية العين ..
(٥) يقصد الشيخ أبا عبد الله الحسن بن حامد.
(٦) عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري ثقة حافظ عابد. توفي سنة ١٩٧ هـ. التقريب ص (١٩٣).
(٧) عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري مولاهم المصري ثقة فقيه حافظ. مات قبل ١٥٠ هـ. التقريب ص (٢٥٨).
(٨) سعيد بن أبي هلال الليثي مولاهم أبو العلاء المصري صدوق، وحكى عنه أحمد أنه اختلط. مات بعد ١٣٠ هـ وقيل غير ذلك. التقريب ص (١٣٦).
(٩) مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى الأنصاري الزرقي، ضعيف من السادسة. التقريب ص (٣٣٣).
(١٠) عمارة بن عامر قال الذهبي في الميزان: عمارة بن عمير عن أم الطفيل بحديث الرؤية لا يعرف ذكره البخاري في الضعفاء. ميزان الاعتدال (٣/ ١٧٧).
[ ٦٦ ]
امرأة أبي ابن كعب أنها سمعت رسول الله ﷺ ذكر أنه رأى ربه في المنام في صورة شاب موفر رجلاه في خضر عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب (^١).
وروي أبو ثعلبة الخشني (^٢) عن أبي عبيدة بن الجراح عن النبي ﷺ قال: "لما كانت ليلة أسري بي رأيت ربي في أحسن صورة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى … "، وذكر الخبر (^٣).
وروى خالد بن اللجلاج عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "رأيت ربي في أحسن صورة فقال لي: يا محمد … ". وذكر الخبر (^٤).
وروي خالد بن اللجلاج عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "رأيت ربي في أحسن صورة، فقال لي يا محمد … ". وذكر الخبر (^٥).
وهذه الأخبار نصوص في الرؤية، ولأنه ليس في رؤيته إحالة (^٦) شيء
_________________
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٠٥)، والدارقطني في الرؤية ص ٣٦١، واللالكائي في السنة (٣/ ٥١٧)، والقاضي في إبطال التأويلات (١/ ١٣٦) وسيأتي قول الإمام أحمد عن الحديث إنه منكر.
(٢) في المخطوط (الحسين) والتصحيح من "إبطال التأويلات" وأبو ثعلبة الخشني صحابي قيل: اسمه جرثومة، وقيل غير ذلك. روي عن أبي ذر وغيره، توفي في ٧٥ هـ وقيل غير ذلك. انظر تهذيب التهذيب (١٢/ ٤٩).
(٣) ذكره القاضي في إبطال التأويلات (١/ ١٠٣) وعزاه إلى الخلال في السنة، وأخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه (٨/ ١٥١ - ١٥٢). قال ابن القيم: وهو حديث لا يصح عن أبي عبيدة بن الجراح … وهو غلط قطعًا فإن القصة -أي رؤية النبي ﷺ لربه- إنما كانت بالمدينة كما قال معاذ ابن جبل … فهذا كان بالمدينة والإسراء كان بمكة. التبيان في أقسام القرآن ص (٢٦٠).
(٤) سبق تخريجها ص ٦٧.
(٥) أخرجها الدارقطني في الرؤية ص (٣٢٦)، وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٥٣٨)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٥٣٨).
(٦) الكلمة غير واضحة فأمكن قراءتها هكذا.
[ ٦٧ ]
من صفاته (^١).
ووجه الثانية: أن إثبات الرؤية يتعلق بصفاته، وذلك لا يثبت إلا بخبر تلقته الأمة بالقبول، وهذا الخبر غير متلق بالقبول لأن جماعة من السلف تنكر ذلك، فروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية" (^٢).
وروى يزيد بن شريك (^٣) عن أبي ذر ﵁ قال: "رأى محمد ربه بقلبه" (^٤).
وروى عطاء (^٥) عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "رأى ربه بقلبه مرتين" (^٦).
وروى الشعبي (^٧) عن ابن عباس ﵁ قال: "رأى ربه مرتين، مرة ببصره ومرة بفؤاده، قوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم آية (١٧)] وقوله ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم آية (١١)] (^٨).
_________________
(١) واضح من هذه الروايات عدم النص على أنها رؤية بصرية، بل ورد في ألفاظ روايات عدة من هذا الحديث أنها رؤية منامية، انظر ص ٦٧.
(٢) سبق تخريجه ص ٦٥.
(٣) يزيد بن شريك بن طارق التيمي الكوفي ثقة، يقال: إنه أدرك الجاهلية من الثانية. مات في خلافة عبد الملك. التقريب ص (٣٨٢).
(٤) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد (١/ ٥١٦)، واللالكائي في شرح السنة (٣/ ٥١٩).
(٥) عطاء بن أبي رباح القرشي مولاهم المكي ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإرسال. توفي سنة ١١٤ هـ. التقريب ص (٢٣٩).
(٦) أخرجه اللالكائي في شرح السنة (٣/ ٥١٨).
(٧) عامر بن شراحيل الشعبي ثقة مشهور فقيه فاضل. توفي بعد المائة. التقريب ص (١٦١).
(٨) لم أقف عليه، وأخرج م. في الإيمان (١/ ١٥٨) عن أبي العالية عن ابن عباس قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قال: رآه بفؤاده مرتين.
[ ٦٨ ]
وعن سعيد بن جبير (^١) قال: "لا أقول رآه ولا لم يره" (^٢). وروي عن الحسن (^٣) وعكرمة "أنه رآه" (^٤).
وقد نقل الأثرم عن أحمد فيما تقدم: أن الحديث مضطرب لأجل الاختلاف.
ووجه الرواية الثالثة: أنهم قد أجمعوا على إثبات الرؤية، وإنما اختلفوا هل كانت رؤيا عين أو رؤيا قلب، فمن أثبت رؤيا في الجملة غير معلومة فقد أثبت تسمية مجمع عليها، فأما حديث أم الطفيل فقد نقل مهنا قال: "سألته عن حديث رواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال أن مروان بن عثمان حدثه عن عمارة عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب أنها قالت: سمعت النبي ﷺ يذكر: "أنه رأى ربه في المنام في صورة شاب موفر رجلاه في خضر عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب" (^٥) فحول وجهه عني وقال: هذا حديث منكر، وقال: لا يعرف هذا الرجل، هذا الرجل مجهول" يعني مروان بن عثمان.
فظاهر هذا أنه ضعف حديث أم الطفيل، وأصحابنا قد رووه واعتمدوا عليه.
وأما حديث ابن عباس فقال أبو بكر المروذي: حدثني عبد الصمد بن يحيى الدهقان قال سمعت شاذان يقول: أرسلت إلى أبي عبد الله أستأذنه في أن أحدث بحديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس: "رأيت ربي" فقال:
_________________
(١) سعيد بن جبير الأسدي مولاهم الكوفي ثقة ثبت فقيه قتل بين يدي الحجاج سنة ٩٥ هـ. التقريب ص (١٢٠).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) الحسن بن أبي الحسن البصري الأنصاري مولاهم ثقة فقيه فاضل مشهور رأس الطبقة الثالثة توفي سنة ١١٠ هـ. التقريب ص (٦٩).
(٤) أخرجه اللالكائي في السنة (٣/ ٥١٦).
(٥) سبق تخريجه ص ٦٩.
[ ٦٩ ]
حدث به فقد حدث به العلماء (^١). فظاهر هذا أنه صححه وأخذ به.
لفظ حديث قتادة عن عكرمة ما رواه أبو بكر الخلال قال: حدثنا الحسن ابن ناصح الخلال (^٢) قال حدثنا الأسود بن عامر شاذان قال حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي ﷺ رأى ربه جعدًا قططًا أمرد في حلة خضراء (^٣).