منها: القول بخلق القرآن، ونفي الرؤية، وخلق الأفعال ونحو ذلك، لأن الدلالة قد دلت على ذلك مما هو مكانه في غير هذا الموضع، فإن توقف أحد في تكفيرهم فهل يكفر هذا الواقف أم لا؟
_________________
(١) سعيد بن أبي عروبة مهران اليشكري مولاهم أبو النضر البصري، ثقة حافظ له تصانيف لكنه يكثر التدليس، توفي سنة ١٥٦ هـ. التقريب ص (١٢٤).
(٢) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن أبي الحكم بن أبي العاص الأموي أمير المؤمنين ولي إمرة المدينة للوليد بن عبد الملك وكان مع سليمان بن عبد الملك كالوزير وولي الخلافة بعده فعد مع الخلفاء الراشدين توفي سنة ١٠١ هـ ومدة خلافته سنتان ونصف. التقريب ص (٢٥٥).
(٣) لم أقف على هذه الرواية.
(٤) مسألة التكفير من المسائل الخطيرة والعظيمة لما يترتب عليها من الحكم على الشخص بالخلود بالنار وأنه محروم من رحمة الله ﷿ في الآخرة إن مات على الكفر، كما ورد الوعيد الشديد لمن وصف أخاه بالكفر وليس هو كذلك فقد روي عن النبي ﷺ قال: "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" خ. الإيمان (١/ ١٥) م. الإيمان (١/ ٨١). ومذهب أهل السنة أنهم لا يكفرون بالذنوب التي هي الكبائر إلا أن يكون الشرك بالله والسحر ويوافقهم في ذلك الأشعرية والماتريدة. ويخالف في ذلك الخوارج الذين يكفرون بارتكاب شيء من الكبائر، وكذلك المعتزلة الذين يحكمون على مرتكب الكبيرة أنه في منزلة بين المنزلتين فقد خرج من الإسلام ولم يدخل في الكفر وهو عند الطائفتين في الآخرة مخلد في النار. والحق أن نواقض الإسلام التي يخرج مرتكبها منه كثيرة من أهمها عشرة وهي:
(٥) الشرك بالله.
(٦) جعل الوسائط بين العبد وربه يدعوهم ويتوسط بهم فيسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم. =
[ ١٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٣ - من لم يكفر الكفار أو شك في كفرهم.
(٢) من اعتقد أن غير هدى النبي ﷺ أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه.
(٣) من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ.
(٤) من استهزأ بشيء مما جاء به الرسول ﷺ.
(٥) السحر.
(٦) مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين.
(٧) من اعتقد أن أحدًا يسعه الخروج عن دين محمد ﷺ.
(٨) الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به. مجموعة رسائل في التوحيد ص ٢٨٥. ولو دققنا النظر في هذه النواقض نجدها تعود إلى شيء واحد في الجملة وهو مناقضة صريح ما جاء عن الله ﷿ أو عن رسوله ﷺ إما مضادة أو ردًا أو تكذيبًا أو شكًا أو ترددًا أو بغضًا، والتكذيب هو أظهر أنواع تلك المناقضة، فالشرك مناقض ومضاد لصريح دعوة الإسلام وأصله وحقيقته الذي هو التوحيد، وهو متضمن لرد وتكذيب خبر الله ورسوله، ومن شك في كفر الكفار أو تردد أو ظن أن هدي غير الله أكمل من هديه أو أحسن، أو اعتقد أن أحدًا يسعه الخروج عن دين الله، أو أعرض عن دين الله فهذا كله يعود في حقيقته إلى تكذيب خبر الله ﷿ وخبر رسوله ﷺ. والبغض والاستهزاء بشئ من دين الله في أصله يعود الى التكذيب، لأن ذلك لا يقع إلا من مكذب ولكنه قد يتضمن مع ذلك تصورات فاسدة تعود إلى شهوة دنيوية من ميل إلى ما حرم الله أو نفرة مما أحل الله فيقع في نفسه ذلك الشعور وهو البغض أو الاستهزاء والاستهتار به لما وقع في نفسه من الشهوة الدنيوية وذلك لا شك كفر وخروج من الإسلام، أما السحر فلأنه متضمن للشرك الذى هو مناقض لحقيقة الإسلام وأصله وهو التوحيد فإن الساحر إنما هو مستخدم للشيطان ولا يخدمه الشيطان إلا أن يشرك به. ومظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين لا يكون ألا بكفر باطني وهو النفاق، فيعود إلى التكذيب أو إلى أمر دنيوي من تقديمها على الآخرة تقديمًا يفسد على الإنسان دينه. فيظهر من هذا كله أن ما يخرج المسلم من دينه أمور عديدة يعود جلها إلى تكذيب خبر الله ﷿ وخبر رسوله ﷺ. ومن هذا الوجه ما يذكره العلماء في تكفير مستحل شيئا من الذنوب، مفرقين بينه وبين من يرتكبها غير مستحل لها، وذلك لأن الزاني مثلا إذا زنى وهو مستحل للزنا فقد كذب الله في خبره ورد عليه أمره في تحريم الزنا، أما المرتكب له بدون استحلال فهو مقر بتحريم الزنا شاهد على نفسه بالمخالفة. ومن هذا الوجه من أطلق العلماء تكفيرهم من أهل البدع فإنما أطلقوا تكفيرهم لما في مقالتهم من التكذيب لصريح خبر الله ومناقضته مناقضة صريحة، وذلك مثل الجهمية الذين ينفون الصفات ويدَّعون =
[ ١٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = خلق القرآن وينكرون علو الله واستواءه على عرشه، فهذه أمور قد ورد التصريح بها في القرآن والسنة فردها تكذيب لخبر الله ﷿ وخبر رسوله ﷺ. ومن هذا الوجه تكفير القدرية الذين يجحدون العلم والقائلين بأن الله لا يخلق أفعال العباد، ومنه كذلك تكفير المنكرين لرؤية الله في الآخرة فهذه المسائل كلها فيها نصوص صريحة واضحة، بخلاف المسائل التي نصوصها ليست صريحة فإن قائلها قد يخطأ وقد يبدع مثل من أنكر دخول الأعمال في الإيمان أو زيادته ونقصانه أو عروج الرسول ﷺ بجسده وروحه أو قال بتفضيل علي على أبي بكر أو نحو ذلك من المسائل التي ليست لها أدلة صريحة يعلم منها أن صاحبها إنما أنكرها وخالفها مع صراحتها مناقضًا بذلك كلام الله وكلام رسوله ﷺ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمشهور من مذهب أحمد، وعامة أئمة السنة تكفير الجهمية وهم المعطلة لصفات الرحمن، فإن قولهم صريح في مناقضة ما جاءت به الرسل من الكتاب وحقيقة قولهم جحود الصانع ففيه جحود الرب، وجحود ما أخبر به عن نفسه على لسان رسله. "مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٨٥) وانظر أيضا مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٤٨). بقى هنا من عموم ما ذكرنا الصلاة، فإن كثيرًا من العلماء يرى كفر تاركها تهاونًا وكسلًا وان كان مقرًا بوجوبها معترفًا بتقصيره، وما ذلك إلا لأن الصلاة عمود الإسلام، وقد جاء من النصوص في وجوبها والتحذير من التهاون بها ما لم يأت في غيرها بحيث صارت قرينة الإيمان بالله واليوم الآخر، كما أن الصلاة أظهر معاني العبادة بحيث أن الإنسان إذا لم يصل فإنه لم يعبد الله في الحقيقة، ولم يؤد له سبحانه شيئا من حقه عليه، مع ما ورد فيها من النصوص الدالة على كفر تاركها، فلهذا قال كثير من العلماء بكفر تاركها تهاونًا وكسلًا وإن كان مقرًا ومعترفًا بوجوبها. انظر الصلاة، لابن القيم ضمن مجموعة الحديث النجدية ص ٤٩٦. فعلى هذا من وقع منه شيء من تلك الأمور المكفرة هل يحكم بكفره على الإطلاق أم لا؟ أما الأمور الظاهرة من دين الإسلام مثل تحريم الشرك ونحوه من القتل والزنا والربا، فمن أشرك أو اعتقد حل بعض المحرمات المعروفة فإنه يكفر إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو أسلم ولم يجد من يعلمه الإسلام، فلا يحكم بكفره إلا بعد تعليمه، وفي هذا يقول الله ﷿ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥] فنص الله ﷿ على التبين، ولما قال عدد من الصحابة بعد غزوة الحديبية ممن كانوا حدثاء عهد بكفر "يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط قال لهم ﵊: قلتم والذى نفسي =
[ ١٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بيده كما قال أصحاب موسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف آية: ١٣٨]. فأبان لهم النبي ﷺ الحجة وعذرهم لجهلهم لحداثة عهدهم بالإسلام. أما الأمور التي قد تعرض فيها شبهة ويقولها الإنسان لشبهة عرضت له مثل مقالة الجهمية والمعتزلة ونحوهم فإنه لا يكفر قائلها، وذلك لما لديهم فيها من الشبه المانعة من معرفة الحق وإن لم يكن كثير منهم يقصد تكذيب الله ورد خبره، فإنه لا يكفر إلا إذا أبينت له الحجة ووضحت له المحجة، ويستدل لذلك بما وقع من قدامة وأصحابه لما شربوا الخمر وظنوا أنها حلال لهم، قد اتفق الصحابة على أنهم إن أصروا على حلها قتلوا، وإن لم يصروا على حلها جلدوا. انظر الإصابة لابن حجر (٨/ ١٤٥). وهذا يدل على أنهم بعد البيان إن أصروا على الحل كفروا، وذلك لردتهم، وإن أقروا بالحرمة جلدوا حد شارب الخمر. إما إطلاق الكفر على المقالة، وأن من قال هذا كفر، كقول كثير من العلماء "من قال بخلق القرآن كفر" أو "من يقول القرآن مخلوق فهو كافر" أو "الجهمية كفار" بإطلاق فإن ذلك جائز أن يطلق على كل مقالة متضمنة للكفر بالله، وقد أطلق النبي ﷺ الكفر على أعمال عديدة منها قوله ﵊: "ثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة" م. الإيمان (١/ ٨٢). "من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد". "أخرجه حم. (٢/ ٤٧٦) ت. في الطهارة (١/ ٢٤٣) .. ونحو ذلك فهذا الإطلاق جائز، ولكنا لا نطلقه إلا على ما ورد الشرع بإطلاقه عليه، أو هو مستلزم للكفر على وجه من أوجه الكفر السابق ذكرها. أما تكفير المعين من الأشخاص فلا يجوز إطلاق الكفر عليه إلا إذا بينت له الحجة، فإن معارضته عند ذلك تكون إما تكذيبًا أو تقليدًا لآراء وأهواء وتقديمها على كلام الله ورسوله وكل ذلك كفر، وعلى هذا يحمل كلام الأئمة فيمن كفروهم من أئمة الجهمية ومن يقول بمقالتهم على أنهم رأوا أن الحجة قد بلغتهم وأنهم قد قدموا أهواءهم وعقولهم عليها مع وضوحها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر الخلاف في التكفير والحكم بالخلود بالنار على المكفر قال: وسبب هذا التنازع تعارض الأدلة فإنهم يرون أدلة توجب إلحاق أحكام الكفر بهم، ثم إنهم يرون من الأعيان الذين قالوا تلك المقالات من قام به من الإيمان ما يمتنع أن يكون كافرًا فيتعارض عندهم الدليلان، وحقيقة الأمر أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع، كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو كافر، اعتقد السامع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت =
[ ١٠٩ ]
نقل المروذي ويعقوب بن بختان، وأبو طالب: لا يكفر، قال في رواية أبي طالب: "من قال القرآن مخلوق فهو كافر ومن لا يكفر من قال القرآن مخلوق فلا يكفره" وكذلك نقل المروذي في قوم بطرسوس (^١) يكفرون من لا يكفر فقال: ما سمعت في هذا شيئا. هذا على طريق التوكيد بمعرفة شيء في تكفيرهم، فكأن مذهبه أنهم يكفرون يعنى الجهمية ولا يكفر من لا يكفرهم. فظاهر هذا أنه لم يكفرهم فكذلك نقل أبو طالب.
وقيل له أهل الثغر يكفرون من لا يكفر (^٢)
_________________
(١) = الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين اطلقوا هذه العمومات، لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه فإن الإمام أحمد -مثلًا- قد باشر "الجهمية" الذين دعوه إلى خلق القرآن، ونفى الصفات وامتحنوه وسائر علماء وقته .. ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوه من الظلم والدعاء إلى القول الذى هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع. وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية، الذين كانو يقولون: القرآن مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة. وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفر به قومًا معينين فإما أن يذكر عنه في المسألة روايتان وفيه نظر. أو يحمل الأمر على التفصيل فيقال: من كفر بعينه: فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه، ومن لم يكفره بعينه فلإنتفاء ذلك في حقه هذا مع اطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم. "مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٨٧ - ٤٨٩) وانظر شرح الطحاوية ص ٣٣٨ - ٣٤٨) ورسالة في حكم من يكفر غيره من المسلمين ضمن الرسائل والمسائل النجدية (٥١١ - ٥٢٢) ضوابط التكفير ص ١٩ وما بعدها.
(٢) - طَرَسُوس: مدينة في الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم وهي على البحر الأبيض المتوسط شمال طرابلس. معجم البلدان ٤/ ٢٨) الأطلس الجديد للعالم ص ٤٢.
(٣) - طمس في الصفحة قرابة نصف الصفحة ولم أقف على شيء من هذه النصوص إلا أن شيخ الإسلام أشار إلى الخلاف في المسألة فقال: ثم طائفة من أصحابه -يعني أصحاب الإمام أحمد- يحكون عنه في تكفير أهل البدع مطلقًا روايتين، حتى يجعلوا المرجئة داخلين في ذلك، وليس الأمر كذلك، وعنه في تكفير من لا يكفر روايتان أصحهما لا يكفر، وربما جعل بعضهم الخلاف في تكفير من لا يكفر مطلقًا، وهو خطأ محض، والجهمية عند كثير من السلف: مثل عبد الله بن المبارك، =
[ ١١٠ ]
فيكلمه والأخبار في معنى هذا كثيرة.
والوجه فيمن قال (^١). . . . . .