غيبا وحجها عَن إِدْرَاك الْمُكَلّفين فِي هَذِه الدَّار وَذَلِكَ من كَمَال حكمته وليتميز الْمُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ من غَيرهم فَأول ذَلِك أَن الْمَلَائِكَة تنزل على المحتضر وتجلس قَرِيبا مِنْهُ ويشاهدهم عيَانًا وَيَتَحَدَّثُونَ عِنْده وَمَعَهُمْ الأكفان والحنوط إِمَّا من الْجنَّة وَإِمَّا من النَّار ويؤمنون على دُعَاء الْحَاضِرين بِالْخَيرِ وَالشَّر وَقد يسلمُونَ على المحتضر وَيرد عَلَيْهِم تاره بِلَفْظِهِ تَارَة باشارته وتاره بِقَلْبِه حَيْثُ لَا يتَمَكَّن من نطق وَلَا إِشَارَة
وَقد سمع بعض المحتضرين يَقُول أَهلا وسهلا ومرحبا بِهَذِهِ الْوُجُوه
وَأَخْبرنِي شَيخنَا عَن بعض المحتضرين فَلَا ادرى أشاهده وَأخْبر عَنهُ انه سمع وَهُوَ يَقُول عَلَيْك السَّلَام هَا هُنَا فاجلس وَعَلَيْك السَّلَام هَا هُنَا فاجلس
[ ٦٤ ]
وقصة خير النساج ﵀ مَشْهُورَة حَيْثُ قلا عِنْد الْمَوْت اصبر عافاك الله فَإِن مَا أمرت بِهِ لَا يفوت وَمَا أمرت بِهِ يفوت ثمَّ استدعى بِمَاء فَتَوَضَّأ وَصلى ثمَّ قَالَ امْضِ لما أمرت بِهِ وَمَات
وَذكر ابْن أَبى الدُّنْيَا أَن عمر بن عبد الْعَزِيز لما كَانَ فِي يَوْمه الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَالَ أجلسونى فَأَجْلَسُوهُ فَقَالَ أَنا الذى أمرتنى فقصرت ونهيتنى فعصيت ثَلَاث مَرَّات وَلَكِن لَا إِلَه إِلَّا الله ثمَّ رفع رَأسه فأحد النّظر فَقَالُوا انك لتنظر نظرا شَدِيدا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ إنى لأرى حَضْرَة مَا هم بانس وَلَا جن ثمَّ قبض
وَقَالَ مسلمة بن عبد الْملك لما احْتضرَ عمر بن عبد الْعَزِيز كُنَّا عِنْده فِي قبَّة فَأومى إِلَيْنَا أَن اخْرُجُوا فخرجنا فَقَعَدْنَا حول الْقبَّة وبقى عِنْده وصيف فسمعناه يقْرَأ هَذِه الْآيَة ﴿تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾ مَا أَنْتُم بانس وَلَا جَان ثمَّ خرج الوصيف فَأومى إِلَيْنَا أَن ادخُلُوا فَدَخَلْنَا فَإِذا هُوَ قد قبض
وَقَالَ فضَالة بن دِينَار حضرت مُحَمَّد بن وَاسع وَقد سجى للْمَوْت فَجعل يَقُول مرْحَبًا بملائكة ربى وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وشممت رَائِحَة طيب لم أَشمّ قطّ أطيب مِنْهَا ثمَّ شخص ببصره فَمَاتَ
والْآثَار فِي ذَلِك أَكثر من أَن تحصر
وأبلغ وأكفى من ذَلِك كُله قَول الله ﷿ ﴿فلولا إِذا بلغت الْحُلْقُوم وَأَنْتُم حِينَئِذٍ تنْظرُون وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم وَلَكِن لَا تبصرون﴾ أى أقرب إِلَيْهِ بملائكتنا وَرُسُلنَا وَلَكِنَّكُمْ لَا ترونهم فَهَذَا أول الْأَمر وَهُوَ غير مرئى لنا وَلَا مشَاهد وَهُوَ فِي هَذِه الدَّار
ثمَّ يمد الْملك يَده إِلَى الرّوح فيقبضها ويخاطبها والحاضرون لَا يرونه وَلَا يسمعونه ثمَّ تخرج فَيخرج لَهَا نور مثل شُعَاع الشَّمْس ورائحة أطيب من رَائِحَة الْمسك والحاضرون لَا يرَوْنَ ذَلِك وَلَا يشمونه
ثمَّ تصعد بَين سماطين من الْمَلَائِكَة والحاضرون لَا يرونهم
ثمَّ تأتى الرّوح فتشاهد غسل الْبدن وتكفينه وَحمله وَتقول قدمونى قدمونى أَو إِلَى أَيْن تذهبون بى وَلَا يسمع النَّاس ذَلِك فَإِذا وضع فِي لحده وَسوى عَلَيْهِ التُّرَاب لم يحجب التُّرَاب الْمَلَائِكَة عَن الْوُصُول إِلَيْهِ بل لَو نقر لَهُ حجر فأودع فِيهِ وَختم عَلَيْهِ بالرصاص لم يمْنَع وُصُول الْمَلَائِكَة إِلَيْهِ فَإِن هَذِه الاجسام الكثيفة لَا تمنع خرق الْأَرْوَاح لَهَا بل الْجِنّ لَا يمْنَعهَا ذَلِك بل قد جعل الله سُبْحَانَهُ الْحِجَارَة وَالتُّرَاب للْمَلَائكَة بِمَنْزِلَة الْهَوَاء للطير واتساع الْقَبْر وانفساحه للروح
[ ٦٥ ]
بِالذَّاتِ وَالْبدن تبعا فَيكون الْبدن فِي لحد أضيق من ذِرَاع وَقد فسح لَهُ مد بَصَره تبعا لروحه وَأما عصرة الْقَبْر حَتَّى تخْتَلف بعض أَجزَاء الْمَوْتَى فَلَا يردهُ حس وَلَا عقل وَلَا فطْرَة وَلَو قدر أَن أحدا نبش عَن ميت فَوجدَ أضلاعه كَمَا هى لم تخْتَلف لم يمْنَع أَن تكون قد عَادَتْ إِلَى حَالهَا بعد العصرة فَلَيْسَ مَعَ الزَّنَادِقَة والملاحدة إِلَّا مُجَرّد تَكْذِيب الرَّسُول
وَلَقَد أخبر بعض الصَّادِقين أَنه حفر ثَلَاثَة أقبر فَلَمَّا فرغ مِنْهَا اضْطجع ليستريح فَرَأى فِيمَا يرى النَّائِم ملكَيْنِ نزلا فوقفا على أحد الأقبر فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه اكْتُبْ فرسخا فِي فَرسَخ ثمَّ وقف على الثانى فَقَالَ اكْتُبْ ميلًا فِي ميل ثمَّ وقف على الثَّالِث فَقَالَ اكْتُبْ فترا فِي فتر ثمَّ انتبه فجىء بِرَجُل غَرِيب لَا يؤبه لَهُ فَدفن فِي الْقَبْر الأول ثمَّ جىء بِرَجُل آخر فَدفن فِي الْقَبْر الثانى ثمَّ جىء بِامْرَأَة مترفة من وُجُوه الْبَلَد حولهَا نَاس كثير فدفنت فِي الْقَبْر الضّيق الذى سَمعه يَقُول فترا فِي فتر والفتر مَا بَين الْإِبْهَام والسبابة